افتعال المعركة بين القديم والجديد استعاضة عن أفول الشعر العبقري!

حجم الخط
0

الشاعر السوداني محمد الواثق:

الخرطوم ـ “القدس العربي” ـ من آدم عبد الله: الشاعر محمد الواثق أستاذ الأدب العربي بجامعة الخرطوم شاعر مميز وصاحب موقف فكري يدعم كلاسيكية الأدب العربي التي تمثل النموذج القيمي الجمالي والفكري وهو لا يذهب مع المحدثين حتي نهاية الشوط حفاظاً علي الفصاحة العربية في قدراتها البيانية والبلاغية، ولهذا يتجه بعض شعره إلي هجاء المدن العربية الحديثة كما فعل مع العاصمة الوطنية للسودان (أم درمان) ومع كثيرات غيرها.. الدكتور محمد الواثق هو امتداد لشعراء عروبيين كثيرين في الوطن العربي كالجواهري في العراق والمجذوب في السودان والبردوني في اليمن.

التقت “القدس العربي” بالواثق في الخرطوم وأجرت معه هذا الحوار وهو الآن مدير معهد الدكتور عبد الله الطيب للغة العربية. محمد الواثق والبدايات الأولي ذات الأثر؟ والدي رحمة الله عليه كان من طبقة (الأفندية) الذين تعلموا السلسلة في غردون ثم عملوا في البريد. طفت معه أصقاعاً مختلفة في السودان. تعرفت علي المدرسة في مدينة سنكات واكتسبت شيئاً من لغة الهدندوة نسيته لاحقاً، لكن ما زالت عالقة بالذهن صورة أوشيك والذي يظهر في قصيدتي (كسلا) أوشيك أشعث مغبر له ودك.

وما كان مقر الست مريم بعيداً عن سكننا. انتقلت ثانية لأم درمان وقطعت شطراً كبيراً من التعليم الأولي في مدرسة بيت المال الأولية. وكنت هناك حين اجتاح فيضان 1946م أجزاء من أم درمان وكاد يهلك توتي.. كل هذا سيظهر مؤخراً في ديوان أم درمان تحتضر حين ينعتق النيل كي يطهر الأرض من دنس حل بها.

تلاطم النيل مدفوعاً بغضبتهوجاش مواره في الأرض بالزبدوطهر الأرض من أدران رجسهموأعلن الطهر صوت الطائر الغردأما توتي:

النيل يسعي لأمر سوف يدركه لا حاجز سيصد النيل توتي لا بد أن كل هذا قد انخزن في لاوعي الطفولة ثم استجاش شعراً في مرحلة النضج ثم كان الانتقال مرة أخري الي وادي حلفا القديمة حيث أكملت الأولية وجزءاً من المدرسة الوسطي. الناس هذه المرة أغروا النيل بوادي حلفا كي يدمرها فتختفي معالمها ويتبعثر أهلها. قصيدة وادي حلفا من أواخر قصائدي.

لو كان فيك رجال كنت أعرفهملما مكثت بقاع النيل يا حلفارجعنا مرة أخري للخرطوم بحري، فمدرسة وادي سدنا الثانوية، فجامعة كمبردج فجامعة الخرطوم مقراً.

كان هذا تتخلله قرية في (النية) بل تكون وشيجة العصب الذي يربط بينه. دمر فيضان 1946م النية أيضاً فدمر معها ملاعب الطفولة وما كان مسترفد الخيال. ترحلت النية الي مقرها الجديد حيث الكهرباء والطريق المسفلت ومياه المواسير.. لكن اختفي طائر الجنة الذي كان يحل في الخريف ثم هرب الظبي والارنب وسائر الحيوان الوحشي. أفدح من ذلك ان قد اجتث شجر الأراك الزاكي لتحل محله الزراعة الحديثة تلك التي أزاحت الساقية أيضاً ومعها غناء الأراتي.* إحك لنا قصة احتضار المدن السودانية في قصيدتك؟

