باريس – «القدس العربي»: يصعب متابعة الفيلم التسجيلي «اغتيال مدينة»، الذي بثته قناة «الجزيرة» أخيراً، ويروي كيف صُودرت مدينة يافا من أهلها، من دون مشاعر الحسرة، وعين الرثاء، فالفيلم يعرض لمدينة كانت تتمتع بنشاط ثقافي وصحافي وزراعي وتجاري وصناعي قلّ نظيره في المنطقة، وكذلك بين المدن الفلسطينية، ثم يأتي الاحتلال الإسرائيلي العام 1948 ليعرّض المدينة إلى ما يشبه الزلزال، حين بلمح البصر يهجّر ما لا يقل عن تسعين ألفاً هم سكان المدينة العريقة.
حين يحضر اسم يافا لا بد أن تحضر الماركة الفلسطينية الأشهر اليوم للبرتقال اليافاوي، وكيف جعلت هذه وحدها مدينة يافا مركزاً ذا سمعة عالمية. يؤكد المؤرخ عادل مناع، أحد ضيوف الفيلم أن «برتقال يافا أصبح مشهوراً في الغرب، في مدن مثل برلين ولندن وباريس وغيرها منذ 1865 و1866 وما بعدها». ويشير الخبير الاقتصادي باسل غطاس إلى بعض الاحصائيات بخصوص تصدير الحمضيات «من حوالي مئة ألف صندوق في بدايات القرن العشرين صدر إلى أوروبا من حمضيات يافا الشهيرة وصلنا إلى مليون ونصف صندوق حمضيات جرى تصديره في 1947 لأوروبا». ويؤكد الصيدلاني فخري جداي «في سنة 1939 كان في ميناء يافا 45 سفينة شحن حمضيات».
ولمّا كانت هذه المصلحة تعتمد بشكل كليّ على الأيدي فقد كانت تتطلب عدداً كبيراً من العمال، كما يقول اسماعيل أبو شحادة، وهذا كان سبباً لمجيء العمال المصريين والسوريين، الأردنيين، واليمنيين، والمغاربة ليشتغلوا في فلسطين. لنتصور إذاً هذه التجارة وحدها كم أنعشت المدينة، فما بالك حين تكون يافا هي الميناء الأهم في البلاد، حيث المدن الكبرى، القدس، حيفا، عسقلان، غزة، تصدّر عبر مينائها. هذا أيضاً شجع على خطوط السكك الحديدية التي بُنيت بين عامي 1920-1936 فكان خطٌ يصل إلى مدينة بئر السبع، وآخر إلى العريش. هذا إلى جانب انتعاش شركات السفر البري التي استأنفت رحلات إلى بيروت لم تكن تستغرق أكثر من ساعتين في الوصول إليها.
قبل ذلك هي مدينة للثقافة، يقول الباحث أنطون شلحت «في يافا كان هناك الكثير من المشاريع التي تبني شخصية المدينة، في مقدمها طبعاً المشروعات الاقتصادية، ولكن الأهم من ذلك المشروعات الثقافية والاجتماعية، كانت المئات من الصحف في فلسطين في فترة الانتداب، وقد بلغ عدد الصحف التي صدرت 206 صحف، أهمها كان يصدر في يافا وفي حيفا».
ويشير شلحت إلى «التبادل الثقافي بين المدن الفلسطينية، ولاسيما يافا وحيفا والقدس، وبين النشاط الثقافي الذي كان يجري في العالم العربي، إلى درجة أن مغنية كبيرة مثل أم كلثوم قامت بإحياء عدد من الحفلات الغنائية في يافا، كذلك عميد المسرح العربي يوسف وهبي الذي عرض مسرحياته أيضاً على مسارح يافا». وعلى صعيد السينما يضيف شلحت «المعروف أن المدينة الفلسطينية هي من أولى المدن التي أنتجت سينما فلسطينية، فهناك من يقول إن كل تاريخ السينما العربية بدأ من فلسطين على يد الأخوين لاما مثلا، بعد ذلك انتقلت إلى أقطار أخرى مثل مصر والشام».
يعيد الفيلم بناء المدينة التي في الذاكرة، ليصل إلى لحظة الذروة في الخامس عشر من أيار العام 1948 حيث النكبة التي حلت بالمدينة كما بسائر المدن الفلسطينية. هذه التي يعتبرها الباحث والجامعي رائف زريق أشبه بالزلزل، حيث ما حدث لفلسطين في 1948 «عبارة عن زلزال، وهزة أرضية أنه بين ليلة وضحاها يفقد شعب وطنه، هذه لا تحدث كل يوم، عندما أغلبية تصبح أقلية في وطنها، وأن تكون في مدينة عدد سكانها 90 ألفاً لتصبح مع ألفين. فجأة أنت تستفيق صباحاً لتجد أن لا معنى لبرنامجك اليومي، فلا الخباز في مخبزه، ولا المكوجى في محله، ولا بائع الحليب بمحله، انهيار كامل مادياً ومعنوياً».
بعد ذلك يعرض الفيلم لمحاولات الاحتلال الدؤوبة في حشر ما تبقى من أهل المدينة في ما أسماه الغيتو العربي ودائماً تحت الحكم العسكري الذي صادر أراضي وممتلكات، وهدم مواقع تراثية، وتوظيف كل مقومات المدينة لبناء مدينته تل أبيب، ولن يلتفت أحد إلى أن هذه بنيت على أنقاض تلك، وأن المدينة الاسرائيلية تتقدم على حساب حرمان المدن العربية من أبسط حقوقها في التملك والاستثمار وتأسيس بنى تحتية لائقة بمدينة. هنا يعرج الفيلم على مدينة الناصرة التي كانت تمتلك كل مقومات المدنية الكبيرة سوى أن الاحتلال حرمها من كل شيء لتبقى مجرد قرية كبيرة وحسب.
يعرض الفيلم لبعض الأمكنة العربية في يافا المتبقية في صورة أقرب إلى أطلال لا تليق بالسكن، وهو دائماً يصور الفارق بين تلك الأبنية الحديثة الشاهقة وبين بيوت الفلسطينيين الخربة. إنها صورة تدفع لا إلى الرثاء وحسب، بل إلى اليأس، مع بضعة آلاف من العرب الضائعين في محيط يغرقهم بالنسيان.
الفيلم يأخذ المرء بموجة حنان دافئة، مع موسيقى حزينة في خلفية الصورة. كان حضور بعض شخصيات الفيلم كمثل اسماعيل أبو شحادة المولود في يافا عام 1926 مؤثراً، فالرجل لا يتحدث مما قرأ في الكتب، إنه يروي شيئاً من تجربته، فيقول «لمّا صارت الناس تهاجر كان أبوي يرمح زي الحصان في يافا: «من شان الله ما تهاجروش، من شان الله الموت أفضل من المهاجرة، ما حدش ردّ عليه». يروي أبو شحادة حتى يفيض قهراً فيتنهد بعمق «آخ، راحت يافا».
ربما ينقص الفيلم أن يعود، ما دام يتحدث عن يافا التي في الذاكرة في نصفه الأول، إلى أبناء يافا في شتاتهم، لا أن يقتصر على من يعيش فيها الآن، فمثلما روت الأديبة سعاد قرمان عن عائلتها التي كان لها شأن في الزراعة والتجارة والصناعة، كان يمكن العثور أيضاً على عائلات تبددت هي الأخرى. إذا لم يدرك أصحاب الفيلم ذلك فعليهم أن يدركوا، فلا شك أن اولئك الذين ولدوا في يافا هم الآن على حافة أعمارهم.