اقتحام الاقصى… بين سكوت العرب و’تآمرهم’

حجم الخط
29

اصبح الاقتحام المتكرر للمسجد الاقصى، اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، خبرا اعتياديا لا يكاد يثير قلقا يذكر في السنوات الاخيرة، حتى انه كثيرا ما يغيب عن بعض وسائل الاعلام العربية المنشغلة في ‘خوض حروب’ وتغطية قضايا اخرى تعتبرها اكثر اهمية.
وهكذا لم يكن الاقتحام الاخير الذي قامت به الشرطة الاسرائيلية لباحة المسجد الاسير امس الاول الثلاثاء حدثا استثنائيا، رغم همجيته التي تمثلت في استخدام الضرب والرصاص المطاطي بل والقنابل، ما اسفر عن اصابة 15 فلسطينيا من المدافعين عن قدسية المكان (نيابة عن امة قوامها اكثر من مليار مسلم) ضد الانتهاكات المستمرة لحرمته التي يقوم بها جنود الاحتلال والمستوطنون.
الا ان اسرائيل ابت هذه المرة الا ان تضيف ‘الاهانة الى هذا الجرح’ المفتوح في وجدان كل عربي ومسلم، بل وكل انسان حر وشريف مهما كان دينه او مذهبه، اذ تزامن الاقتحام مع مناقشة الكنيست لمشروع قانون تقدم به النائب موشي فيغلين، العضو المتشدد في حزب الليكود الذي يرأسه رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، ينص على ‘بسط السيادة الاسرائيلية’ على المسجد الاقصى.
وانطلاقا من المسؤولية الاخلاقية والسياسية التي يتحملها الاردن تجاه المقدسات الاسلامية في القدس المحتلة، صوت البرلمان الاردني على طرد السفير الاسرائيلي من عمان وسحب السفير الاردني من اسرائيل.
الا انه من غير المتوقع ان تنفذ الحكومة الاردنية هذا القرار الذي اتخذه ‘ممثلو الشعب’، اذ اكتفت بتصريحات على لسان وزير خارجيتها بالوكالة قال فيها’ تتحمل الحكومة الإسرائيلية بوصفها القوة القائمة بالاحتلال، مسؤولية إطلاق يد المتطرفين للعبث في المسجد الأقصى ومحيطه وبشكل متزايد ومتكرر’. ومضيفا ‘السياسات الإسرائيلية تجاه الأماكن المقدسة تثير العداء والكراهية في الوقت الذي ينشط فيه المجتمع الدولي لتعزيز جهود نبذ التطرف والعنف والتقريب بين أتباع الديانات ونشر مفاهيم التسامح والانفتاح واحترام الآخر’.
وهي تصريحات تليق بمحلل سياسي في برنامج حواري على قناة فضائية، وليس بحكومة مستعدة حقا لتحمل مسؤوليتها التاريخية، عبر الاستخدام الفعلي لكافة الوسائل السياسية والقانونية والاقتصادية المتاحة لها، خاصة انها تقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع تل ابيب.
ويبدو ان اسرائيل لم تنزعج كثيرا من تحرك البرلمان الاردني، حيث انها ليست المرة الاولى، وقد لا تكون الاخيرة التي يصدر فيها هكذا قرار دون ان يجد طريقه للتنفيذ.
ويثير هذا سؤالا مشروعا حول ما اذا كان غياب الجدية عن اسلوب تعاطي الحكومة مع البرلمان قد شجع الآخرين على تقليدها.
وحيث ان هذه المقدسات الاسلامية لا تخص الفلسطينيين وحدهم، بل مئات الملايين من المسلمين في ارجاء المعمورة، فان المسؤولية عن حمايتها ضد هذه الهجمة الصهيونية المسعورة، لا يمكن ولا يجب ان تقع على عاتق سلطة واحدة او عاصمة واحدة.
الا ان الدول العربية والاسلامية التي تقيم علاقات سياسية واقتصادية (سواء علنية ام سرية) مع اسرائيل تتحمل مسؤولية خاصة، اذ ان سكوتها يعني اقرارا بل ومشاركة في هذه الجريمة.
وبالنسبة للاردن فان اتفاق السلام الذي وقعه مع اسرائيل في وادي عربة في العام 1994 يقر باشراف عمان الكامل على المقدسات، فهل اتخذت الحكومة اي اجراء رسمي او قانوني لتذكير حكومة نتنياهو بالتزاماتها؟ والا يستحق الاقصى وما يتعرض له من انتهاكات مستمرة ان تسحب من اجله سفيرها من تل ابيب ولو ‘للتشاور’؟ ام ان العلاقات مع (اولاد العم) تختلف عن العلاقات الدبلوماسية الطبيعية المفترضة بين الدول ذات السيادة والتي يمكن ان تتعرض للتوتر او حتى للقطيعة احيانا؟
اما رد فعل مصر فاقتصر على تصريحات لوزير خارجيتها ايضا حث فيها الحكومة الاسرائيلية على ‘القيام بما يلزم من جانبها نحو كبح جماح المتطرفين من أعضاء الكنيست، والذين درجوا خلال الفترة الماضية على اقتحام ساحات المسجد الاقصى والاحتكاك مع رواده’، وهو موقف يبدو ناصحا لاسرائيل وحريصا عليها اكثر من الحرص على الاقصى والقدس وفلسطين، ودماء الآلاف من الشهداء المصريين والعرب التي سالت من اجل الدفاع عنها.
واذا كان الكنيست الاسرائيلي الغى، هذه المرة، مشروعه لبسط السيادة على الحرم القدسي الشريف، فقد حقق سابقة تاريخية تؤسس لامكانية اعادة طرح القانون مجددا، بعد ان نجح في اختبار الاجواء، وتأكد من ان ردود الافعال العربية والاسلامية لن تتجاوز بيانات انشائية للاستنكار والادانة، (بل ان بعض البلاد العربية والاسلامية لم تكلف نفسها عناء اصدارها).
وهكذا يبدو الطريق ممهدا امام هدم الاقصى واستكمال تهويد القدس المحتلة، فيما ينشغل العرب والمسلمون بصراعاتهم وحروبهم ومجازرهم ومؤامراتهم بالنيابة عن الدولة اليهودية.
فهل من معطيات اكثر ملاءمة من هذه لتستكمل اسرائيل مخططاتها؟
اما البيت فله رب وشعب مستعد للشهادة من اجله. واما العار فسيلاحق اولئك الذين سيذكر التاريخ انهم اداروا ظهورهم، واصموا اذانهم، وغيبوا ضمائرهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية