اقتحام سجن أريحا كان صورة مصغرة للنهج الاسرائيلي المقبل في مواجهة سلطة حماس
الجهاز الامني يحضر لتصادم لا مناص منه مع السلطة ويتحدثون عن أيار أو حزيران أو تموزاقتحام سجن أريحا كان صورة مصغرة للنهج الاسرائيلي المقبل في مواجهة سلطة حماس في ساعات الظهيرة من يوم الثلاثاء بدأ شعور غير لطيف بوجود طريق مسدود يتسلل خلسة الي موقع القيادة المتقدمة. هذا كان كابوس قادة عملية السيطرة علي سجن أريحا: وضعية الوضع الراهن ـ علي شاكلة تحصن المطلوبين في كنيسة المهد ـ توشك علي التحقق. سلسلة مشاورات بين الأطراف المختلفة في الجيش بدأت حول كيفية الخروج من ذلك وكيفية عدم الانجرار الي مفاوضات طويلة لمواجهة المطلوبين المتمترسين في السجن أمام أنظار العالم وفي ظل الضغوط الدولية وخطر اندلاع اعمال الشغب في العالم الاسلامي.قائد الوحدة الخاصة، اللواء (د)، الذي كان علي رأس القوات الخاصة التي اقتحمت منطقة السجن، أوصي بخطوة دراماتيكية: اقتحام صاخب وسيطرة سريعة علي مبني السجن مع اطلاق النار والقاء القبض علي المطلوبين الستة ومن ثم الخروج علي وجه السرعة. احتمالات نجاح هذه العملية كانت معقولة. الوحدات الخاصة تدربت علي نموذج مشابه لسجن أريحا طوال اسبوعين ونصف. إلا أن الخوف خلال الاستعدادات من تعرض قواتنا المهاجمة لاطلاق النار كان ماثلا للعيان، كما أن احتمالية تعرض المطلوبين للاصابة كانت عالية. الهدف كان اخراجهم من هناك أحياء من اجل تقديمهم للمحاكمة. هذا كان في الواقع مطلب ارييل شارون من الجيش منذ أن قُتل رحبعام زئيفي. في كل مناسبة كان يُذكر رئيس هيئة الاركان والجنرالات بأنهم يدينون له بخطة تجلب القتلة للمحاكمة.اللواء (د) الذي يقود الوحدة الخاصة منذ عدة سنوات، نفذ في السابق اغلبية العمليات الميدانية الخاصة التي قام بها الشاباك خلال الانتفاضة. هو يُعتبر في عالم مكافحة الارهاب مهنيا رياديا. كما يعرف كيف يُقنع. عندما أوصي بالاقتحام الصاخب للسجن من أجل الخروج من الطريق المسدود مالت القيادة العسكرية العليا للاقتناع بوجهة نظره، إلا أن رئيس هيئة الاركان قرر في اللحظة الأخيرة مواصلة السير في العملية البطيئة والواثقة. لم ننوِ التحول الي شهداءولكن ما حسم الكفة لصالح مواصلة الضغط السيكولوجي والقضم المنهجي لجدران السجن كان حقيقة أن اركان المبني قد أصبحت آيلة للسقوط في المرحلة التي جري الحديث فيها عن الاقتحام الصاخب. المعابر بين الممرات كانت مغلقة بكتل اسمنتية. كان هناك خوف من أن يؤدي فتح ثغرات جديدة في الجدران بالوسائل المختلفة الي انهيار المبني علي القوات المقتحمة.في هذه المرحلة من ساعات الظهيرة المتأخرة، توقف المطلوبون الستة عن التجول في المبني. لسوء حظهم كانوا يغطون في نومهم الطويل في الساعة التاسعة والنصف صباحا عندما غادر الحُراس البريطانيون السجن. الحياة في الجناح الشمالي من سجن أريحا لم تكن قاسية معهم بصورة خاصة. جهاز الاستخبارات العسكري الاسرائيلي الذي كان يتابع منذ اسابيع كل حركة في السجن لاحظ بصورة فورية رحيل البريطانيين. في الساعة العاشرة واربع دقائق كانت قوات الوحدات الخاصة قد أتمت السيطرة علي النقاط الأساسية في ساحة السجن. قناصة الوحدات الخاصة قتلوا علي الفور شرطيين فلسطينيين بعد أن بدءا باطلاق النار. بذلك انتهت مقاومة عناصر الشرطة الفلسطينية خلال العملية كلها.عندما أدرك المطلوبون برئاسة احمد سعدات أن البريطانيين لم يعودوا في المكان غادروا جناحهم المغلق وبدأوا في التجول في المبني. كان هناك خوف من أن يُطبقوا التعهد الذي أعطاه سعدات لخالد مشعل في بث تلفزيوني حي: القتال حتي النهاية. كانت لديهم كل الظروف للقيام بذلك. في هذه المرحلة كانوا قادرين علي الوصول لاسلحة عناصر الشرطة ولم يكونوا الوحيدين الذين كان من الأجدر لهم أن يُقاتلوا. في صفوف السجناء الفلسطينيين في سجن أريحا كان هناك ايضا مطلوبون من الذين شاركوا في الاعدام الميداني لجنديي الاحتياط في رام الله في الايام الاولي للانتفاضة. كان من الواضح لهم اذا ضُبطوا فسيُرسلون الي سجن مؤبد، ولكن في ظروف مغايرة تماما. في وقت لاحق تبين أن أي واحد منهم لم ينوِ القتال بجدية. هناك تحديدا لم يرغب أي أحد منهم بأن يصبح شهيدا.قبل الاستسلام بساعتين كان الجناح الذي يقيم فيه قتلة غاندي ورجل الاموال في قضية كارين إية فؤاد الشوبكي، هو المكان الوحيد الذي تبقي أمامهم. هم عادوا الي غرفهم الأصلية وانتظروا. في الساعة السابعة إلا عشر دقائق، عندما بدأت الجدران من حولهم بالاهتزاز خرجوا مستسلمين.حكاية السيطرة علي سجن أريحا هي في الواقع صورة مصغرة لما يحدث اليوم في السلطة الفلسطينية في علاقاتنا مع الفلسطينيين وفي المستقبل المتوقع لنا في مواجهة سلطة حماس. قرار عدم القيام باقتحام صاخب وعدم خوض مخاطرات لا داعي لها، وانما مواصلة قضم الجدران وهز أركان المبني وعدم السماح لهم بالوقوف علي أرجلهم ـ ليس مجرد تكتيك عسكري، وانما هو في الواقع استراتيجية اسرائيلية في مواجهة سلطة حماس.خلال المداولات في جهاز الأمن حول خطة السيطرة علي المطلوبين الستة، لم تُطرح فقط مسائل عسكرية خالصة. في العادة عندما يتداولون حول عمليات عسكرية ذات أبعاد سياسية، يقوم عناصر الاستخبارات والابحاث بطرح تحفظاتهم وآرائهم. كان من الواضح أن عملية أريحا ستتسبب في إحداث موجة مرتجعة. شعبة الاستخبارات العسكرية تحدثت عن امكانية حدوث ردود فعل غاضبة في الشارع الفلسطيني، واطلاق مكثف لصواريخ القسام من القطاع، وتحركات للجبهة الشعبية من الحدود الشمالية. هناك من الأساس توجد حالة تأهب عالية علي خلفية استعدادات حزب الله لتنفيذ سلسلة عمليات علي امتداد الحدود الشمالية تؤدي الي اصابات كثيرة في اسرائيل. وحدات حزب الله الخاصة تتجول علي الخط الحدودي منذ الآن. الي جانب ذلك كله قدرت شعبة الاستخبارات العسكرية أن كمية العمليات داخل الخط الاخضر سترتفع.كما تحدثوا هناك عن قضايا مثل: ما الذي سيتسبب فيه الاقتحام لمكانة أبو مازن، وماذا سيحدث مع السلطة، وماذا سيقول المصريون والرباعية الدولية والروس والامريكيون وما الي ذلك. هذه قضايا ذات تأثير علي نسبة تركيز وحجم القوة المستخدمة. في هذه المرة – وليس فقط لان الأمر يتعلق بالقاء القبض علي قتلة زئيفي ـ تمت إزاحة الفصل السياسي جانبا وتقليل تأثيره علي الخطة. اقتحام السجن كان نقطة انعطافية في الوزن الذي توليه اسرائيل للجوانب المتعلقة باستقرار السلطة. من بين الاسئلة المطروحة كلها لم يكن السؤال حول ماذا سيحدث مع أبو مازن مهما لأي أحد.وهذا سيكون نمط العمل في مواجهة السلطة الفلسطينية في المستقبل ايضا. محور الثقل ينتقل من الاعتبارات السياسية الي الاعتبارات الأمنية ـ العسكرية. حتي الآن كان هذان الاعتباران يتقاسمان الأهمية نصفا بنصف. العسكريون يعترفون الآن: الوضع الجديد مريح لنا أكثر.هذا التغير في التصرف في مواجهة السلطة بعد انتصار حماس سيؤثر قبل كل شيء علي حجم العمليات الميدانية الخالصة وعلي المنطق السليم: اذا رغبوا في تصفية أحد ـ سيُصفونه. واذا رغبوا في القصف – سيفعلون. اذا أرادوا الدخول الي غزة فسيدخلونها. في الجيش يسود شعور بأنه قد أصبح حُرا طليقا من دون قيود. اذا رغبوا في التوضيح لسلطة حماس أن من الممكن مصادرة الاستقلال الفلسطيني من يدها في لحظة واحدة فسيدخلون الي فيلادلفيا مرة اخري لمحو رمز السيادة والمس بحرية الحركة. اقتحام سجن أريحا هو تلميح ليس فقط باصرار اسرائيل علي المباديء القومية، وانما الي أنها ايضا مستعدة لتحطيم الخطوط الحمراء.في جهاز الجيش يسود شعور بأننا نسير نحو تصادم لا مناص منه مع السلطة. لا يعرفون اذا كان ذلك سيحدث في أيار (مايو) أم حزيران (يونيو) أم تموز (يوليو)، ولكنه سيحدث لا محالة. هذا سيؤثر ايضا علي قرارات مثل تحديد خط الجدار وبناء مقر شرطة يهودا والسامرة وغزة بين معاليه ادوميم والقدس، منع دخول فلسطينيين الي غور الاردن وغيرها من الخطوات التي تخدم سياسة التحركات أحادية الجانب. الحوار مع الطرف الآخر – لن يكون.ولكن قضية اقتحام سجن أريحا كانت ايضا صورة مصغرة لما يحدث في السلطة الفلسطينية ما بعد الانتخابات. طوال يوم الثلاثاء كله ـ بدءا من مرحلة السيطرة وحتي الرحيل عن السجن ـ تابع الاسرائيليون بترقب تصرف عناصر الشرطة الفلسطينية في السجن. يتبين أن كل الـ 180 عنصرا من الشرطة واجهزة الأمن المتواجدين في المكان قد أبدوا ميزتين بارزتين. الاولي: عدم الرغبة الواضحة في القتال والموت. والثانية: عدم الرغبة في مغادرة المكان والفرار أو تسليم أنفسهم خشية أن يظهروا كمتعاونين. بهذه الطريقة تتصرف اليوم اجهزة الأمن الفلسطينية. عشرات آلاف الحاصلين علي الرواتب من السلطة من هؤلاء، بالرغم من أنهم لا يعرفون بوضوح من الذي يوالونه وما الذي سيحدث.في اسرائيل يشعرون جيدا منذ الآن بالانخفاض التدريجي في مستوي الحوار بين العسكريين الاسرائيليين ونظرائهم الفلسطينيين. رجال الأمن الفلسطينيين لم يقطعوا صلاتهم بعد مع الاسرائيليين. في الحياة اليومية في فترة الغسق حيث كان الحكم في السلطة يتبدل، ما زال هناك حوار مع الاسرائيليين. ولكن استعداد الشرطة لاكتشاف العبوات الناسفة علي الجدار ومنع العمليات وتنفيذ الاعتقالات آخذ في التلاشي. طوال الحصار علي السجن تحدث وزير الداخلية نصر يوسف ورئيس جهاز الأمن الوطني اسماعيل نضال مع نظرائهما الاسرائيليين. هما قاما بالأساس ببلبلة الرأس محاولين كسب الوقت واقترحا اعادة البريطانيين ـ ولكن في المقابل أرسلا للقوات الفلسطينية في أريحا والسجن رسائل لمواصلة الكفاح.يبحثون عن الفوضيفي اسرائيل يتابعون بقلق غياب الكوابح والتوازنات التي اسهمت في الاستقرار والهدوء المؤقت. الي جانب تلاشي التعاون مع اجهزة الأمن الفلسطينية، هناك ايضا تراجع في المنظومة الانسانية التي تشكل مصدر رزق في واقع الأمر لجزء كبير من المواطنين الفلسطينيين. كما أن مغادرة الاجانب لغزة تُسهم بقسطها في عدم الاستقرار. مبعوث الرباعية، جيمس وولفنسون، عاد الي التهديد بانهاء منصبه. معبر رفح فُتح أمس الاول بعد أن فر المراقبون الاجانب من رفح ـ ولكن هذا المعبر مفتوح الآن بصورة محدودة الضمان. المصريون يتصرفون وكأنهم قد رفعوا أياديهم ويركزون علي كبح انزلاق المشكلة الفلسطينية الي اراضيهم.في المقابل تقوم القوي الخارجية التي تحث علي العنف في الميدان برفع مستوي جاهزيتها. صحيح أن دعوة خالد مشعل لسكان الضفة لاحاطة سجن أريحا بسور بشري حي لم تحظ بالاستجابة حتي في صفوف العاطلين عن العمل في أريحا، ولكن السوريين والايرانيين وحزب الله يعملون قبالة الجهاد الاسلامي وفتح بصورة أساسية ويزجون بهما نحو التحرك. الارض مشبعة بالوقود. بعد عملية أريحا بيوم واحد وُضع علي طاولة رؤساء جهاز الأمن التقرير اليومي ـ وثيقة شمولية من اعداد كل الاجهزة الاستخبارية ـ وهو يشير الي كمية الانذارات: 40 خلية لتنفيذ العمليات و4 عمليات محددة. وهي كلها، بالمناسبة، ليست منسوبة لحماس وانما لفتح والجهاد. كل واحدة من هذه العمليات هي عملية انتحارية تهدف الي إحداث قتل واسع. الهدف هو الخط الاخضر والضفة والمعابر من القطاع.التوقعات هي أن كمية الانذارات بحدوث عمليات سترتفع في الايام القريبة. من هنا يُتوقع أن تبقي الجاهزية عالية لدي الشرطة الاسرائيلية، وأن يتواصل قرار اغلاق المناطق حتي عشية يوم السبت. عندئذ سيُتخذ القرار بصدد مواصلة فرض الاغلاق لفترة اخري. حماس حسب تقدير الجهات الأمنية: تواصل ضبط نفسها علي أمل أن تتمكن من تشكيل الحكومة والسيطرة علي السلطة. ولكنها قد قضمت أظافرها كلها من فرط ضبطها لنفسها. وقد بدأت بقضم الاصابع .ولكن ضبط النفس هذا سينتهي إن عاجلا أو آجلا. عملية أريحا لم تُضف قدرا من الاحترام لحماس. الرد الوحيد الذي اقترحه الحزب الحاكم كان تنظيم مظاهرات حاشدة ومحاولات تحويل غضب الجماهير الي أنشطة مضبوطة. الجهاد وفتح من ناحيتهما يفعلان كل ما في وسعهما لجر حماس الي دائرة العنف. تواصل اطلاق صواريخ القسام سيؤدي الي سقوط مصابين في الجانب الاسرائيلي في نهاية المطاف. اسرائيل من ناحيتها لا تنوي الرد بالمعايير التي اعتادت عليها مع السلطة السابقة. حماس قد تفقد اللجام. وهذا بالضبط ما تريده فتح: أن تسود حالة من الفوضي والمجابهة العنيفة مع اسرائيل وأن يُسحب البساط من تحت أقدام السلطة الحمساوية.الايرانيون ايضا لا يتفقون مع حماس تماما في قضية الهدنة الحالية. هم يريدون جدا أن تسيطر حماس علي السلطة، ولكنهم يضغطون من ناحية اخري لرفع مستوي العنف ـ من اجل الحفاظ علي صلتهم بالمجريات في المنطقة. لدينا هنا تناقض صارخ في المصالح بينهم وبين حماس. الايرانيون تعهدوا بمساعدة حماس ماليا من اجل مواصلة ادارة شؤون السلطة. ولكنهم لا يؤيدون هِبات مجانية وفي الخفاء. مقابل الاموال المقدمة هم يطالبون بالاعمال. واذا لم تنفذ حماس؟ ستحصل من الايرانيين علي التعاطف بالأساس.اقتحام سجن أريحا أغلق الحساب مع قتلة رحبعام زئيفي، ولكنه فتح كتابا جديدا ايضا مع أمور خفية كثيرة في العلاقات بين اسرائيل وبين السلطة الفلسطينية بقيادة حماس.اليكس فيشمانماتب رئيسي في الصحيفة(يديعوت احرونوت) 17/3/2006