اغتيال رابين قطع مجري العملية السلمية التي بدأها وأوصلنا الي الحضيض الذي نغرق فيه اليوم
مئة ألف شخص شاركوا في مسيرة بميدانه بكوا عملية السلام التي تحولت الي شتيمةاغتيال رابين قطع مجري العملية السلمية التي بدأها وأوصلنا الي الحضيض الذي نغرق فيه اليوم أجل، هذه كانت مظاهرة سياسية، المئة ألف شخص الذين جاؤوا الي ميدان رابين في تل ابيب في يوم السبت الماضي بكوا رابين الانسان، ومعه ايضا عملية السلام التي تحولت في السنوات الأخيرة الي عبارة سلبية أقرب الي الشتيمة. من الممكن التحدث عندنا عن فك الارتباط والانطواء، ولكن ليس عن السلام. من الممكن التحدث عن الأسوار والفصل ـ ولكن ليس عن المفاوضات اللائقة المحترمة مع الطرف الآخر من اجل الوصول الي الهدوء والطمأنينة في هذه البلاد العاصفة.منظمو المظاهرة ادعوا أنها غير سياسية ، إلا أنهم مخطئون في اعتقادهم. اسحق رابين قتل بسبب خطة سياسية، خطة اوسلو، وكل اجتماع علي ذكراه هو اجتماع وحشد سياسي لأنصار السلام ولمن يحاولون انقاذ شعب اسرائيل من التدهور المتواصل نحو حرب جديدة وضحايا جدد.كان هناك ايضا من حاولوا انقاذ شعب اسرائيل من تدهور جديد نحو حرب اخري وسقوط المزيد من الضحايا.كان هناك من حاولوا تصغير قدر المظاهرة، هم قالوا أن عددا قليلا من الاشخاص سيأتون (فقد مر علي الحادث 11 عاما)، وحتي اذا جاؤوا، فسيكون ذلك فقط من اجل سماع غينات طيب وأفيف غيفن. ولكن عشرات الآلاف، بمن فيهم عدد كبير من الشبان، وقفوا صامتين وأصغوا لكل كلمة في خطاب ديفيد غروسمان الطويل والذي تقشعر لهول كلماته الأبدان. غروسمان قام ببسط خطة عمل كاملة: نعم للتوجه للشعب الفلسطيني، ونعم للاستجابة لرسائل السلام المنطلقة من بشار الأسد.هناك كثيرون يقومون بسهولة مذهلة برفض عملية اوسلو كلها. وهم ينعتون المبادرين اليها بـ مجرمي اوسلو ويقولون ان الاتفاق كان سينفجر والمواجهة الفلسطينية كانت ستحدث حتي لو لم يُقتل رابين ـ لأن الفلسطينيين يريدون شيئا واحدا فقط: إلقاءنا في البحر. لذلك كُتب علينا أن نموت علي حد السيف وأن نسقط علي أسنة الرماح، وليس لنا أي شريك هناك.رابين آمن بشيء آخر مخالف لذلك. هو جاء الي الساحة التي أُطلق عليها اسمه لاحقا، في الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر) 1995، مع مخاوف كبيرة. المعارضون للاتفاق لاحقوه الي كل مكان يتوجه اليه وتلفظوا ضده بكلمات تحريضية سامة، ولم يتركوا له مجالا للراحة حتي في ايام الجمعة حيث كانوا يتظاهرون قبالة منزله الخاص في رمات أفيف، والجمهور العريض الساكت صمت وتركه هو والشارع في أيديهم، لذلك خشي رابين من أن يكون الميدان فارغا، لذلك لمعت عيناه وقلبه عندما شاهد الجموع المحتشدة وهي تلوح بالرايات وتشجعه بكل حماسة.ممثلو الاغلبية الصامتة عبروا عن ثقتهم باتفاق اوسلو، ورابين كان سعيدا وتلقي تعزيزا وقوة دافعة لمواصلة العملية بكل قوتها ـ وهذا ما كان ليفعله.في الرابع من أيار (مايو) 1994 وقع رابين في القاهرة (مع ياسر عرفات) علي الاتفاق الذي يحدد جـــدولا زمنيا للتسوية الدائمة مع الفلسطينيين، وعلي أن تبدأ المفاوضات حول تلك التسوية في الرابع من أيار (مايو) 1996 لتنتهي وفق المخطط في الرابع من أيار (مايو) 1999. وبالفعل، تم في الرابع من أيار (مايو) 1996 افتتاح المفاوضات عندما كان شمعون بيريس علي رأس الحكومة.بعد ذلك قبل عرفات علي نفسه تولي البنية التحتية للارهاب بقبضة قوية. هذه كانت ألتلينا الفلسطينية. عرفات اخذ في التصدي لحماس بكل قوة واعتقل وقتل وقمع نشطاءها. أتباعه، برئاسة محمد دحلان، قاموا حتي بحلاقة ذقون بعض أئمة المساجد كاشارة للاهانة والتحقير. حكم عرفات كان أقوي من أي وقت مضي، وحماس والارهاب كانا أضعف من أي وقت مضي. هذه كانت فرصة نادرة لمواصلة العملية ـ إلا أن بيريس خسر في الانتخابات وجاء بنيامين نتنياهو مكانه.هدف نتنياهو كان واضحا: تبديد عملية السلام وقد أتقن القيام بذلك. في ايلول (سبتمبر) 1996 قام بفتح نفق المبكي في القدس (بنصيحة اولمرت) وبذلك أشعل الاثنان القدس والمناطق من جديد. نتنياهو ابتدع شعار اذا أعطوا أخذوا ، حتي يتسبب في الشلل الكامل للعملية. هو رفض عملية النبضات ومواصلة الانسحابات وقام بتسريع عملية البناء في المستوطنات وبني مستوطنة جبل أبو غنيم في القدس، وفي شرقي المدينة ولم يسمح بالممر الآمن بين غزة والضفة، ولم يقم باطلاق سراح السجناء الفلسطينيين. وبذلك قام بتفجير عملية اوسلو كما أراد. في الرابع من أيار (مايو) 1999 لم يحدث أي شيء. التسوية الدائمة المزمعة وفق خطة رابين كانت أبعد من أي وقت مضي، والانتفاضة الثانية بدأت تقترب من الأبواب.لو لم يقتل رابين لتواصلت عملية اوسلو، ولتم توقيع التسوية الدائمة. ولكنا اليوم في عالم مختلف تماما توجه اغلبية الجهود فيه من اجل المجتمع والاقتصاد وليس لزيادة ميزانية الدفاع والأمن. رابين أدرك أن الوقت لا يسير في صالحنا، وان المجتمع الاسرائيلي مريض، وأنه بحاجة لبلسم السلام حتي يتفرغ لمداواة جراحه.نحميا شترسلركاتب في الصحيفة(هآرتس) 7/11/2006