افريقيا: قارة حولتها التدخلات السياسية والاقتصادية والعسكرية إلى جهنم

عبد الله مولود
حجم الخط
0

نواكشوط-“القدس العربي”: لم تكن القارة الافريقية يوما ما محظوظة؛ فبعد كفاح شعوبها المستميت ضد الاستعمار لم تجد القارة ساعة هناء ولا راحة البال، فقد انصبت عليها التدخلات السياسية والاقتصادية والعسكرية الأجنبية وحولتها إلى جهنم، ثم انضاف التغير المناخي لهذه الخطوب المتلاحقة ليجعل القارة لا تطاق.

وليس أمام الافارقة الذين تحولت قارتهم إلى جهنم، أي حل في هذا الموقف العصيب، سوى الهروب عن وطنهم بحثا عن مكان آخر يصلح للعيش.

نهب الثروة البحرية

 

يقول محمد سالم ديديه وهو صياد موريتاني بلهجة مريرة “نحن نغذي أوروبا حاليا، لكن عما قريب سنجد أنفسنا عاجزين عن إطعام أنفسنا”.

معلوم أن أكثر من 80 في المئة من شعب موريتانيا يعتمد على أنشطة الصيد في تحصيل القوت اليومي.

وقد أبرم الاتحاد الأوروبي اتفاقيات صيد مع عدد كبير من دول غرب افريقيا المطلة على الساحل.

وتتزاحم أساطيل الصيد الصناعي القادمة على وجه الخصوص من هولندا واسبانيا وفرنسا وإيطاليا، في سواحل غرب افريقيا لاصطياد أسماك السردين وأسماك الماكرو.

وتستخدم هذه الأساطيل تقنيات الصيد المتطورة التي تكتسح السواحل وتستنزف الثروة البحرية.

وليس باستطاعة المؤسسات العائلية الصغيرة الناشطة في مجال الصيد البحري القيام بأي شيء أمام هذا الاستنزاف الذي يجعل مواطنين كثيرين يفقدون قوتهم وعملهم.

الهجرة أو الهروب

 

وفي عمق مياه البحر الأبيض المتوسط يوجد بين الافارقة المهاجرين الرامين بأرواحهم في زوارق صغيرة محاولين العبور نحو أوروبا، صيادون ومزارعون مطرودون من بلدانهم.

ويتزاحم على الهجرة العشرات من الرجال والنساء والأطفال الذين انسدت أمامهم آفاق الحياة في بلدانهم الأصلية.

إنهم يفرون من النزاعات التي أشعلتها التدخلات العسكرية الغربية وأججت نيرانها الحركات الإرهابية المتطرفة، كما أنهم يفرون من أجواء البؤس والجوع والتشرد. فلم يعد في بلدانهم أي سبب من أسباب الحياة بعد أن نهبت الشركات العملاقة المواد الأولية، وبعد أن خنقتهم شراكات اقتصادية فاشلة لا تحقق أي تنمية بل تحقق للبلدان الغربية أهدافها على حساب جهد وخيرات دول الجنوب.

القارة الغنية الفقيرة

 

يقال إن افريقيا هي أغنى قارة في العالم لما يندفن في أراضيها من خيرات لكنها في الوقت نفسه هي أفقر قارات الأرض أيضا. وتتوفر افريقيا على ثروات طبيعية هامة لكن الافارقة لا يتحكمون فيها إلا بقدر ما يسددون للدول الغربية ديونها. وفي آخر سبعينيات القرن الماضي، وجدت دول افريقية عديدة نفسها في أزمة ديون خطيرة ناجمة عن انجراف قادتها وراء المشاريع الزائفة ووراء الاستدانة من دول البترودولار وذلك ضمن خطة أتقن الغرب حبكها لتظل الدول الافريقية تابعة له في النواحي المالية والاقتصادية.

فقد وجدت دول القارة نفسها عاجزة عن الوفاء بديونها في وقت كانت فيه البنوك الأوروبية قد زادت الفوائد على القروض الممنوحة.

خدعة برامج الإصلاح

 

واقترحت الدول الغربية حلولا على الدول التي طحنتها أزمة الديون تتمثل في برامج الإصلاحات الهيكلية التي وضعها صندوق النقد الدولي، وهي البرامج التي تقوم على حلول فوق ليبرالية تشمل فتح الأسواق أمام استثمارات الشركات المتعددة، مع فرض سياسات تقشف في الإنفاق وخصخصة القطاع العام.

ودعا توماس سانكارا رئيس بوركينافاسو الثائر الذي اغتيل عام 1987، لاستقلال القارة الافريقية عبر جبهة افريقية مضادة لقضاء ديون الدول الغربية قائلا “الذين يمنحون القروض لدولنا هم الذين استعمروها في السابق”.

وقال “في الوقت الحالي فأوضاع الدول الافريقية تتحكم فيها الامبريالية عبر القروض الخانقة التي حولت كل الافارقة إلى عبيد لتمويلات الغرب”.

وما تزال القارة الافريقية تعاني حتى اليوم من انعكاسات أزمة الديون كما أن عددا كبيرا من دول القارة ما يزال تابعا للمؤسسات متعددة الجنسيات التي تواصل امتصاصها لخيرات القارة وموادها الأولية.

معادن ومناجم

 

وتحتل افريقيا موقعا هاما في حركة التدفق العالمية للمواد الأولية؛ فالذهب المستخلص في غانا ومالي وتنزانيا يمثل 20 في المئة من الإنتاج العالمي للمعدن النفيس، واستغلال اليورانيوم في ناميبيا والنيجر يمثل 18 في المئة من الإنتاج العالمي؛ ويمثل إنتاج النفط في نيجريا وأنغولا والسودان وليبيا والجزائر 12 في المئة من الإنتاج العالمي، بينما يمثل إنتاج الكونغو وزامبيا والمغرب من الكوبالت 60 في المئة من الإنتاج العالمي.

وفي عام 1970 باشرت شركة “آريفا” الفرنسية استغلال مناجم اليورانيوم في النيجر، وتملك الدولة الفرنسية 87 في المئة من أسهم شركة “آريفا” ومنذ ذلك التاريخ أصبحت النيجر من أعظم مصدري اليورانيوم في العالم.

 ومع الأسف لا يستفيد شعب النيجر من هذه البحبوحة؛ فأكثر من 50 في المئة من قيمة صادرات النيجر من اليورانيوم تصرف لتغطية استغلال المناجم، ولا يتجاوز انعكاس صادرات اليورانيوم على الناتج الداخلي الخام للنيجر نسبة 5 في المئة فقط. ويعود هذا لسبب واحد هو أن الشراكة الاستراتيجية بين فرنسا والنيجر تنص على أن شركة “آريفا” لا تسدد مجموعة كبيرة من الضرائب والمكوس مثل الحقوق الجمركية وضرائب التصدير، وضرائب الوقود وضرائب رقم الأعمال.

وعندما حاولت دولة النيجر مراجعة اتفاقية الشراكة حول اليورانيوم عام 2014، أوقفت شركة “آريفا” إنتاجها لعدة أسابيع، وقارن الرئيس الحالي محمد يوسوفو ما قامت به الشركة بالتصرفات الاستعمارية.

انتزاع الأراضي

 

وتتوفر افريقيا على مساحات زراعية شاسعة ذات قيمة تجارية عالية. وهناك تنافس كبير على الأراضي الزراعية في منطقة غرب افريقيا بالذات.

وتبحث الحكومات الغربية القلقة لقلة مخزوناتها من الما وراء الموارد الطبيعية، عن الخلاص في مكان آخر.

وصادرت الحكومات الافريقية أراضي كثيرة من مستغليها المحليين لتأجيرها لمؤسسات أجنبية تستخدمها لإقامة محطات توليد الطاقة الكهرومائية، وإقامة المشاتل الزراعية الصناعية.

فعلى سبيل المثال، قامت حكومة السنغال خلال عقد واحد، ببيع وتأجير ما يزيد على 650 ألف هكتار لمؤسسات خصوصية محلية وأجنبية.

وتبلغ هذه المساحة ربع مساحة بلجيكا كما تقدر بـ 16 في المئة من مجموع الأراضي السنغالية الصالحة للزراعة.

وتمت هذه العملية دون منح أي تعريض للسكان المحليين الذين فقدوا مع الاستحواذ على أراضيهم، مصدر عيشهم الوحيد.

ففي قارة يعتمد 70 في المئة من سكانها على الزراعة، يعتبر تأثير هذا النهب كبيرا للغاية.

 فخ التبادل التجاري الحر

 

وتجري أوروبا منذ مستهل عام 2000 مفاوضات للحصول على اتفاقيات التبادل التجاري الحر مع عدة مناطق افريقية، واضطرت حكومات افريقية عديدة للقبول بالاتفاقات الأوروبية المجحفة بسبب ضغط الظروف؛ فقد قبلت حكومات غانا وساحل العاج بإبرام اتفاقيات التبادل التجاري الحر بضغوط من شركات تحويل الكاكاو وشركات تصدير الفواكه وغالبها شركات أوروبية.

وتقوم اتفاقيات التبادل التجاري الحر على فتح الاقتصاديات الافريقية المحلية على الشركات الأوروبية وعلى إعفاء الواردات الأوروبية من الضرائب.

وبما أن اتفاقيات التبادل التجاري الحر تعفي واردات أوروبا من الضرائب، فإن الألبان الأوروبية المستوردة إلى غانا أخفض أسعارا بثلاثة أضعاف من الألبان المحلية وهو ما دفع شركات ألبان محلية كثيرة إلى الإفلاس.

قواعد عسكرية جاثمة

 

ويرابط ستة آلاف جندي أمريكي في افريقيا غالبيتهم في القاعدة الأمريكية المقامة في جيبوتي شرق افريقيا.

وظلت الدول الأوروبية تعتبر أن مستعمراتها الافريقية القديمة محميات خاصة بها رغم استقلالها، وفي هذا الإطار يندرج اغتيال وقلب أنظمة جميع قادة التحرير الافارقة المعارضين للاستعمار.

ولكي تحتفظ على مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية، أقامت فرنسا منذ عقود، قواعد عسكرية في ثلاثة بلدان افريقية، وينتشر ما يزيد على 3500 جندي فرنسي في مناطق عدة من القارة مكلفين بالقضاء على الإرهاب في افريقيا ومساندة فرنسا في ذلك.

دمار ليبيا

 

لكن الحقيقة التي يجمع عليها الكثيرون هي أن تدخلات الناتو والتدخلات الأوروبية هي التي حصل بها الإرهاب على مسوغات وجوده.

ففي عام 2011، شجعت فرنسا تدخلا عسكريا لحلف الناتو في ليبيا، ومع أن معمر القذافي قد قتل في هذا التدخل إلا أن ليبيا دخلت بعده في فوضى عارمة حيث تتناحر فيها الميلشيات المسلحة بشكل مستمر.

ففي طرابلس وحدها، تنشط 150 حركة بميليشياتها وأسلحتها؛ ومعظم هذه الحركات تضم مقاتلين مدربين في الولايات المتحدة، كما تستخدم أسلحة قادمة من الدول الغربية.

فقد دمر تدخل الناتو جميع البنى التحتية للدولة الليبية وترك فراغا كبيرا لم يسد لحد الآن كما فتح الأبواب مشرعة أمام انتشار السلاح وأمام المجموعات الإرهابية داخل القارة.

وفي شمال شرق نيجريا، شرد الملايين خوفا من حركة بوكو حرام وأصبحوا يقيمون كلاجئين في البلدان المجاورة حيث يجري جذب الكثيرين من طرف مجموعات الإتجار بالبشر للذهاب بهم إلى أوروبا.

وتوجد نيجريا ضمن القائمة الثالثة لدى الأمم المتحدة للبلدان ذات الوضعية الغذائية الأكثر خطورة في العالم.

وفي هذه الأثناء وسعت حركة بوكو حرام نشاطها نحو التشاد والنيجر والكمرون.

وتتأثر افريقيا تأثرا بالغا بالأزمة المناخية العالمية، فالجفاف الناجم عن قلة الأمطار وعن درجات الحرارة المرتفعة يكتسح القارة.

أوروبا العطشى

 

ومنذ عقود طويلة يتقاتل السكان كل عام، على مخزون المياه القليل الناتج عن الأمطار منتظرين موسم الأمطار المقبل.

ولوحظ في السنوات الأخيرة أن الأمطار تتساقط بشكل متأخر جدا كما أنها تنتهي بشكل سريع، وفي بعض الأحيان تسقط الأمطار بشكل عنيف يكتسح البذور ويكتسح الأراضي.

وتتحدث توقعات مناخية عن ازدياد في درجات الحرارة سنة 2050 بثلاث أو خمس درجات وعن تحول في تهاطل الأمطار نحو جنوب الكرة الأرضية.

ويتجه نهر النيجر شريان الحياة في مناطق كبيرة نحو الجفاف التام، وهو ما يعرض 110 ملايين مزارع في المناطق المحاذية للنهر على مياه هذا النهر لفقدان قوتهم اليومي.

 وغير بعيد من ذلك، فقدت بحيرة التشاد ذات الأهمية الحيوية في تزويد الكمرون والتشاد والنيجر ونيجيريا بالمياه، 90 في المئة من مساحتها التي كانت عليها عام 1963.

 ومع هذه المعاناة، تعيش منطقة البحيرة أزمة إنسانية ومناخية وعسكرية دائمة.

الانفجار السكاني

 

وتعاني افريقيا مع أوجاعها هذه من النمو الديموغرافي المفرط، حيث سيرتفع عدد سكان القارة سنة 2050 بالضعف ليصبح 2,5 مليار نسمة.

وبالعكس من ذلك، وخلال الفترة نفسها سينخفض عدد سكان أوروبا الذي كان عام 1900 أكثر ثلاث مرات من عدد سكان القارة، لينتقل من 740 مليون نسمة اليوم إلى 734 مليون نسمة عام 2050.

من المسؤول؟

 

من المسؤول عن كل هذا؟ لا شك أن هناك من يتحمل مسؤولية ما تعانيه افريقيا: فمن الذي وقع اتفاقيات التبادل التجاري الحر مع دول غرب افريقيا؟ ومن الذي قام، عبر هذه الاتفاقيات، بفتح اقتصاديات دول غرب القارة أمام المنتوجات الأوروبية؟ ومن الذي ينهب افريقيا؟ ومن المسؤول عن هذا التدخل العسكري الكبير الذي يهدف إلى حماية مصالح الغرب في القارة؟

إنها بكلمة الامبريالية العالمية، فالأدلة تتضافر لتأكيد ذلك.

نضال مشترك

 

يمكن في مواجهة الهجرة أن نبني عشرات مراكز استقبال اللاجئين على أبواب أوروبا ويمكن أن نعسكر الحدود، لكن اللاجئين الافارقة سيواصلون زحفهم نحو أوروبا ما دامت الامبريالية الغربية تشوش على افريقيا.

إن جميع الحلول المقترحة لا جدوى لها ما لم تعالج الأسباب وما لم ينته نظام الاستعمار الجديد نظام الامبريالية الغربية.

فالحقيقة أن مكافحة المجاعة في افريقيا التي هي السبب الأساسي للهجرة وللإرهاب، لا يمكن أن تحقق إلا بنضال مشترك بين الشعوب الأوروبية والافريقية ضد امبريالية متوحشة تنهب خيرات القارة السمراء وتزرع عوامل الفوضى فيها وتدفع سكانها للهروب عنها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية