اغتيال شكري بلعيد.. رصاصة في قلب ثورة تونس

حجم الخط
0

منيرة الشايب اسبوع مضى على اغتيال المعارض السياسي والمحامي التونسي شكري بلعيد. هذا الاغتيال، الذي تم في وضح النهار وامام بيته، هو الاول من نوعه في تاريخ تونس الحديث وبالتالي يمثل منعطفا خطيرا للثورة التونسية. ظهر بلعيد في الليلة التي سبقت اغتياله في برنامج تلفزي مباشر محذرا مما سماه ‘العنف السياسي الممنهج’ الذي يستهدف شخصيات سياسية علمانية بارزة مثله ونقابيين ونشطاء المجتمع المدني ومثقفين وفنيين وصحافيين. وكان استدعي للمشاركة في البرنامج لان اجتماعا لحزبه، حزب الوطنيين الديمقراطيين، عقد قبل ايام فقط في ولاية الكاف بشمال غرب تونس، وتعرض لهجوم من قبل اشخاص مجهولين حاولوا الصعود الى المنصة للاعتداء عليه شخصيا. وكان منزله تعرض للنهب في شهر رمضان الماضي. كما اكدت زوجته واصدقاؤه المقربون تلقيه تهديدات بالموت، واستبيح دمه من قبل احد ائمة المساجد. كما حمله وزير الداخيلة علي العريض مسؤولية التحريض على اندلاع الاضطربات في عدد من الولايات (محافظات) لا سيما ولاية سليانة شمال غرب البلاد في شهر تشرين ثاني (نوفمبر) الماضي. وحتى يوم تشييع جنازته يوم الجمعة الماضي، تلقت عدة شخصيات معروفة تهديدات ممثالة. صحيح ان تونس لم تعرف غير محاولة اغتيال سياسي واحدة منذ استقلالها عام 1956 كان ضحيته صالح بن يوسف الرجل الثاني في الحزب الدستوري وكان ذلك عام 1961، الا ان العنف السياسي شهد تصاعدا في تونس منذ ثورتها عام 2011. ففي شهر تشرين اول (اكتوبر) الماضي، قتل لطفي نقض منسق حركة نداء تونس، وهو حزب معارض تشكل حديثا من قبل ما تسمى ‘رابطات حماية الثورة’ في تطاوين بالجنوب التونسي وسحلت جثته في شوارع المدينة. كما توفي خليفته في ظروف غامضة، وقالت الحكومة ان الاخير اصيب بنوبة قلبية. الا ان تصفية شكري بلعيد هو الاكثر خطورة، اذ عرف بلعيد بنقده اللاذع والصريح لحكومة الترويكا التي تتزعمها حركة النهضة الاسلامية وما اعتبره تشجيعها على العنف وتغاضيها عنه. كما يدخل اغتياله تونس في المجهول. اذ يحذر كثيرون من تكرار المشهد اللبناني في سبعينيات القرن الماضي، حين ادت الاغتيالات السياسية الى اندلاع الحرب الاهلية (بين 1975 ـ 1990)، وهي الحرب التي اودت بحياة حوالي 150.000 شخص. وبعد اغتيال شكري بلعيد، يتساءل الكثيرون في تونس من ستكون الضحية المقبلة؟ يذكر ان طرفا لم يعترف بمسؤوليته عن عملية اغتيال شكري بلعيد، كما نفت حركة النهضة اي علاقة لها بالحادث، لكن كثيرين يقولون انها لم توفر له الحماية وانها كحزب حاكم تتربت عليها مسؤولية توفير الامن لكل المواطنين. من بين من يشتبه في علاقتها باغتيال شكري بلعيد ميسلشيا تحمل السلاح وتدعي ان مهمتها ‘تطهير البلاد من بقايا النظام السابق’، لكنها تستخدم العنف لمهاجمة المظاهرات السلمية والنشطين السياسيين ونقابيي الاتحاد العام التونسي للشغل، اعرق نقابة عمالية في العالم العربي. ولعل ابرز مثال على ذلك الهجوم على مراكز الاتحاد في كانون اول (ديسمبر) الماضي من قبل ميليشيات مسلحة بالعصي والسكاكين وقنابل الغاز موقعة عشرات الاصابات وذلك اثناء احياء الذكرى الستين لاغتيال زعيم ومؤسس الحركة النقابية التونسية فرحات حشاد يوم 4 ديسمبر. كما يرى الكثيرون ان خطاب زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي عن امكانية نشوب حرب اهلية وما يسميه ‘التدافع الاجتماعي’ يساهم في تاجيج الاجواء. كما يقول كثيرون من بينهم محللون ومراقبون اجانب ان اغتيال بلعيد هو ‘نتيجة حدة الاستقطاب السياسي في تونس’ منذ نتائج الانتخابات في تشرين اول (اكتوبر) عام 2011. اما المجموعة الاخرى التي يشتبه في صلتها باغتيال شكري بلعيد فهي فصيل عنيف من الحركة السلفية التي بدات تظهر وتنمو في تونس منذ ثورتها عام 2011. هذا الفصيل شن احدى اعنف الهجمات في الفترة الاخيرة: احراق وتدمير اضرحة للاولياء الصالحين في مختلف انحاء تونس، والهجوم على المهرجانات الفنية والحفلات والمسرحيات العام الماضي باعتبارها تخالف المبادئ الاسلامية اضافة الى الاعتداء على فنانين وصحافيين. ولا يقتصر خطر السلفية الجهادية على تونس، فقد اكدت الحكومة الجزائرية ان من 11 من بين الاسلاميين المسلحين الـ32 المتورطين في عملية عين اميناس بجنوب الجزائر الشهر الماضي تونسيون. كما ان كثيرا من المقاتلين الجهاديين في سوريا هم تونسيو الجنسية. وتتهم الحكومة التي تهيمن عليها حركة النهضة بالتساهل في التعامل مع خطر السلفيين الجهاديين داخل تونس او خارجها او بعدم اتخاذ موقف واضح وحاسم تجاهها. وبالنظر الى انتشار تلك المجموعات والتهديد الذي تمثله على امن تونس والتونسيين، يتحدث كثير من التونسيين اليوم عن خطر ‘صوملة’ بلادهم: انهيار الدولة ومؤسساتها وانهيار الامن وانتشار الميليشات الملسحة التي تاخذ مهمة تطبيق الامن بيدها. ويتساءلون كيف وصلت بلادهم التي كانت معروفة بدولة القانون والمؤسسات وكانت نموذجا عربيا فريدا للاستقرار والتطورالى هذه المرحلة؟ هل هذا كابوس ومتى سينتهي؟ يشعر التونسيون ايضا بان الانتقال الديمقراطي لبلادهم منذ اطاحتهم بنظام زين العابدين القمعي، رافقه اقتصاد يتراجع يوما بعد يوم وحالة عارمة من الفوضى السياسية وقدر مخيف من العنف الديني. ويتحدثون بمرارة عن احلام ثورتهم في العمل والحرية والكرامة الوطنية التي لم تتحقق بعد وكيف يتلاعب السياسيون بثورتهم ويستخدمونها في حججهم ضد بعضهم البعض من اجل مكاسب سياسية. وقد مر اكثر من عام على اول انتخابات تعددية في تونس، لكن المجلس التاسيسي الذي تشكل عقب تلك الانتخابات لم ينته من كتابة الدستور الجديد، كما ان الحكومة الانتقالية لم تحدد بعد موعدا للانتخابات التي ستفضي الى معرفة شكل الحكومة المقبلة مما يسبب للتونسيين حالة من عدم الاستقرار. يضاف الى كل ذلك التحدي الامني الذي يواجههم الان. مما لفت انتباهي وانا اشاهد مراسم تشييع جنازة الراحل شكري بلعيد ما قاله شاب تونسي يعيش في ليبيا مفاده ان الاسلحة منتشرة في كل مكان في ليبيا، لكنه يشعر بالامان هناك اكثر مما يشعر به في بلده، تونس!ويرى كثيرون ان باغتيال شكري بلعيد، تواجه تونس اليوم اكبر ازمة سياسية منذ الاستقلال، لكن لا تزال امام الحكومة الحالية فرصة للتحرك الان للانتقال بالبلاد الى شط الامان. كما توصف الثورة التونسية في الغرب بانها اكثر ثورات ‘الربيع العربي’ نجاحا. واذا كان لها ان تكون كذلك، فعلى الدول الغربية ايضا ان تضغط على الحكومة التونسية للاستماع الى بواعث قلق شعبها ومطالبه. ‘ صحفية تونسية تقيم في لندن qmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية