هل كان من الضروري أن يعمم الكيان الصهيوني حرائقه على أطفال غزة ونسائها وشيوخها، ليل نهار، وعلى امتداد أسابيع متتالية من الغارات المدمرة، كي ينتبه العالم إلى هوية الوحش القاتل المقيم في دواخل هذا الكيان؟ وهل كان من الضروري أن تتزامن الحرائق ذاتها، مع الإنزال العسكري الأمريكي، والإنزال الإعلامي الغربي، كي تتضح للعيان معالم الصورة العدوانية الجاري طبخها، ضد شعوب المنطقة؟ هي أسئلة وغيرها كثير، لا مناص من طرحها، ونحن نصغي ليل نهار إلى صيحات الضمير الإنساني، التي تتردد أصداؤها في عواصم القارات الخمس، والمعبر عنها في الوقفات التضامنية، ومظاهرات الاحتجاج المنتصرة للقضية الفلسطينية، فضلا عن المسيرات المنددة بهمجية المحتل الصهيوني وقد بدت معززة، بما يكفي من التكالب الإمبريالي، ومساندة بلؤم لوبياته التي تحتفي في أوراشها ظلامية الإقصاء، ببطش الإرهاب.
ولعل أهم ما يمكن استخلاصه من صيحات الإدانة والاحتجاج، التي ما فتئ الضمير الإنساني يرفعها في وجه المحتل، تمردها الجامح وغير المسبوق، على تلك الخطوط الحمر، التي دأبت لوبياته المتواطئة شرقا وغربا، على تزكيته وحمايته بها، عساه يظل في مأمن من أي محاسبة أو متابعة محتملة، وكي يمارس طلق اليدين مازوشية تنكيله المعهود بالشعب الفلسطيني. فكما هو ملاحظ الآن، فإن هذا التمرد المتنامي على المستوى العالمي، أدى بشكل ملموس إلى تفسخ أكذوبة «معاداة السامية» التي طالما روجتها المنابر المتواطئة، كي يتخذها العدو ذريعة لمطاردة كل من يتجرأ على التصدي لمؤامراته بالفضح والتشهير. كما أدى في الوقت ذاته، إلى استكمال شروط تعبئة مضادة لأساطير الصهيونية، في مختلف بقاع المعمورة.
تعبئة أصابت لوبياته المتحكمة في مؤسسات المنتظم الدولي بحالة مزمنة من السعار، وأفقدتها ثقتها التي تمرست بها في بث تعاليم القداسة المفترى عليها حول أكذوبة هي الآن قيد الطمس والتفكيك، بعد أن كانت قد تحولت مع الأزمنة التحريفية واللاتاريخية إلى سلطة غير قابلة للمساءلة، حيث أمست من فرط تداولها في الأسواق الخاضعة لملكيتها إلى قانون ردعي، لا يسمح تعاليه بممارسة أي خرق محتمل، يمكن أن يصدر عن هذه الجهة أو تلك.
ومن المؤكد أن هذا التمرد، بوصفه غضبا عارما وناطقا باسم الضمير الكوني، يمارس دوره المحوري والمستقبلي في تفنيد أكذوبة معاداة السامية، ومن شأنه أيضا، أن يرد الاعتبار لـ»اليوم العالمي للضمير» كي يتخلص مما يطاله من تحريفات عنصرية، تحرض على الكراهية الإقصائية، من منطلقات صهيونية مستندة إلى حق لاأخلاقي ولا حضاري ولاإنساني، قوامه تلفيقات واهية ومختلقة ليس إلا. إذ بالنظر لافتقار اليهود في واقع الأمر إلى الحد الأدنى من مقومات الهوية، التي يمكن أن تجعل منهم شعبا حقيقيا ومستوفيا لمكوناته، فإنهم يجدون أنفسهم ملزمين بالبحث عن هذه المقومات نتيجة معاناتهم التاريخية من كراهية الغرب المسيحي لهم. وهي كراهية ناقمة، مصدرها استباحتهم الغادرة لدم المسيح، حيث أمسوا مطاردين بلعنة الإجلاء أينما حلوا ورحلوا. كما أنها إلى جانب ذلك، كراهية شمولية توجت في نهاية المطاف بالعقاب الشامل الذي أنزلته النازية بهم، خلال الحرب العالمية الثانية. غير أنهم وبموازاة الاستقواء الدولي الذي طبع انطلاقتهم الجديدة تحت مظلة الأيديولوجية الصهيونية، سيتمكنون من بسط نفوذهم على المجال السياسي، مدعمين بسلطتهم الاقتصادية والإعلامية، حيث سيكون من الضروري أن ينتقموا لأنفسهم من أزمنة الكراهية التي جرعهم الغرب المسيحي مرارتها لعدة قرون خلت، جاعلين من مقولة العداء للسامية، تهمة ترشح بكل الإدانات المعتمدة من قبل المنظمات الحقوقية الدولية، في محاكمة كل من تشتم فيهم رائحة التلويح بأي انتقاد موضوعي، أفرادا كانوا أو جماعات. وكما هو معلوم، فإن رهاب الاتهام بمعاداة السامية، أصبح يلقي ظلاله الثقيلة على كل صوت يكون معنيا باتخاذ قرار ما، سواء كان قرارا يخص علاقته بذاته، أو بمحيطه. كما أن هذا الرهاب، أمسى مستبدا بمنصات اتخاذ القرارات الدولية، بمختلف تخصصاتها. وهو لعمري ورم سرطاني أمسى مستداما ومزمنا، ينخر بنية الخطابات المتطلعة إلى عقد سلام وهمي مع الذات أو مع العالم.
وبالنظر إلى التعقيدات التي تعرفها القضية الفلسطينية، والتي ليس هنا مجال الخوض في تفاصيلها، فقد وجد فيها الكيان الصهيوني قربانه المفضل، ومشجبه المثالي والنموذجي، الذي يعلق عليه مجموع ما يلصقه من تهم الإخلال بميثاق «الوفاء للسامية!» بعد إقصائه المبيت للهوية العربية من شجرتها، كي تظل حكرا على العرق اليهودي دون غيره من الأعراق.
من هنا يصح القول، وبما لا يدع المجال لأي شك، بأن الشعب الفلسطيني، ومعه شعوب العالم، كان في أمس الحاجة لطوفان الأقصى، كي يعري الوحش الصهيوني من جلد البراءة التي طالما دثر بها خبثه وعدوانيته، كاشفا بذلك عن هوية المسخ المتخفي فيه. فما من حضور جماهيري تحت شمس هذه البرية، خاصة منه الحضور المدوي للأجيال الصاعدة بكل جنسياتها وثقافاتها وأعراقها، إلا وأمسى مهيأ للإطاحة بأبراج المقولات الترهيبية، التي دأبت على ممارسة قمعها للضمير الإنساني، بحجة التصدي لمن يعادون السامية سرا أو جهارا. ذلك أن أهوال المجازر والمحارق التي تجاوزت حدود التوصيف اللغوي، وهي تفتك بأطفال غزة ونسائها، دون اعتبار لأي قيم قانونية، دينية، أو أخلاقية، أقنعت العالم بأحيائه وموتاه، بإنسه كما بجنه، وبكل كائناته البشرية والحيوانية والطبيعة، أن الجرثومة الصهيونية، هي في واقع الأمر ورم سرطاني يهدد جسد العالم قاطبة ودونما استثناء. وأن المجازر والتطهيرات العرقية الهمجية التي يمارسها عساكر الاحتلال الجبان، على مرأى ومسمع من الإعلام العالمي، تفصح عن هوس مرضي في دواخله الخبيثة، يستحثه لإنزال الأذى بالعالم، نكاية في المدونات الرسمية المسطرة على واجهات المؤسسات الحقوقية، التي تتباهى المنتظمات الذيلية بتكريس وتعميم بنودها. كما أنها تفضح نوايا كيان يتخذ من الكراهية عقيدة لا يبقى معها أي مجال للحديث عن مفاهيم حضارية وإنسانية، من قبيل التواصل والتفاهم، واحترام الآخر. علما بأن من يعتقد – نظريا – بالكراهية، يتعذر عليه التواصل مع ذاته، فبالأحرى أن يتواصل مع الآخر. ما يعني غياب الحد الأدنى من إقراره بأهمية القيم، في بناء العلاقات الحضارية والإنسانية. وما يعني أيضا، أن القرارات المندرجة ضمن مجموع ما تتبناه الأمم المتحدة من إعلانات، وبرامج العمل، ونداءات، وحوارات صادرة عن مجموع ما تسهر على تنظيمه من مؤتمرات تنويرية، لا يعدو أن يكون من وجهة نظر الزمرة الصهيونية المارقة، محض حبر باهت على صفحة الهباء. وهنا تحديدا، تكمن الأهمية التاريخية والأسطورية لملحمة طوفان الأقصى والأقسى، والمتمثلة في طيها المستقبلي لصفحة أطاريح الزيف والبهتان الإسرائيلي إلى غير ما رجعة. وبالتالي فإن جميع المؤشرات الحالية، تؤكد حتمية تحول هذا الكيان الجبان قريبا، إلى خنزير أجرب، مطارد بأشباح كل المجازر التي ارتكبها في حق الشعب الفلسطيني.
شاعر وكاتب من المغرب