د. عصام شاور
لا تخلو دولة مهما بلغت من التقدم والرفاه الاقتصادي والاجتماعي من مؤسسات خيرية غير حكومية تدار من قبل افراد من المجتمع، والجمعيات الخيرية تعمل علي سد الفراغ وتقديم الاحتياجات التي تعجز الحكومات عن القيام بها او لا تكون ذات اولوية بالنسبة الي تلك الحكومات، وكلما كان الوضع الاقتصادي للدولة اكثر تدهورا كلما كانت الجمعيات الخيرية اكثر اهمية، واحيانا تكون الاولويات بالنسبة الي الحكومة غيرها بالنسبة الي الشعب، فمثلا قبل سنتين لم تستطع اسرائيلية عجوز ممن يعتبرونها ـ علي حد زعمهم ـ احدي الناجيات من المحرقة الهتلرية، لم تستطع تلك العجوز تغطية تكاليف طقم اسنان مما حدا باحدي الجمعيات الامريكية الصهيونية للتبرع لتلك العجوز بثمن طقم الاسنان وقد نشرت حينها الصحف الاسرائيلية تلك الواقعة، وهنا لا يعقل ان تعجز دولة الاحتلال عن تغطية تكاليف طقم اسنان وهي التي تبني جدار الفصل العنصري بمئات الملايين من الدولارات لخنق الشعب الفلسطيني، فالحكومة الاسرائيلية مثلا اولوياتها خنق الشعب الفلسطيني والتضييق عليه ولا يهمها ان مات اليهود بسبب قلة الطعام او ماتوا بسبب فقدان الاسنان.
لو نظرنا الي طبيعة الجمعيات الخيرية في فلسطين لوجدناها ـ بشكل عام ـ تهتم بامس احتياجات الشعب الفلسطيني، فغالبيتها تقوم علي رعاية الفقراء وكفالة الايتام ورعاية وتاهيل المعاقين وكذلك تعمل الجمعيات الخيرية علي مساعدة الطلبة والمرضي وغيرها من الامور الضرورية جدا، وهذه الامور تعجز مؤسسات السلطة عن تغطيتها بشكل كامل والا لما وجدت الجمعيات اصلا، وهل سلطتنا الفلسطينية اقوي اقتصاديا من امريكا او من الكيان الصهيوني الذي عجز عن تغطية تكاليف طقم اسنان. في الانتفاضة الثانية اثبتت الجمعيات الخيرية دورها النضالي من خلال تعزيز صمود الشعب الفلسطيني في وجه الاجراءات الصهيونية القاسية والتي عملت بكل الوسائل من اجل تركيع الشعب الفلسطيني الا ان الشعب ظل صامدا بفضل الله ثم بفضل دعم الشعوب العربية والاسلامية للشعب الفلسطيني من خلال الجمعيات الخيرية، من اجل ذلك وبحجة الحرب علي الارهاب عملت امريكا واسرائيل علي تضييق الخناق علي تلك المؤسسات ولكنهم وجدوا ان تجفيف المنابع في الخارج اسلم من اغلاق المؤسسات في الداخل واقل احراجا للبعض، فكانت الضغوط تمارس ضد المانحين من قبل حكوماتهم، فاغلقت جمعيات عديدة في دول الخليج ودول عربية اخري بالاضافة الي مؤسسات اسلامية في الغرب وتم تحويل الدعم في بعض المؤسسات الي دول اسلامية منكوبة غير فلسطين، ولكن هذه التدابير لم تجد نفعا.
قبل ايام قررت السلطة الفلسطينية اغلاق اكثر من مئة جمعية خيرية وتعهد الدكتور سلام فياض رئيس الوزراء بتقديم ذات المساعدات للشعب بدلا من تلك الجمعيات. ولكنني اقول ان السلطة الفلسطينية لا يمكنها ابدا سد الفراغ الذي سيحدثه اغلاق تلك المؤسسات وسيكون لتلك الخطوة انعكاسات كثيرة اهمها: اولا: تعتبر الجمعيات الخيرية مؤسسات شرعية يمكن مراقبتها من قبل السلطة ومن قبل حكومات الجهات المانحة، فالاموال يمكن تتبعها لانها تمر بطرق رسمية سليمة حتي تصل الي مستحقيها، فان تم اغلاق الطريق الرسمي يضطر اولئك الذين يرون في مساعدة الشعب الفلسطيني ـ تحديدا ـ جهادا في سبيل الله بالاموال، يضطرون الي البحث عن طرق اخري غير رسمية لايصال مساعداتهم وهنا تكون تلك الاموال عرضة للاستغلال بكل الاشكال المشروعة وغير المشروعة، فليست هناك ضمانات ما دامت تلك الاموال تمر عبر طرق غير خاضعة للرقابة الرسمية.
ثانيا: الاموال التي تمنحها الشعوب العربية والاسلامية لا يمكن لامريكا واوروبا تعويضها، لان امريكا واوروبا لديهم سياسات محددة في صرف الاموال ولا يسمح دافعو الضرائب لحكوماتهم تقديم خدمات انسانية للشعب الفلسطيني في حين ان منكوبي اعصار كاترينا في امريكا لا يجدون من يعينهم، فهذا الامر يرفضه المنطق والعقل، امريكا عاجزة عن اعانة نفسها فكيف لها باعانة الشعب الفلسطيني، وان قام الغرب بتلك المساعدة فهي لمدة قصيرة جدا وبعدها لن يجد اليتيم من يكفله ولن يجد المعاق من ينقذه.
ثالثا: ان كان هناك من يقول ان تلك المؤسسات كانت سببا في فوز فصيل في الانتخابات فانا اقول ان اغلاقها حتما سيكون سببا في خسارة فصيل آخر وتعزيز موقف الفصيل الاول، وهذه امور بديهية لا اعلم كيف يمكن اغفالها، وكذلك فانه لا ذنب لفصيل اثبت جدارته في ادارة المؤسسات لدرجة كسب قلوب الشعب وبالتالي علي الآخرين اثبات انفسهم لا تحطيم غيرهم ومع ذلك فانني متاكد انه لا دخل للمؤسسات لا من قريب ولا من بعيد في التاثير علي سير الانتخابات الا الشيء اليسير.
واخيرا انقل رسالة الي المعنيين حملني اياها يتيم يقول فيها: السلام عليكم، انا يتيم ولدي من الاخوة والاخوات اربعة نتقاضي كل ثلاثة اشهر مبلغ وقدره 335 دينارا اردنيا ونحصل علي عيدية مقدارها 10 دنانير لكل منا في كل عيد اضافة الي حقائب مدرسية وقرطاسية واغذية في رمضان واحيانا نحصل علي هدايا وبعض المواد التموينية والادوية من جمعية، والحمد لله تاتينا تلك المساعدات دون جهد ودون تعب وكرامتنا محفوظة فارجوكم لا تحرمونا تلك النعمة التي انعمها الله علينا، مع العلم ان تلك الجمعية تقدم تلك المساعدة لاكثر من 900 يتيم في محافظة، انا لا اعرف اي جمعية ستغلقون ولكنني اناشدكم ان لا تغلقوا ابواب الخير. انتهت الرسالة.
طبعا، انا مع اغلاق كل جمعية يثبت عليها الفساد او تتجاوز الاهداف التي نص عليها نظامها الداخلي، فالقانون يجب ان يطبق بحذافيره ويكون الاغلاق حسبما نص عليه القانون الفلسطيني ايضا، كما اتمني ان نكون في غني عن الجمعيات الخيرية بشكلها الحالي بحيث تصبح لدينا جمعيات تعني بالبيئة وبطبقة الاوزون وحتي جمعيات الرفق بالحيوان ولكن الي حين تستقر امور الرواتب وتتحسن الخدمات الصحية والتعليمية ونتخلص من البطالة المتفشية علينا دعم جمعياتنا الخيرية ومراقبتها لتقوم بواجبها خير قيام. 8