عمان- “القدس العربي”:
بدت الأجواء كرنفالية واحتفالية في أول يوم أعيد فيه تشغيل معبر نصيب الحدودي بين الأردن وسوريا. وكان أول العابرين، صباح أمس الاثنين، مواطن سوري احتفى أمام عدسات المصورين بختم بلاده على جواز سفره عائدًا إلى بلده. عبرت أيضًا أول شحنة خضار من الجانب الآخر.
والحماسة المفرطة شارك فيها محمد داود، نقيب أصحاب الشاحنات الأردنية، وهو يعلن بأن خمسة آلاف شاحنة بانتظار المستوردات من البلد الجار والشقيق، مؤكدًا بأن سعر المستوردات سينخفض إلى النصف. وعمليًا انتهت أزمة معبر نصيب العالقة بين البلدين منذ نحو ثلاث سنوات، لكن السؤال بقي عالقًا في الأفق السياسي: ما الذي حصل فجأة بعدما تعثرت مفاوضات إعادة فتح وتشغيل المعبر مرات عدة؟
هناك ما يوحي بأن تحفظات الجانب الأردني الأمنية اختفت بصورة مباغتة عن رادار العلاقة الحساسة بين البلدين. وثمة ما يشير الى أن الحكومة السورية أزالت بعض التحفظات وخففت من تشددها في كل ملف الحدود مع الأردن، وبرعاية مباشرة من الظل الروسي، حيث كان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على الخط الثاني لهاتف غرفة التنسيق الأردنية يعالج بعض الحساسيات ويظهر اهتمامًا كبيرًا بتشغيل أحد أكبر المعابر الحدودية الأردنية الذي كان دومًا عنوانًا للعلاقة السياسية والشعبية والتجارية بين الشعبين.
اهتم بفتح المعبر أيضًا وزير خارجية لبنان، باسيل جبران، عندما زار عمان واستفسر علنًا أمام الصحافيين من نظيره الأردني أيمن الصفدي عن الوقت الذي يستطيع فيه التفاح اللبناني العودة لمحبيه من الأردنيين. تلك كانت دعابة ورسالة سياسية أيضًا. لكنها لا تفسر التحول الدراماتيكي المفاجئ الذي انتهى بتصريح أردني- هذه المرة صدر مساء الأحد الماضي- يعلن عن الافتتاح الرسمي للمعبر صباح اليوم التالي وعلى لسان الناطق باسم الحكومة الوزيرة جمانة غنيمات.
الوزيرة غنيمات تحدثت إلى “القدس العربي” عن تعقيدات متنوعة في الإقليم وعن اهتمام بلادها بمصلحة الشعبين الأردني والسوري. وفجأة تتبدل بعض المعطيات فتغيب بعض التصريحات المؤشرة إلى استمرار الإشكال من الوزير أيمن الصفدي، وتصبح بيانات الحكومة الأردنية ناعمة أكثر تجاه الشقيق السوري وفي المسار المتعلق بالحرص على عودة رموز الدولة السورية إلى الحدود كما كان يقول وزير الإعلام الأردني الأسبق محمد المومني وعدة مرات لـ”القدس العربي” .
عودة رموز الدولة السورية إلى مظاهر الحدود هي العبارة البديلة اليوم في الواجهة عن دعم الأردن لحوارات لها علاقة بالمعارضة السورية، تتحدث عن عملية سياسية تعيد الاستقرار الشامل. سأل مسؤول رفيع المستوى مؤخرًا أحد المبعوثين الأردنيين سرًا: تحدثوا لنا بصراحة. هل أنتم مهتمون بأمن الحدود معكم أم بما يسميه وزير خارجيتكم بالاستقرار الشامل في سوريا؟
كان ذلك سؤالًا أمنيًا بامتياز ينطوي على رسالة تحاول لفت نظر الجانب الأردني إلى أن عليه الاهتمام بالجزء المتعلق بمصالحه حصريًا مع سوريا بعد الحسم العسكري في الجنوب، وبتحديد أكثر إن عليه الاهتمام بعملية سياسية للاستقرار الشامل في الداخل السوري. لفتة تتحدث عن ضرورة وقف النشاط الدبلوماسي الأردني تحت عنوان توحيد المعارضة، بمعنى التدخل في الشأن الداخلي السوري. بكل حال، ما أظهره التشغيل الكرنفالي لمعبر نصيب بعد أسابيع من الخذلان والتأخير هو أن الأردن أسقط حساباته المتعلقة بشعار “التطبيع الاقتصادي وفتح المعبر أولاً” مقابل دمشق التي تنازلت فيما يبدو عن شعارها المتحدث عن “علاقة سياسية وأمنية شاملة قبل فتح المعبر”.
وعليه، يمكن الاستنتاج ببساطة بأن المظلة الروسية -التي ترعى منذ أغلقت غرفة الموك الأمريكية في عمان الاتصالات الأردنية السورية – تحركت وبقوة لتقريب وجهات النظر، وضغطت على العاصمتين بحيث يعاد إنتاج الخلاف بينهما، بمعنى أن يصبح افتتاح معبر نصيب العملاق والمهم والاستراتيجي لحركة الأشخاص والشاحنات خطوة في بداية طريق استعادة الثقة، رغم أنها طريق لا تزال وعرة وتحتاج إلى مزيد من الوقت. ولاحظ الأردنيون مبكرًا أن رئيس النظام السوري بشار الأسد لا يذكر اسم بلادهم عندما يتهم بعض الدول العربية بالتآمر على سوريا، لكنه يشير وقد أشار ثلاث مرات على الأقل إلى الخذلان الذي يشعر به من بعض الدول المجاورة. كانت تلك من بين الرسائل الناعمة التي تكرست باختفاء تلك التصريحات التحريضية على الأردن من قبل بعض أركان النظام السوري، مثل عضو مجلس الشعب أحمد شلاش، والسفير السوري الأسبق في عمان بهجت سليمان، وغيرهما.
في المحصلة، يمكن القول اليوم إن الحياة التي تعود بالتدريج وسط إفراط في الحماسة للطريق الدولي الشهير بين عمان ودمشق بعد فحصها أمنيًا حتى من قبل وفد أردني .. هي خطوة أنجزت تمامًا بترتيب من غرفة التنسيق الروسية. وهي أيضا خطوة تؤشر إلى وجود أجندة سرية لم يعلن عنها، ولها علاقة بخارطة طريق تمهد لاستعادة العلاقات، وإن كان ببطء شديد مستقبلًا، خصوصًا أن إعادة فتح معبر نصيب بقرار أردني هذه المرة يؤشر إلى تجاوز عمان لبعض الحساسيات الأمنية تحديدًا، لا بل حصولها على بعض الضمانات من الجانب السوري . باختصار طويت صفحة الخلاف على معبر نصيب، لكن جذور الاختلافات المتعددة لا تزال باقية، ومن المرجح أن الروسي يتكفل ببقيته.