اقتراح بتشكيل لجان شعبية بمشاركة ربات البيوت لمكافحة جشع التجار… ومحاكمة المتاجرين بقوت الشعب

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» : بينما تأمل دوائر السلطة العليا في أن تضع الحرب أوزارها، خوفا من أن يتسع نطاقها، وتتحول لحرب إقليمية، تصارع الحكومة التي يترأسها الدكتور مصطفى مدبولي والمهددة بالرحيل قريبا، الوقت على أمل أن تتمكن من حصد بعض الثناء من قبل الجماهير، التي لا تكف عن الهجوم عليها ليل نهار، أو من مجتمع رجال الاقتصاد، الذي بات الكثير من أفراده يطالبون بضرورة رحيل المجموعة الاقتصادية،
وقد شهد الدكتور مصطفى مدبولي، مراسم توقيع العقد النهائي الخاص بمنح التزام بناء وتطوير البنية الفوقية واستخدام وإدارة وتشغيل وصيانة وإعادة تسليم المحطة متعددة الأغراض (سفاجا 2) في ميناء سفاجا البحري، بحضور وزير النقل الفريق كامل الوزير، ومريم الكعبي سفيرة دولة الإمارات العربية المتحدة لدى مصر، واللواء مهندس محمد عبد الرحيم رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لموانئ البحر الأحمر، والكابتن محمد جمعة الشامسي العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لمجموعة موانئ أبوظبي. ويتضمن العقد منح التزام بناء وتطوير البنية الفوقية واستخدام وإدارة وتشغيل وصيانة وإعادة تسليم محطة متعددة الأغراض بنطاق ميناء سفاجا في مدينة سفاجا، لشركة سفاجا لتشغيل المحطات، (شركة مساهمة مصرية) بنظام المناطق الحرة الخاصة، والمؤسسة من تحالف شركات (أبوظبي للموانئ شركة مساهمة عامة – جولدن أنكور شيبس أوبريتور ليمتد ـ سيلفر أنكور فاسيلتيز مانجيمنت ليمتد) وتكون مدة الالتزام الممنوح لشركة المشروع ثلاثين عاما، تبدأ من تاريخ استلام أرض المشروع.
ومن أخبار الرئاسة، استقبل الرئيس السيسي الملك عبد الله الثاني عاهل الأردن في مطار القاهرة، حيث تعقد قمة يتشاور خلالها الزعيمان سبل تعزيز العلاقات الثنائية الوثيقة، التي تجمع البلدين الشقيقين، فضلا عن التشاور وتبادل وجهات النظر حول مختلف القضايا العربية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك، في إطار حرص الجانبين على مواصلة التنسيق المنتظم من أجل تضافر الجهود لصون الأمن القومي العربي. ومن المقرر أن يتصدر القمة بحث التطورات الخطيرة في غزة، وسبل وقف إطلاق النار في القطاع. وكشف الدكتور محمد شاكر المرقبي وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، عن أنه يتم العمل على تحويل مصر مركزا إقليميا لتبادل الطاقة بين الدول، عن طريق دعم مشروعات الربط الإقليمى للكهرباء، القائمة بين (الأردن وليبيا والسودان) وكذلك مشروع الربط الجاري تنفيذه مع (السعودية)، ومشروعات الربط الجارية دراستها بين (مصر/قبرص، ومصر/ الأردن/ هيئة الربط الخليجي، مصر/ اليونان، مصر/ إيطاليا).

كلهم قتلة

منذ بداية الحرب على قطاع غزة شاع في الأوساط العربية والدولية كما أخبرنا خالد أبو بكر في “الشروق”، أن شخص رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو هو جزء من الأزمة، وأن تطرفه وسياسته المعارضة للسلام على مدى 30 عاما والتي أجهضت قيام دولة فلسطينية بموجب اتفاق أوسلو هو ما أوصل الأمور إلى ما وصلت إليه، من شن إسرائيل حرب إبادة على الشعب الفلسطيني الأعزل، الذي تقاتل مقاومته بكل ما أوتيت من عزم، وتوقع خسائر فادحة بالجيش الإسرائيلي لذا يبدو السؤال وجيها: ماذا لو رحل نتنياهو.. هل تتغير إسرائيل؟ يستشهد الكاتب برأي المحلل الإسرائيلي جدعون ليفي، الذي رغم أنه أكد في البداية على مسؤولية نتنياهو عن الحرب، وعلى ضرورة رحيله وحكومته، إلا أنه شدد في الوقت نفسه، على أن رحيل نتنياهو لن يغير شيئا من سلوك إسرائيل تجاه غزة والفلسطينيين، فمهما تغير رؤساء الحكومات، فإن إسرائيل ستبقى دولة التمييز العنصري، ولكن ربما بشكل ألطف نسبيا». وأضاف جدعون أن «نتنياهو تصرف مثلما تصرف سابقوه من رؤساء الحكومات الإسرائيلية، ومثلما سيتصرف من يأتي بعده، فلا أحد كانت لديه النية في منح الفلسطينيين أدنى الحقوق التي يستحقونها، والتي من دونها لا يمكن الوصول إلى حل»، فجميع رؤساء الوزراء، كما يقول ليفي «وقفوا إلى جانب الاحتلال وحصار غزة، ولم يفكر أي منهم ولو لحظة واحدة في السماح بقيام دولة فلسطينية حقيقية، تتمتع بكامل السلطات كأي دولة أخرى، ولم يخطر ببالهم تحرير قطاع غزة من الحصار الخانق». ويرى الكاتب الإسرائيلي أن «هذه المقومات كلها لو توفرت لما كانت حماس نشأت أصلا. كما أن حصار غزة لم يتقرر في حكم نتنياهو، ولم يفكر أي رئيس حكومة إسرائيلية قبله في رفعه. وهو الحل الوحيد الذي لم يجربه أحد، وهي التجربة الوحيدة التي قد تساعد في الوصول إلى حل». ويضيف أن «مهمة الجيش الإسرائيلي الأساسية في جميع الحكومات قبل نتنياهو كانت دائما الاحتلال، ولن تتغير مع رؤساء الحكومات بعده، لأن نتنياهو سيرحل، ولكن إسرائيل ستواصل على نهجها».

المشكلة في الجيش

الجيش الإسرائيلي على مدى تاريخه لم يكن مؤمنا بالسلام، وفق ما انتهى إليه خالد أبوبكر، إذ أن إيهود باراك الذي يلقي علينا دروسا في السلام وأهميته منذ بداية الحرب على غزة، هو من خرب اتفاق أوسلو عندما كان قائدا لهذا الجيش في عهد إسحاق رابين، ثم أجهز على هذا المسار السياسي عندما صار رئيسا للوزراء، رغم تهليل الحكومات العربية وقتها بقدومه، بعد أن تزعم حزب العمل اليساري، لكنه خيب الآمال في مماطلاته المستمرة في تطبيق مراحل أوسلو، وانتهى الأمر بفشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية في أواخر أيام الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، بعد أن عرضت إسرائيل على ياسر عرفات الذي لا يمكن لزعيم فلسطيني قبوله وهو التنازل الفعلي عن السيادة على القدس الشرقية والمقدسات. كانت قوة رابين أنه رجل عسكري قوي يحظى بمكانة داخل الجيش وكذلك لدى الشعب الإسرائيلي، فانخرط متكئا على ذلك في مسار للسلام لم يكن مثاليا للفلسطينيين.. ورغم ذلك ماذا حدث له؟ حرض نتنياهو الذي كان مندوبا لبلاده في الأمم المتحدة على قتله علانية، حتى جرى اغتياله بالفعل، وخرّب باراك وشارون ــ وهما عسكريان مثله ــ الاتفاق ودمروا مؤسسات السلطة الفلسطينية التي يتساءلون: أين هي الآن بعد 25 عاما على تفكيكها ونسفها من الوجود. المشكلة ليست في نتنياهو أو أي رئيس حكومة إسرائيلي قادم، سواء جاء من اليمين أو اليسار. المشكلة في الجيش الإسرائيلي ذاته، لأنه الحاكم الفعلي الدائم لإسرائيل، الذي لا يؤمن بالسلام وعرقل كل محاولات الوصول إليه. فهل ظهوره المهلهل استخباراتيا وعملياتيا على مسرح غزة منذ السابع من أكتوبر الماضي قد يدفعه لتغيير عقيدته المناهضة للسلام؟ ربما.

حرب البحر الأحمر

كان الندم شديدا كما ذكّرنا الدكتور عبد المنعم سعيد في “الأهرام”، في نهاية ولاية الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، على أنه لم يستمر في وعده أثناء الانتخابات الرئاسية بأن يبقى بعيدا عن الشرق الأوسط، الذي استغرق وقتا من إدارة بيل كلينتون دون جدوى. لم يمض أقل من عام إلا وأمريكا متورطة في حربين ضروسين في أفغانستان والعراق، ومحاولة قلب نظم الحكم في المنطقة حتى تكون ديمقراطية! في العام الأخير من ولايته حاول إنقاذ المنطقة، من خلال مباحثات السلام لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ولكن ولايته انتهت قبل أن يحقق شيئا. إدارة أوباما بعد فترة من محاولات السلام، استقرت في فترته الثانية على الخروج إلى أرض الله الواسعة، في شرق آسيا والخلاص من الشرق الأوسط. ترامب في فترة واحدة وجد أن حل صراعات المنطقة يكون بإعطاء كل شيء لإسرائيل، من القدس إلى مرتفعات الجولان. بايدن جاء إلى البيت الأبيض وهو يقسم على الخروج إلى آسيا، فانسحب نهائيا من أفغانستان، وتقريبا من العراق، واكتفى بالكلام عن فلسطين. في الندوات الأكاديمية كان لي قول دائم أن الولايات المتحدة لا تستطيع الخلاص من الشرق الأوسط، لأنه حينئذ سوف يأتي وراءها. كان ذلك من المرات القليلة التي تصدق فيها نبوءة باحث، فما أن اشتعلت الحرب بغزوة 7 أكتوبر، حتى هرع بايدن شخصيا إلى إسرائيل، ومعه حاملتا طائرات وغواصة نووية وخمسة آلاف مقاتل من القوات البحرية الأمريكية مع معونة قدرها 14 مليار دولار لإسرائيل بالطبع. ولم يمض وقت طويل من حرب غزة الخامسة حتى امتدت الحرب في القريب إلى الحدود اللبنانية الإسرائيلية، بين حزب الله وإسرائيل؛ والآن أضيفت حرب البحر الأحمر التي أشعلها الحوثيون بصواريخ ومسيرات على السفن، حيث لا تميز ما بين الذاهبة إلى إسرائيل، أو الآتية إلى قناة السويس في طريقها إلى أوروبا وبقية العالم. الولايات المتحدة الآن في طريقها إلى تكوين قوة عالمية مسلحة لكي تدير الحرب في البحر الأحمر!

أمريكا تخدعنا

قبل أسابيع شغلتنا أمريكا بترويج أنباء تقول إنها طلبت من إسرائيل إنهاء الحرب في غضون ثلاثة أسابيع، أو قبل أعياد الميلاد وحلول العام الجديد، وإن إسرائيل ترفض طلبها ولا تريد الاستجابة لها، وكانت إسرائيل كما أوضح عبد القادر شهيب في “فيتو” قادرة على رفض طلب لأمريكا التي قدمت لها أطنانا من الأسلحة والمعدات العسكرية ومليارات من الدولارات مع الحماية السياسية في المنطقة الدولية.. ثم خرج علينا الأمريكيون ببدعة جديدة تسمى المرحلة الثالثة من الحرب، التي سوف تكون أقل شدة وبالتالي أقل ضحايا، وذلك بعد أن انتهت مهلة الأسابيع الثلاثة، التي قالوا إنهم منحوها للإسرائيليين لوقف الحرب وإنهائها! ما يتحدث الأمريكيون أنه موضع نقاش مع الإسرائيليين – منذ زيارة مستشار الأمن القومي الأمريكي لتل أبيب – يُبين أن أمريكا تلاعبنا نحن العرب، حتى يتمكن الإسرائيليون المضي في حربهم التي لا يريدون إنهاءها، لأنهم لم يحرزوا نجاحات واضحة سوى قتل 21 ألف فلسطيني، وتدمير أكثر من ثلثي مباني قطاع غزة، ولم تتمكن من تحرير أسير واحد لدى حماس وبقية الفصائل الفلسطينية.. فالأمريكيون يتعرضون لضغوط عربية وعالمية لوقف الحرب، وهم لا يرغبون في ذلك، لأن حليفتهم إسرائيل تريد استمرار هذه الحرب لنحو ثلاثة أشهر على الأقل، وبقاء قواتها في القطاع لعام أو عامين، ولذلك لم تجد أمامها سوى إطلاق الأخبار المتعمدة عن تحديد سقف زمني للحرب، وعندما تجاوز الزمن هذا السقف يتحدثون الآن عن المرحلة الثالثة للحرب الأقل حدة، أي الأقل ضحايا!

جهود أسطورية

تبذل الأطقم الطبية في قطاع غزة جهودا جبارة وأسطورية، ولا يعتقد أحمد رفعت في “الوطن” أنها بُذلت في أي مكان في أي حرب أخرى في العالم، حيث حصار يمنع دخول الأدوات الطبية، ولا يتوقف عند ذلك، بل يدمر البنى التحتية الصحية ذاتها من مستشفيات ومراكز طبية وعيادات عامة وخاصة، ويستهدف سيارات الإسعاف ثابتة ومتحركة، ويقتحمها ويحتجز ويعذب من فيها.. ولا نعتقد أن أطقما طبية وصل إليها في ثمانين يوما ما يتجاوز العشرين ألف شهيد وأكثر من سبعين ألف جريح بخلاف المرضى واللاجئين! ولا أن فرقا طبية قليلة العدد أصلا عملت تحت قصف جوي وبحري لا يتوقف، وغزو بري يعيق حركتها ويشلها ويهين أفرادها ويتدخل في أعمالها ويحاصرها، ويضعها تحت ضغوط غير مسبوقة ولا طبيعية. ولا يعتقد أن فرقا طبية تعيش كل ما سبق في ظل مساحة صغيرة جدا من الأرض، تحمل عليها أكبر كثافة سكانية في العالم.. وأخيرا لا نعتقد أن أطقما من هذا النوع عاشت في أعمالها الوظيفية الإنسانية وأسرها مهددة، تستقبل عناصرها أحيانا أفرادا من عائلاتها، حتى إن أطباء فوجئوا بأولادهم وأمهاتهم وأخواتهم من بين الضحايا! أمام كل ذلك.. ولكل الحيثيات السابقة، تستحق الفرق والأطقم الطبية أو الهلال الأحمر الفلسطيني أو الطبيب الفلسطيني، أيا كان المسمى، يستحقون تكريمهم أدبيا بجائزة نوبل، وهو أقل ما يمكن تقديمه لهم، وهو أقل بملايين المرات مما قدموه ويقدمونه، لكنه للتاريخ الذي عليه أن يسجل أنه كان هنا رجال ضحوا مع من ضحى.. ودفعوا الثمن غاليا مع من دفعه. من استشهد ومن فقد أهله ومن فقد بيته ومن حمل السلاح.. هناك أيضا من وقف حول كل هؤلاء يعالج ويسعف ويضمّد الجراح وبغير إمكانيات تُذكر وفي ظروف مزرية شديدة البؤس والصعوبة!

للأسباب التالية

جزء من هذا الطرح الذي قدمه أحمد رفعت بشأن المطالبة بمنح جائزة نوبل، يمثل انتصارا للقضية الفلسطينية يستحق دعم الجميع، خصوصا أنه سيلقى ممانعة من بعض الأطراف، لكن جوائز نوبل أصلا تكون في ديسمبر/كانون الأول من كل عام، ويبقى أمامنا عام كامل عليها، وبالتالي يجب أن يتم الترشيح ذاته لكل الجوائز الإنسانية والأخرى التي تتصل بالموضوع.. ويمكن للدول العربية والإسلامية والصديقة الحرة أن تدعم ذلك. هل حصلت مؤسسات أخرى على «نوبل للسلام» من قبل، أم ذهبت كلها لشخصيات عامة؟ المدهش أن في جائزة السلام تحديدا تكاد تكون المؤسسات التي حصلت عليها أكثر من الأفراد.. فمثلا في سنة 1904 حصل عليها معهد القانون الدولي في الولايات المتحدة المؤسس سنة 1873، وفي عام 1910 المكتب الدولي للسلام في برن في سويسرا أقدم معاهد السلام في العالم، حيث أُسس عام 1891، ثم اللجنة الدولية للصليب الأحمر ذات التخصص، الذي نطالب بمنحه الجائزة، ثم مكتب نانسين الدولي للاجئين المتخصص بالعنوان المذكور ومشكلاتهم بعد الحروب، أو الكوارث الطبيعية، وكان وقتها يتبع عصبة الأمم المتحدة، وكانت الجائزة عام 1938، ثم عادت الجائزة مرة أخرى عام 1944 للصليب الأحمر الدولي، وفي 1947 لجنة خدمات الأصدقاء الأمريكية التي تزعم السعي للعدالة والسلام، ثم المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عام 1954، ثم تُمنح مناصفة عام 1963 بين لجنتي الصليب الأحمر والهلال الأحمر الدوليتين! ثم صندوق الأمم المتحدة للطفولة «اليونسيف» عام 1965، ثم لمنظمة العمل الدولية عام 1969، ثم لمنظمة العفو الدولية عام 1977، ثم المفوضية الدولية لشؤون اللاجئين عام 1981، ثم رابطة الأطباء الدولية لمنع الحرب النووية عام 1985، ثم إلى قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة عام 1988، وصولا إلى منظمة «أطباء بلا حدود» عام 1999، ثم انتهاء – اختصارا – ببرنامج الغذاء العالمي عام 2020، وقد حصلت عليها الأمم المتحدة ذاتها في ولاية كوفي عنان! إذن السوابق كثيرة، ولا نعتقد أن أي هيئة مما ذكرناها قدمت للبشرية جهدا إنسانيا خرافيا في العالم كله كما فعل الطبيب الفلسطيني.

نسيناه للأسف

وكأن فصول تاريخنا الحالي على حد رأي عبد اللطيف المناوي في “المصري اليوم” قررت أن تكون فصولا منفصلة غير متصلة، يلغي كل منها الآخر، أو يلقي ستائر «النسيان» عليها، ولو بشكل جزئي. نحن الآن نتابع ونتحاور ونختلف حول الحرب في غزة، كلٌ منا يقول رأيه أو مقترحه للخروج من الأزمة، نوجه سهام النقد لمن نتصور أنه يتخاذل، ونحيي ونرفع صورة من يتضامن بالقول أو بالفعل إلى السماء. نقاطع المنتجات، ونمجد أو نذم أبوعبيدة. نبحث عن ملحن أغنية (تحيا فلسطين)، ونتحدث عن «البطيخة» الفلسطينية، وكيف صارت رمزا بديلا للعَلَم، ثم ننبش في ذكريات الماضي لاستخراج بعض أبطال فلسطين القدامى، لوضعهم كصور حسابات مواقع السوشيال ميديا، أو على جدران المنازل. نحن الآن لا نتذكر إلا فلسطين، وننسى شعبا عربيّا آخر يعاني من الحرب، وهو السودان، الذي اقترب فعلا من هاوية لا يعلم أحد مداها أو منتهاها. تراجعت أخباره في الصحف والمواقع، حتى صارت نشرات الأخبار تأتي وتذهب دون خبر واحد عنه، وكأنه الفصل الذي انفصل عن تاريخنا هذه الفترة. السودان المنسي يمر الآن بمرحلة في منتهى الخطورة، حيث احتلت قوات الدعم السريع مدينة «مدني»، وهذا يُعد نقطة تحول فارقة في الأزمة السودانية؛ لأنها تؤدي إلى مزيد من العمليات القتالية في محاولة من قوات الدعم السريع لاحتلال مزيد من المدن طالما سقطت «مدني» وهي مدينة كبرى بهذه السهولة، دون أي رد فعل عالمي أو عربي.

جرائم حرب في السودان أيضا

قوات الدعم السريع التي يتابع تحركاتها في الكثير من المدن والقرى السودانية عبد اللطيف المناوي استطاعت أن تشل- ولو جزئيا- مدنا واقعة في شرق وشمال السودان، ما قد يتيح لها احتلالها، وبالتالي يتحقق ما تحدث عنه قائد قوات الدعم السريع في إحدى تغريداته على منصة «إكس» منذ أيام، بقوله إنه يسعى لتكوين حكومة تأسيسية. هذا السيناريو الذي تحدث عنه قائد الدعم السريع يعني عمليّا تقسيم البلاد، وفق منطق القوة والسيطرة، لاسيما في ظل مواجهات مستمرة ومتجددة مع الجيش السوداني في كل مناطق السودان تقريبا، كذلك في غياب واضح للتغطية الخبرية أو حتى التضامنية. بالتأكيد نتحدث عن جرائم حرب تُرتكب ضد الأشقاء الفلسطينيين في غزة، دون حديث عن جرائم حرب أيضا تُرتكب ضد الأشقاء السودانيين، وقد وثقت الأمم المتحدة العديد من تلك الجرائم، وتزايد الحديث على الساحة عن جرائم اغتصاب النساء كإحدى الصور الوقحة للحرب هناك، وللأسف أيضا في غفلة عن العالم. ما يحدث في السودان حاليّا يجعل من السهولة إمكانية انفجار الأحوال بصورة كاملة لتصبح هناك ولايات خارج سيطرة الدعم السريع أو الجيش السوداني، وهنا يبدأ سيناريو تجزئة السودان، وما يستتبعه من انتشار للإرهاب والأمراض والفقر، ليذهب البلد الذي كان يُسمى «سلة غذاء العالم» إلى مصير لا يعلم به إلا الله وحده، وأيضا في غفلة منا جميعا، فتذكروه ولا تنسوه.
قمح أم بصل؟

كان الله في عون المزارع المصري، فقد وقع كما أفادنا طارق يوسف في “الوفد”، بين مطرقة وزارة الزراعة وسندان تجار الجملة والسماسرة، فقد عاش طوال عمره يبحث عن الربح فلا يجد إلا الفتات، وكان لا يبالي قديما بقلة الربح أو انعدامه، لأن الأعباء والأسعار والمسؤوليات كانت أقل من الوقت الحالي. فكان قديما يزوج أبناءه في عدة (مطارح) مفردها (مطرح) وهو ما نطلق عليه هذه الأيام غرف مفردها غرفة، وكانت عملية البناء لا تتوقف إلا بقرار منه، فالأرض أمامه يبني كيف يشاء، والآن قانون البناء منعه من البناء في أرضه الزراعية، وعابه أن يبحث عن شقق للإيجار لأبنائه، الذي فشل في البحث لهم عن فرصة عمل أو تزويجهم، والآن وزارة الزراعة تطلق له العنان ليختار بين محصولين كلاهما مهم، ولا يستطيع الاستغناء عنهما، فالقمح والبصل يزرعان في آن واحد تقريبا، أو هناك فارق شهر واحد بينهما، والقمح محصول استراتيجي له وللدولة بأكملها، ويجب عدم التفريط في زراعته وتركه لاختيار المزارع، في ظل الاضطرابات القائمة في منطقة باب المندب، وإحجام السفن عن نقل البضائع، ورفع قيمة النقل والتأمين إلى أرقام خيالية، والبصل أحوج الجميع الغني والفقير هذا الموسم، وليس الفلاح فقط بعد أن ارتفعت أسعاره إلى 40 جنيها للكيلو الواحد، ورغم مرارة الأسعار إلا أن الشعب المصري لا يتوقف عن إطلاق النكات بعد ارتفاع أسعار البصل والسكر في آن واحد، فضحكت كثيرا عندما قال أحدهم لو تعرض أحد لإغمائة فسيبخل عليه المحيطون بفحل بصل، ولو تعرض لهبوط في الدورة الدموية فسوف يتردد من حوله في إعطائه ملعقة سكر، ولو تعرض للاثنين معا فلا مناص من استنشاق ورقة بمئة جنيه.

المهم والأهم

دعا طارق يوسف لضرورة التفريق بين ما هو مهم وما هو الأهم، فالبصل شغل الرأي العام طوال الشهور الماضية، لأنه لا يستغنى عنه في أي منزل، ولا بد أن تجد له وجودا في أي طعام يتم إعداده، والقمح لا يختلف عليه اثنان من حيث أهميته الاستراتيجية، ونقصه يعرض الأمن القومي للخطر، خصوصا إذا كان الوضع في المنطقة بهذه الخطورة، ولا ننسى تبعات الحرب الروسية الأوكرانية منذ عامين على شحن محصول القمح إلى أراضينا، فما بالنا والأزمة قد انتقلت إلى قاب قوسين أو أدنى من قناة السويس. والسؤال الذي يجب أن يوجه لوزير الزراعة السيد القصير: ماذا إذا بحث الجميع عن أرباح البصل وتركوا زراعة القمح؟ ماذا لو اتسعت الفجوة بين الإنتاج المحلي والكميات المستوردة من القمح في ظل هذه الظروف الاستثنائية التي تشهدها المنطقة؟ هل اتخذت الوزارة التدابير اللازمة للحفاظ على الرقعة الزراعية الخاصة بالقمح؟ أم انها تركت الأمر لحرية المزارعين في اتخاذ القرار المناسب لهم من حيث زراعة البرسيم على حساب القمح بسبب ارتفاع أسعار الأعلاف؟ طرح هذا الموضوع ليس من باب تسويد الأوراق، أو سد الفراغات في صفحات الجرائد، بقدر ما هو قلق وخوف وترقب لأي ردود أفعال تنتج عن التقصير في رسم السياسات الزراعية لدولة اقترب عدد سكانها من 110 ملايين نسمة، ولا مناص من وجهة نظر الكثيرين من عودة الدورة الزراعية كما كانت من قبل والله أعلم.

العيب فينا

حاولت الحكومة أن تفرض رقابة للحد من ظاهرة ارتفاع الأسعار والضرب بيد من حديد على جشع التجار، لكنهم كما قال صبري غنيم في “الأخبار” استمروا، وكأن التجار الجشعين اجتمعوا على قلب رجل واحد وجعلوا البيت المصري هدفا لهم، فأصبحت ربة البيت تشكو من ارتفاع أسعار البصل والبطاطس والأرز، مع أن الحكومة حاولت أن تحل هذه المشكلة فغمرت المجمعات الاستهلاكية بهذه السلع، وأصبح المواطن يستطيع أن يحصل على أي كمية منها وبأسعارها الأصلية. المقترح تشكيل لجان شعبية تشترك فيها ربة البيت المصري، وتكون هذه اللجان بمثابة لجان رقابية لمتابعة الأسعار في السوق المصرية وتقديم كل من يستغل الفرصة في رفع الأسعار إلى محافظ الإقليم، وعلى المحافظ أن يكشر عن أنيابه، إما بغلق المحل كنوع من أنواع العقاب وتكون عملية الغلق عبرة لكل المخالفين، فالضرب بيد من حديد على أيدي المخالفين أصبح مطلوبا. غير معقول أن نحمل الدولة فوق طاقتها فالدولة تقوم بتوفير العملة الصعبة لتوفير هذه السلع، خاصة لو كانت مستوردة من الخارج ونحن نعلم أن الدولة تشترى السلع المحلية من المنتجين بأسعار عالية جدا، وتضخها في المجمعات الاستهلاكية بأقل من قيمتها، فالدولة تتحمل العبء الأكبر، معنى الكلام أن العيب فينا وليس في الحكومة. يتذكر الكاتب تجربة سيدات المعادى عندما اجتمعن وأضربن عن شراء اللحوم فأصبحت محلات الجزارة خالية من الزبائن، وراح الجزارون يستغيثون بالأهالي ويعرضون اللحوم عليهم بأقل من أسعارها، مقاطعة اللحوم أثمرت عن طرق حضارية في عقاب الاستغلال لو تكررت هذه التجربة في عدد من المحافظات لاختفى صداع الشكاوى.

صلاح يسجل هدفا حاسما

قال محمد صلاح عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي إلى جوار صورة لشجرة عيد الميلاد: «عيد الميلاد الفترة التي تجتمع فيها العائلات للاحتفال، مع استمرار الحرب الوحشية، خاصة الموت والدمار في غزة. نحتفل هذا العام بعيد الميلاد بقلوب مثقلة للغاية، ونشارك آلام هذه العائلات التي تشعر بالحزن على فقدان أحبائها. من فضلكم لا تنسوهم ولا تعتادوا معاناتهم. عيد ميلاد مجيد». صلاح كما أوضح حمدي رزق في “المصري اليوم” خلصها في شباك جماعة «ع القدس رايحين شهداء بالملايين»، سجل هدفا حاسما، فاز على الكابتن رياض محرز بالقاضية ممكن، محرز ابتدر صلاح العتاب بشأن غزة في عيد الميلاد، وغرّد تضامنا مع الأحباء، وغمز في جنب صلاح بتمريرة خبيثة، أقصد تغريدة صفراء فاقعٌ لونها، وأشعل مواقع التواصل الاجتماعي نارا موقدة كادت تحرق صورة صلاح في عيون كارهيه، ردها صلاح بيسراه ملعوبة في المقص الشمال، يشبه هدفه الخيالي في مرمى فريق أرسنال. مفهوم ومعلوم الهجوم المتكرر على صلاح، وراه جماعة الإخوان والتابعون، صلاح بشعره الكنيش وحبه للحياة دمُّه ثقيل على قلب المتأسلمين، ليس مهضوما في استديوهات تحليل النوايا. سجّلها صلاح، وغرّد تضامنا مع غزة، يا رب نهدى شوية ونرتاح في يوم يا قلبي من العذاب. كابتن مصر محمد صلاح طالب العالم في غمرة احتفالاته بأعياد الميلاد بعدم نسيان معاناة ضحايا الحرب والدمار في غزة، هل ينال صلاح رضاكم؟ أشك.. صلاح عادة لا يرد، ويتعالى على الصغائر، ويلتمس الأعذار، ولا يدخل مطلقا في ملاسنات سخيفة. صلاح يرد في الملعب، ملعبه يحوز العلامة الكاملة امتيازا، أبو مكة «رقم صعب»، ليس في ليفربول ولا في الدورى الإنكليزي، بل عالميّا من العشرة الكبار. أنا شخصيا محب لصلاح، ومثلي كثير بالملايين من حول العالم.. ولن أذهب مذهبكم في تقييم صلاح، ولن أثبت ما تشاهدونه بأعينكم من سحر كروي خالص، وتطالعونه من تقدير مستحق من قامات كروية عالمية، صلاح موهبة مصرية استثنائية. دعونا نحب صلاح على طريقتنا المصرية بحفاوة عربية خالصة، قولٌ طيب خيرٌ من تغريدة يتبعها أذى، بلاها تحبيط وتثبيط وتسفيه قدرات، عيب ميصحش، إن لم تكن لنا فلا تكن علينا.

وهم التطوير

حالة من الاستياء انتابت نجوى عبد العزيز في “الوفد”، عندما همت بإعداد كشف حصاد وزارة التربية والتعليم خلال عام 2023، إذ لم تجد حدثا بارزا يكشف عن إنجاز جديد في ملف يمس أكثر من 25 مليون طالب وأسرهم. لا جديد يذكر يمكن أن نعدّه حدثا بارزا في عام 2023 يخص تطوير العملية التعليمية، بعد اشتعاله طوال السنوات الماضية بقرارات شجاعة، تصنع ثورة حقيقية في التعليم المصري، سواء اختلفنا أو اتفقنا معها، إلا أنه كان ملفا ساخنا تتناوله جميع البيوت المصرية، وتشارك فيه. لقد تجمد ملف تطوير التعليم في عهد الدكتور رضا حجازي وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، بعد أن أدخله الثلاجة منذ توليه الحقيبة، وظلت آثار خطة التطوير التي بدأها الدكتور طارق شوقي تقاوم للبقاء على قيد الحياة، فاستمر قطار نظام التعليم الجديد في خط السير المرسوم له مسبقا، واستمر وضع المناهج الجديدة مع تغيير الأيديولوجيا التي قد تحدث خللا في الترابط المعرفي، واستمر خط سير المدارس الجديدة مثل: المدارس المصرية اليابانية، والتكنولوجيا التطبيقية في التعليم الفني. أما إدخال التكنولوجيا في التعليم، خاصة مرحلة التعليم الثانوي فقد أصابه حالة من الإهمال الواضح، لم يعد الاهتمام بالتابلت المدرسي كما كان، وتوقف تحديث المنصات التعليمية الإلكترونية وإن كانت تدخل في تصريحات مستمرة يرددها وزير التربية والتعليم الحالي دائما، لكن الوضع يختلف تماما على أرض الواقع.

قطار التعليم

مشاعر أولياء الأمور التي كانت تتفاعل دائما مع كل قرار أو تصريح يتحدث عن تطوير العملية التعليمية تجمدت هي الأخرى، وتوغل اليأس والإحباط داخل نفوسهم، وكأنهم كما قالت نجوى عبد العزيز استشعروا عدم الجدوى من أي شيء، فآثروا الصمت العاجز قليل الحيلة. مع بداية عام جديد 2024، نتمنى أن يخرج ملف تطوير التعليم قبل الجامعي من مرقده في الثلاجة، وتعود له شرارته الأولى ليدق جميع البيوت مرة أخرى، ونتناقش حول المشكلات بشكل واقعي من جديد، لنشرع في وضع آليات العلاج؛ لأنه من دون الاعتراف بالخلل الواقع في المنظومة سنظل ندفن رؤوسنا في الرمال ليدهسنا الجميع. نتمنى إحداث تطوير جذري وحقيقي في التعليم حتى ننشئ أجيالا قادرة على التفكير العلمي، وحل المشكلات، وخلق أفكار جديدة خارج الصندوق، تتواكب مع بناء الجمهورية الجديدة وفلسفة بناء الإنسان. نأمل أن يستفيق القائمون على التعليم قبل الجامعي قبل فوات الأوان، ويعترفون بمشكلات طلاب المدارس الحقيقية، ويتسلحون بشجاعة المواجهة ويضعون خطة تنفيذ واستراتيجية متابعة، ولا نكتفي بمجرد كلمات معسولة ومسكنات موضعية لنعطي شعورا وهميا بالإنجاز. فالحقيقة أن أغلب مشكلات التعليم في تفاقم مستمر، مثل: الكثافة الطلابية، وعجز عدد المعلمين، وعزوف الطلاب عن المدارس، والشرح التقليدي، وتلقين المناهج، والغش التقليدي والإلكتروني، والدروس الخصوصية، والامتحانات النمطية، وطرق التقويم التي لا تقيس المهارات الحقيقية. إن أشد ما أخشاه أن يعود قطار تطوير التعليم إلى الخلف تدريجيا، حتى نستيقظ ذات صباح نجد أنفسنا انخرطنا في أجيال نمطية متشابهة، تخشى التغيير وتهاب المواجهة، ونصبح مجتمعا هشا لا يملك شجاعة الإبداع.. فالعلم هو أقوى سلاح تتحصن به الأمم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية