لندن –”القدس العربي”: تسببت جريمة اغتيال الصحافي والكاتب السعودي جمال خاشقجي بإحراج الجيش الالكتروني الذي يعمل لحساب السعودية على الانترنت، ويروج لولي عهدها الأمير محمد بن سلمان على شبكات التواصل الاجتماعي، وهو الجيش الذي يُطلق عليه معارضوه اسم “الذباب الالكتروني”.
وبدأ الحرج يتزايد والحجة تضعف في أوساط المدافعين عن السعودية خلال الأسابيع القليلة الماضية، في أعقاب اعتراف الرياض التدريجي بارتكاب جريمة الاغتيال وبأنها كانت مدبرة، إضافة إلى الإطاحة بكل من نائب رئيس جهاز الاستخبارات السعودية أحمد عسيري، والمستشار في الديوان الملكي سعود القحطاني، الذي يسود الاعتقاد بأنه أدار “الجيش الالكتروني” الذي يتولى مهمة الترويج للأمير محمد بن سلمان على الانترنت.
وكان تقرير بثته شبكة “بي بي سي” البريطانية قال إن اللجان الالكترونية السعودية تقوم بالتشويش على أي معلومة حقيقية تنتقد السعودية أو تكشف حقيقة الأوضاع الداخلية وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لمواطنيها.
وأوضح التقرير اعتماد اللجان الإلكترونية على حسابات وهمية، بصور حقيقية، وأسماء تعود لعائلات سعودية معروفة تنشر تغريدات غير حقيقية قدرت بـ100 ألف تغريدة يوميا تصدر من المملكة، كما تعمل هذه الحسابات على إنشاء هاشتاغات ونشر تغريدات تصب في هدف واحد وهو دعم الموقف السعودي والترويج لولي العهد محمد بن سلمان.
ونشرت وكالة “رويترز” تقريرا مؤخراً يتحدث عن “حرب شرسة” تدور على شبكة الإنترنت على خلفية اغتيال خاشقجي، وأشارت إلى أن الحسابات الآلية المعروفة إعلاميا بـ”الذباب الإلكتروني” غزت مواقع التواصل الاجتماعي في الأسابيع الأخيرة بمنشورات مؤيدة للأسرة الحاكمة في السعودية تهدف إلى التشكيك في تورط أي من أعضاء الأسرة في السعودية بجريمة الاغتيال.
وكشفت وجود 53 موقعا على الأقل تدعي أنها منتمية إلى وسائل إعلام عربية وتنشر معلومات مزيفة حول الحكومة السعودية ومقتل خاشقجي من أجل خلط الأوراق وإثارة البلبلة حول قضية خاشقجي.
وفيما تشهد شبكة الانترنت حرباً ضروس بين المؤيدين للنظام السعودي الذين يديرون حسابات وهمية وحسابات حقيقية تهدف منذ أسابيع لاستبعاد تهمة الاغتيال عن محمد بن سلمان، فان هؤلاء يواجهون أزمة بسبب التناقض الذي وقعوا به وبسبب ضعف الحجة التي يسوقونها، حيث في بداية الأزمة كانوا يتهمون دولة قطر والاستخبارات التركية باختطافه، لكن الرياض ذاتها اعترفت لاحقاً بأن تم قتله داخل القنصلية، ثم اعترفت بعد ذلك بأن عملية القتل كانت “جريمة اغتيال تم تدبيرها سلفاً”، فيما لا تزال الرياض متمسكة بنفي تورط محمد بن سلمان في الجريمة.
وحسب ما رصدت “القدس العربي” فان آخر الحجج والمقاربات التي اضطر “الجيش الالكتروني” السعودي لتبنيها هو القول بأن “هناك آلاف القتلى في العالم العربي فلماذا تتركونهم وتتمسكون بجريمة قتل خاشقجي؟”، ثم يبدأون الترحم على خاشقجي والدعاء لأهله وذويه بالصبر، ثم يتهمون الإخوان المسلمين ودولة قطر بــ”المتاجرة بدمائه”.
وكانت الحسابات نفسها على “تويتر” قد نشرت تغريدات تنفي فيها مقتل خاشقجي أصلاً، ثم تحولت إلى مطالبة قطر وتركيا بالكشف عن مصيره كشخص اختفى في اسطنبول، ثم تحولت إلى اتهام تركيا بقتل واعتقال الصحافيين، وأخيراً بعد أن فشلت هذه الحجج جنحت إلى محاولة التقليل من الجريمة والقول إنه عربي تم قتله من بين آلاف يتم قتلهم في سوريا واليمن وليبيا وأماكن أخرى!
وحسب ما رصدت “القدس العربي” فان حساب الأكاديمي ناصر البقمي على “تويتر” نشر يوم الـ14 من الشهر الماضي تغريدة يؤكد فيها أن ما يجري ليس سوى “مؤامرة تستهدف السعودية”، في إشارة إلى عدم تصديق ما يُقال عن اغتيال خاشقجي، حيث كتب يومها يقول: “موقف المملكة من هذه المؤامرة الدنيئة ستخبركم به المواعيد المقبلة، كما أخبرتكم مواعيدها السابقة مع كل الأزمات والمؤامرات الكبرى التي ذهبت بأصحابها وبقيت مملكة العز شامخة راسخة لا يهزها ريح”.
أما بعدها بأسبوع، وتحديداً يوم العشرين من الشهر الماضي، فنشر الأكاديمي السعودي تغريدة مغايرة بعد أن اعترفت بلاده بالجريمة وبأنها كانت مدبرة، حيث كتب يقول: “الأخطاء تحدث، والدول مهما كانت تتعرض لأزمات، ولكن المهم والأهم هو كيفية التعاطي معها وإدارتها بحكمة ومسؤولية كاملة تحفظ لها اعتبارها كدولة ضد كل من أساء لها عمداً أو جهلاً، وبعد ذلك الوقوف طويلا أمام ماحدث لاستخلاص الدروس والعبر”.
وتورطت الكثير من الحسابات الوهمية أو الحقيقية المدافعة عن السعودية في نفي ارتكاب الجريمة بشكل كامل في الأيام الأولى، بمن في ذلك الإعلامي تركي الحمد الذي ظهر على التلفزيون السعودي يقول إنه “في حال تبين أن قطر وراء الجريمة فهذا يعني أنها عصابة وليست دولة، لأن هذا سلوك العصابات الاجرامية وليس الدول”، ليدخل الإعلامي الحمد وغيره في حرج كبير بعد أن اعترفت السلطات السعودية بارتكاب الجريمة داخل قنصليتها، وأن مسؤولين سعوديين هم من ارتكبوها، فيما لم يبقَ سوى الاعتراف بمن أصدر لهم التعليمات وأعطاهم التوجيهات لارتكاب جريمة الاغتيال والتقطيع والتذويب.