شعري الذي ضاعت كراسته شمل أيضاً الإسكندرية وأسمرا وإن كانت الأخيرتان قد اختلف سنخهما الشعري.. يتسق شعري هنا التراث العربي ـ الاسلامي ـ التوراتي أيضاً يتعلق الأمر بالمدينة التي فسدت. بعد مهلة إنذارها تجتاحها الأعاصير التي تتواصل أياماً حسوماً فلا تري لها من باقية. قلبت مدينة صالح أعاليها أسافلها. وقد ترسل الطير تحمل حجارة السجيل كما حدث في امر جيش أبرهة ومكة، ثم أضف إلي هذا قوم عاد وثمود وأصحاب الرس. الأمر لايختلف كثيراً في الإرث التوراتي هناك سدوم في مفاسدها فاجتاحتها البراكين والزلازل بل مسخ أهلها. وما زلت أتذكر ما حل حديثاً بمدينة الأصنام في الجزائر. في هذا الإرث الإسلامي التوراتي تكون البراكين والأعاصير عنصر تطهير تستأنف الحياة بعده علي نمط الطهارة المرجوة وإلا عاودت الأعاصير فعلها.

لست بناقد لشعري ولكن من يتأمله يجد فيه غيط الرياح والبراكين. في قصيدة ثعابين أم درمان ياريح عاد تحري اين موقعهاوفجري فوقها غيظ البراكينفي قصيدة أم درمان تتزوج ينفلت النيل:

يفتت الصخر جلموداً ويقذفهفيهدم الدور هدماً غير متصدوفي قصيدة أم درمان والانهزام تجتاح المدينة الطير الابابيل:

طير أبابيل في منقارها فلقمن الحجارة فيها النار تضطرمهناك كثير من مظاهر دمار المدن التي فسدت، وعندما يحدث التطهير يحلق الطائر الميمون الذي يعلن الطهر أم درمان تتزوج:

فطهر الارض من أدران رجسهموأعلن الطهر صوت الطائر الغردمثل هذا الشعر سلك في عمق التراث العربي ـ التوراتي واتخذ رمزه منه.* مارأيك في القصيدة الثورية، هل زمانها ولي؟

الخليل لم يعد ان قنن ما وجد في الموروث الشعري فهو لم يخترع الشعر وان كان قد وضع له اطاراً هو الدائرة التي هي طريقة حصر لما يمكن ان يكون نغماً شعرياً فحصر بذلك كل شعر العرب.. أدخلت الدائرة ما أسماه مهملاً لم تنظم العرب وحاول بعضهم النظم فيه فيكون الخليل قد فتح باباً جديداً لتنويع النغم.. ظهرت بعد الخليل أنماط نغم مثل المسمط الدوبيتي الموشح وهي موضات شعر صاحبت الوزن العربي الرئيسي منذ أن كان وما أن تستنفد الموضة نفسها يرجع الناس الي الشعر الرئيسي ريثما تظهر الموضة الجديدة الي ان بلغنا موضة شعر التفعيلة، والقصيدة الحرة، والنثرية. بيد أن المتابع لكل هذا يري ان ما قصد منه حرية الشعر انحصر في أنغام محدودة قليلة سبع تفاعيل فضيقوا النغم من حيث أرادوا توسعته وحريته.

الموضة الشعرية التي لم تقدم عبقرية جديدة تضاف للمتنبي أو شكسبير، فيفتعل لها مواجهة مع القديم وان سدنة القديم هؤلاء يحاولون دون توطيد المذهب الجديد. الان اصحاب القصيدة النثرية يتهمون أنصار شعر التفعيلة أنهم يحاولون دون الجديد وهو الشعر المنفلت علي أصحاب التفعيلة، والامر في كل هذا أفول الشعر العبقري والاستعاضة عن ذلك بافتعال معركة بين القديم والجديد والجديد والاجد. لماذا لم يشارك محمد الواثق في مهرجان الخرطوم عاصمة للثقافة العربية؟ استبشرنا خيراً أن تصير الخرطوم عاصمة للثقافة طيلة عام 2005م وان ينجز في هذا العام إنشاء بعض البني الاساسية التي لا تقوم الثقافة بغيرها. كنا نأمل قيام مكتبة السودان الجامعة وأن تكون مركزاً في أجنحته المسرح الحديث ودار الموسيقي ثم المعرض الدائم للكتب الذي إبداع الشباب من أهم معالمه بعد ان تطبع مؤلفاتهم. وكان لا بأس ان يصاحب قيام البني التحتية المحاضرات ثم العروض المختلفة من تشكيل وسينما ومسرح شريطة أن يقوم بكل هذا أهل الاختصاص.

حدث ما كنا نحاذر منه.. ان تصير الخرطوم عام 2005 عاصمة ثقافية عامة لطق الحنك وان تدعي الوفود الأجنبية باهظة تكاليف الاقامة والسفر لطق الحنك.. تهدر بذلك ميزانيات انشاء البني الاساسية للثقافة.

كنا أعددنا في جامعة الخرطوم برنامجاً ضخماً لمواكبة الحدث وعرضناه عليهم.. وجدنا الاعراض والفتور.. انسلخنا كما انسلخ غيرنا عن (البرنامج القومي)؟ وقدمنا وما زلنا نقدم الثقافة المحضة التي ليس فيها الفنادق الفخمة ولا العشاء الفاخر.. وتكلفت جامعة الخرطوم بتغطية المصاريف لهذا البرنامج الذي تقدمه الكليات والمعاهد بل نطمع ان يستمر هذا البرنامج بعد عام 2005م فتصير جامعة الخرطوم عاصمة للثقافة كما هو مرجو منها.

ساءني جداً ان المبدعين من الشباب خرجوا صفر اليدين من الخرطوم عاصمة للثقافة العربية.. حتي الكتب اعلنوا عن طباعتها لم نجدها في الاسواق كم من الشباب طبعت اعمالهم ضمن هذه الكتب الخفية، أم أن المر لا يعدو ان يكون عام 2005م هو عام طق الحنك؟. لمن يسمع الواثق من الاصوات الغنائية وهل للفن نصيب عنده؟

كنت قننت أوزان الدوبيت السوداني في بحث نشر في مجلة مجمع اللغة العربية حياة استاذي عبد الله الطيب وكان ذلك قبل ان صرت عميداً لمعهد الموسيقي والمسرح. أوزان الدوبيت هذه جذبتني الي الجابودي وهو من الاصوات التي يحسنها انسان البطانة بمثل ما جذبتني نساء الجعليين. جاهدت ان يغير مسمي معهد الموسيقي والمسرح الي الموسيقي والدراما، وسرني ان تحقق هذا اخيراً عندما تحول المعهد الي كلية من كليات جامعة السودان. ما زلت آمل ان يحقق مسعاي الآخر وهو ان تصير كلمة الموسيقي مرادفة للغناء كما يحدث الان ان زملائي واصدقائي بالمعهد قمينون بأن يرجعوا الموسيقي الي فن يطلب في حد ذاته وليس بالضرورة مطية للغناء. توفي الصديق حسن عطية اثناء غيابي عن السودان فلم أملك عند عوتي الا ان اعقب علي كتابة ذكريات حسن عطية في مقالتين وما زلت آمل ان استكمل بقية المقاولات وقد كان اقرب لاستيعابه لروح الفن. لمن تقرأ للشعراء العرب؟ لا أكاد أعرف شاعراً اشتهر بشيء لم اتوقف عنده في اللغة العربية او في اللغات التي اعرفها. لفت نظري منذ فترة مبكرة شعراء أمثال زياد بن حمل (لا حبذا انت يا صنعاء من بلد) والقطامي إنا محيوك فاسلم ايها الطلل ولا بد ان زهيراً استغرق جل وقتي بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا أركز الان علي اشعار استاذي عبد الله الطيب ـ رحمه الله ـ قراءة اعادة ترتيب لها. قصيدة تكتمل بعد دواخل محمد الواثق؟ ما اكثر وهو يجعلني مقلاً بين الشعراء. بدأت قصيدة:

لو قلت أمرك يا أم درمان مفضوح بكت كما تبكي التماسيح وقفت فيها سنين عديدة ولم تكتمل ثم تركتها ووهبتها لشاعرة سودانية نابهة ـ آية أسامة وهبي ـ فأكملتها في وقت وجيز مع الاتفاق.. الآن تدندن قصيدة الريح العقيم:

خانك الغمض والفراش ترقب النجم هل عشقت الثريا لا أدري متي سأفرغ منها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية