افتراس المستضعفين في لبنان

حجم الخط
22

بعد إعلان المغنيين وائل كفوري ونانسي عجرم في برنامج «آراب آيدول» دعمهما للجيش اللبناني والتعبئة العسكرية التي أعلنها المطرب رامي عياش في برنامج «ستار أكاديمي» كان ينقصنا مبارزة زجلية لبنانية عنيفة للشاعرين الشعبيين زغلول الدامور وطليع حمدان تمجد الجيش وتندد بالإرهابيين والتكفيريين حتى تكتمل فصول التكاذب المهول الذي يحيط بفجائعية المشهد اللبناني.
ولم تكن هناك بلاغة تفضح هذا التكاذب المعلن على رؤوس الاشهاد أكثر مما قاله نهاد المشنوق، وزير الداخلية اللبناني نفسه، في ذكرى مقتل اللواء وسام الحسن قبل قرابة الأسبوع واصفاً معاناته في محاولة تمثيل كل اللبنانيين، مكتشفاً أن لا سلطة في لبنان قادرة على فرض الأمن في مناطق سيطرة «حزب الله» اللبناني، وهو الأمر الذي يصف حقيقة ما يجري في لبنان وتأكد للوزير مع تواصله مع الفرقاء السياسيين، بمن فيهم رئيس الجمهورية اللبناني ميشال سليمان، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، والزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط، وزعيم التيار «الوطني الحر» ميشال عون، وحتى مسؤولي حزب الله أنفسهم الذي يزعمون أن لا سلطة لهم على محازبيهم.
والنتيجة المفهومة من ذلك هي أن الدولة والفرقاء السياسيين أجمعين مطلوب منهم فرض الأمن على قسم من اللبنانيين فيما القسم الآخر «ينعم بالحصانة الحزبية»، وهو ما ذكّر الوزير بحالة الصحوات العراقية التي انخرطت انخراطاً حاسما الى جانب الحكومة العراقية في الحرب ضد تنظيم «القاعدة»، في حين استمر التهميش السياسي والوظيفي والإنمائي بحقها حتى الإلغاء، فكان ما كان من انهيار مديد للصيغة العراقية، ولا نفق ضوء يبدو في الأفق.
يعيد ما يحصل في لبنان حالياً فتح سيناريوهات الجرح اللبناني مرة أخرى، وأهم هذه السيناريوهات هو تجميع «العصبية اللبنانية» نحو الضحيّة الأضعف، والتي كانت، بعد انقضاض إسرائيل على لبنان عام 1982، الفلسطينيين، الذين فقدوا عمودهم الفقري المسلح بخروج منظمة التحرير الفلسطينية، وصاروا نهبة لانتقام المنتقمين.
الضحيّة الحالية الآن هي النازحين السوريين الهاربين من بطش نظام دمشق، وبيئتهم السنّية اللبنانية الحاضنة، وخصوصاً في البقاع وطرابلس، ويلعب «حزب الله» وحلفاؤه دور المحرّض ضد هذه البيئة بما يؤجج مشاعر الإحباط واليأس ويدفع بها أكثر وأكثر نحو الحائط.
الدولة اللبنانية، ممثلة بجيشها ومخابراته، غير راغبة (أو متواطئة) في معالجة أسباب التفاقم الحقيقية للوضع، ممثلة باستقواء جهاز «حزب الله» على النظم والقوانين الناظمة لشؤون سكان البلد جميعاً؛ استسهلت ضبط الأمن على فئة بعينها، وهو ما جعلها في حلف موضوعي مع حزب الله، وقوّى فاعلية الدعاية السياسية لجهات مثل «جبهة النصرة» و»الدولة الإسلامية»، وهي وصفة خطيرة لحرب طائفية جديدة في لبنان.
تعليب السوريين (وقبلهم الفلسطينيون) في مذهبيتهم السنّية، بدل النظر إليهم باعتبارهم النتاج الاجتماعي الملخّص لحالة الإستبداد السورية (والاحتلال الإسرائيلية في حالة الفلسطينيين)، حوّلهم لأهداف للتركيبة اللبنانية التي لا تستطيع رؤية مثال خارج الطوائف، وفي ذلك إهانة للإجتماع البشريّ، وتوظيف استهلاكيّ له، كما هو توظيف «البروباغاندا» الكرنفالية اللبنانية للجيش اللبناني، الذين يتفوّق شهداؤه (وهم أيضاً ضحايا ومستضعفون) بمراحل، على «قتلى» الآخرين، لبنانيين كانوا أم من «جنس أدنى».
بعد 39 عاماً من اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، لا يبدو «زعماء الطوائف» راغبين (أو قادرين) في إنجاز تسوية تاريخية حقيقية فيما بينهم، منتظرين أن تتحدد مصائر بلدهم (ومصائرهم بالتالي) في بازار اللعبة الإقليمية والدولية الكبرى.
… وإلى أن يحين ذلك يستمر المغنون والزجالون في التغنّي بأمجاد لبنان الأخضر وبطولات الجيش اللبناني على المستضعفين في الأرض، ولكن هذه المرّة باسم «مكافحة الإرهاب»، اليافطة العظمى التي يرفعها كل العالم لتبرير جرائمه.

رأي القدس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية