بعد اعلان السلطة الفلسطينية ان نتائج تقرير الخبراء السويسريين اثبتت تعرض الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لعملية اغتيال بمادة سامة، اصبح من الضروري تشكيل لجنة دولية للتحقيق بالقضية، على غرار اللجنة الدولية للتحقيق باغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري.
اعلان السلطة، جاء غداة اعلان قناة ‘الجزيرة’ الفضائية ان تقرير الفريق السويسري الذي شارك باستخراج رفات عرفات واخذ عينات منه، توصل الى انه توفي مسموما بمادة البولونيوم 210 المشعة بنسبة تصل الى 83’، وعثر الفريق على مقادير تصل الى 18 ضعف المعدل الاعتيادي من مادة البولونيوم المشع، مما يرفع الى 83′ نسبة الاشتباه بانه مات مسموما بهذه المادة.
نتائج التحقيق بالنسبة للفلسطينيين والعرب وحتى للعديد من دول العالم ليست مفاجئة، فالكل يعلم ان اسرائيل التي حاصرت الرئيس الفلسطيني لعدة اعوام في المقاطعة في رام الله، ارادت التخلص منه كعبء لا يتوقف عن التحرك واستقطاب النشطاء الدوليين حتى وهو تحت الحصار ليفضح الممارسات والجرائم الاسرائيلية.
اثر اعلان تقرير الخبراء السويسريين، سارعت اسرائيل لنفي علاقتها باغتيال عرفات، مبررة ذلك بأن عرفات الذي عمل بصورة ضارة للغاية ضد اسرائيل في العامين 2001 و2002 كان محبوسا في المقاطعة، ولم تكن هناك اي حاجة للمس به، محاولة تحميل المسؤولية لاطراف فلسطينية مدعية ‘ان هناك مصلحة لدى رجال عرفات لقتله في اطار صراع على الارث’، متناسية ان مادة البولونيوم المشع التي استخدمت في تسميمه، لا تملكها الا دول نووية، واسرائيل احدى هذه الدول القليلة. كما ان التقارير الاسرائيلية لا تخفي محاولة الموساد اغتيال عرفات 13 مرة، ويضاف الى ذلك، التصريح الواضح للرئيس الاسرائيلي شمعون بيريس لصحيفة ‘نيويورك تايمز’، بانه ‘ما كان ينبغي على اسرائيل اغتيال عرفات’.
السؤال الذي يثار اليوم، وبعد ترجيح الخبراء ان عرفات مات مسموما، هو لماذا لم يتم الكشف مسبقا عن هذه النتيجة بعد وفاته في المستشفى الفرنسي، فلا بد انه كان لدى الاطباء الفرنسيين الذين اكتفوا بالاشارة الى ان سبب الوفاة التهاب بالامعاء ومشاكل جدية بتخثر الدم، شكوك بذلك، خاصة ان هناك شبهات بعملية اغتيال. من المرجح ان تكون لدى الفريق الفرنسي حينها قرائن بذلك، عملت فرنسا، غالبا بالتواطؤ مع الادارة الامريكية والاسرائيلية على حجبها لاسباب سياسية.
هذه الاسباب التي كانت موجودة عام 2004 ما زالت حاضرة اليوم، وهي اولا حماية اسرائيل واستبعادها عن اي تحقيقات جنائية، وثانيا تبعات اي ادانة لاسرائيل على المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية.
بعد مرور تسع سنوات على اغتيال عرفات الذي اعتبرته اسرائيل عقبة بطريق السلام، لم يتغير اي شيء على الارض، وآن الاوان لاسرائيل ان تفهم ان الثوابت الوطنية الفلسطينية التي تمسك بها عرفات، لن يتنازل عنها اي فلسطيني.
واذا كانت القضية الآن ستبت من خلال القضاء الفرنسي، فمن شأن السلطة الفلسطينية والجامعة العربية ومنظمة التعاون الاسلامي ان تتبنى القضية لاخراج الملف من هذا النطاق الضيق الى لجنة دولية من شأنها ان تجري تحقيقا جنائيا واسعا، يسمح بموجبه الاطلاع على وثائق وتقارير سرية قد يكون الاطباء الفرنسيون توصلوا اليها، ومن ذلك مثلا اسباب عدم الاقدام على تشريح الجثة، وعدم اخذ عينات بعد الوفاة مباشرة لاجراء التحاليل المخبرية المعمقة لها. ولا شك ان تدويل التحقيق سيسمح لاحقا باللجوء الى المحكمة الجنائية الدولية التي يجب ان تتخلى السلطة الفلسطينية عن ترددها للانضمام اليها، لقاء مفاوضات يعرف الجميع انها لن تؤدي الى النتائج التي يتطلع اليها الفلسطينيون، وحتى لو افترضنا انها ستؤدي الى حصولهم على حقوقهم المشروعة، فهذا لا يبرر اطلاقا لفلفة قضية اغتيال الرئيس الفلسطيني الراحل.