ما أن أُعلن خبر اغتيال العالم الإيراني محسن فخري زاده شرق طهران، حتى خرجت قناة “المنار” التابعة لـ”حزب الله” الذراع الأقوى لإيران في المنطقة، لتصفَ ما جرى بأنه “رسالة خَطرة من أعداء إيران في الزمان والمكان، لم تَقدرْ على صياغتها جهة لوحدها، وإنما حلف، كُشفتْ نواته في نيوم” في إشارة إلى الاجتماع الثلاثي الذي سُرِّبَ إسرائيلياً ونُفيَ سعودياً، والذي ضمَّ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو.
في الواقع، لم يكن الحدث في الزيارة نفسها، إنما في تسريب حصول اجتماع ثلاثي إسرائيلي-سعودي-أمريكي رفيع المستوى في هذا التوقيت الدقيق والحسَّاس، فيما المنطقة تَحبسُ أنفاسها خلال ما تبقى من ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
اغتيال فخري زاده ليس حدثاً صغيراً. الرجل هو رئيس مركز الأبحاث والتطوير في وزارة الدفاع. وكانت “رسائله” بحسب “المنار” قد “فقأتْ عين الأسد الأمريكية في العراق، وأسقطت طائرة شبحهم الاستطلاعي، الذي يتغنّون به، فوق إيران قبل نحو عام” في دلالة على أن الرجل كانت له اليدُ الطولى في البرنامج الصاروخي. فحين ردَّت إيران على اغتيال قائد “فيلق القدس” قاسم سليماني باستهداف قاعدة عين الأسد، قال مُنظّرو إيران يومها إن “طهران وجَّهت رسالة عملية، وبالدلائل الحثيّة، عن المدى الذي ستصلُ إليه صواريخها البالستية، ونقلت الأمر من حيِّز التكهنات حول برنامجها إلى حيِّز الواقع”.
وزاده مُدرج اسمه على لائحة العقوبات الأمريكية منذ العام 2008 على خلفية “نشاطات وعمليات ساهمت في تطوير برنامج إيران النووي” وتصفه إسرائيل بأنه يقف خلف البرنامج النووي “العسكري”. ووصف رئيس الأركان الإيراني الاغتيال بأنه “ضربة مُرّة وقاسية لا تقلّ أهميتها عن الضربة التي تلقّتها باغتيال سليماني”.
من هنا، تتَّجه الأنظار إلى طبيعة الردّ الإيراني. المرشد علي خامنئي وجَّه بضرورة الردّ الحتمي، ووضع قضية معاقبة المسؤولين عن الاغتيال كأولوية. وعلى خط موازٍ، كان تأكيدٌ من الرئيس الإيراني أن بلاده لديها من “الحكمة” ما يمنعها من الانجرار إلى صراع أو فوضى.
تُدرك طهران أن الفترة الفاصلة عن دخول جو بايدن إلى البيت الأبيض في العشرين من كانون الثاني/يناير ربما تكون الأخطر عليها من سنوات ترامب الأربع، ذلك أنها أمام تحدٍ قد يكون قاتلاً لها. فإدارة ترامب وحلفاؤها في مشروع تحجيم إيران يريدون أن يستفيدوا من “الفرصة الذهبية” المتبقيّة لخلق وقائع حاكمة وتحوّلات لا يمكن القفز فوقها. والحديث راهناً يذهبُ في اتجاه إحداث متغيّرات على الأرض، لا إعلان أحلاف وتحالفات، من دون أن يعني ذلك أن الحرب الشاملة أو المحدودة واقعة لا محالة.
ما هو أكيد أن الضغوط ستتواصل، ومعها الضربات الاستخباراتية والعمليات الخاصة التي عادة لا تُعلنُ المسؤولية عنها. تدور أحداثها في إطار الحرب السريّة والضربات ما بين الحروب. إسرائيل لم تُعلن أنها اغتالت زاده، لكن إيران وجَّهت مباشرة أصابع الاتهام إليها، بينما إعلام أذرعها تولّى توسيع دائرة المسؤولية ليطال التحالف الأمريكي-الخليجي-الإسرائيلي، وبالتالي توسيع دائرة الردّ.
في المنطق، لا بد لإيران المُستهدَفة على أرضها من أن تردَّ من أرضها. هكذا فعلت يوم استهداف سليماني، وهذا هو الاعتقاد السائد الآن أيضاً. لكن السؤال: ماذا إذا تدحرجت الأمور؟ يجيب منظرو إيران: “عندها تصبح كل الجبهات مفتوحة، بمعنى أن الساحات التي تُسيطر عليها أذرع إيران من اليمن إلى العراق وسوريا ولبنان ستدخل الحرب”. وهذا، فعلياً، ما يُقلق الدول الكبرى التي وقّعت مع إيران الاتفاق النووي، والتي تحضُّها على ضبط النفس.
كان مُعبِّراً للغاية تعليق المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون برينان على الاغتيال، إذ اعتبره “عملاً إجرامياً ومتهوّراً قد يدفع إلى جولة جديدة من نزاع إقليمي” مضيفاً عبر توتير أنه “يجب على القادة الإيرانيين أن يكونوا حكيمين، بانتظار عودة قيادة أميركية مسؤولة إلى الساحة العالمية، ومقاومة الرغبة في الردّ”.
في رأي متابعين أن إيران ربما تُقرِّر عدم الردِّ الفوريّ كي تتجنّب المفاجآت، ولكن ماذا لو استمرت الضربات بوتيرة أكبر وأشدّ إيلاماً؟ فترامب سبق أن أَشَّـرَ مؤخراً إلى منشأة نطنز. العينُ الآن على ضرباتٍ حاسمة في تغيير ما سيؤول إليه مسار الاتفاق النووي مع عودة بايدن الذي كان جزءاً من إبرام هذا الاتفاق عام 2015 من موقعه كنائبٍ لباراك أوباما. إيران عالقة بين فكيّ كماشة: إن سكتت، ستتصاعدُ الضربات على مكامن قوتها النووية، وإن ردَّتْ وتمادتْ، فإنها قد تكون تدفع بالأمور إلى حرب غير محسومة النتائج بالنسبة إليها.
بالأمس، وجَّه الحوثيون ضربات صاروخية ممهورة بختم إيراني إلى جدّة. وبعدها شهدت صنعاء والحُديدة ضربات قوية من التحالف بقيادة السعودية. وتقوم إسرائيل بضرباتٍ متتالية على مواقع لإيران وميليشياتها في سوريا. كل شيء يشي بأن الأمور تسلكُ منحًى تصعيدياً. هو لعب على حافة الهاوية، من غير المعروف ما إذا كانت المنطقة ستقعُ في ويلاته أم ستنفذ منه؟!