د. عبدالوهاب الافندي
(1)مرة أخري شهدنا توقيع اتفاقية سلام سودانية (في بلد أجنبي بالطبع)، وسجلت الكاميرات الحدث التاريخي، وتم تكرار نفس البنود المملة عن اقتسام السلطة والثروة والعدل ورد الحقوق إلي أهلها. ثم ابتهج بالانجاز من ابتهج واستاء من استاء.(2)هاهنا عبقرية سودانية في حل مشاكل ما كان ينبغي أن توجد أصلاً، وذلك بحل يمهد لمشاكل أكثر. الحل غالباً ما يكون بتزاحم الفرقاء علي المناصب والمغانم، وذلك بدون مؤهلات سوي المشاركة في الإثم والعدوان، وتدمير مقدرات البلاد، والولوغ في العمالة للأجنبي.(3)الذي يجمع بين أعضاء ما يسمي بحكومة الوحدة الوطنية في السودان هو أنه ليس من بينهم إلا من هو ملوث الأيدي بدماء الأبرياء وأعراضهم أو المال الحرام. فأقل التقديرات تضع من قتل في الحروب من السودانيين في العقدين الماضيين، أو تعرض للتهجير أو ضياع ماله وانتهاك حقوقه بالملايين. وإذا أرادت الشرطة يوماً أن تبحث عن المسؤولين عن هذه الجرائر، فيكفيها أن تغشي الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء.(4)لعالم الاجتماع والمؤرخ الأمريكي المرموق شارلز تيلي نظرية عن نشأة الدولة في أوروبا الغربية، مفادها أن الدولة نشأت دائماً في هيئة عصابة ابتزاز أو عصبة فتوات ولا تزال تحمل آثار هذه النشأة. فالدولة هي مصدر معظم الأخطار التي تدعي أنها قامت للحماية منها (مثل الظلم والحروب)، تماماً كما أن الفتوة يعرض الحماية علي ضحاياه من سطوته مقابل جعل معلوم. هذه النظرية تنطبق إلي حد كبير علي الدولة العربية والافريقية المعاصرة، سوي أن عصابات النهب هناك لم تتحول إلي دولة بعد. أما في السودان فإنها تجد تطبيقاً بالمقلوب، لأن الدولة هنا تحولت إلي تحالف عصابات نهب مسلح، وليس العكس، حيث أصبح المؤهل الأول، إن لم يكن الوحيد، لدخول الحكومة أن تكون زعيم عصابة مسلحة.(5)هذه الحالة المأساوية تحولت إلي مشهد كوميدي في الأسبوع الماضي حين هدد أحد لوردات الحرب ممن تقلب في ولاءاته كل متقلب بإشعال الحرب في الجنوب من جديد إذا لم تستجب مطالبه بضم أنصاره إلي الجيش بالرتب التي يري أنهم يستحقونها. وليس لخصومه أي حجة في رفض طلباته لأن مبدأ الابتزاز الذي استعصم به هو نفس المبدأ الذي دخلوا السلطة من بابه.(6)لا يعني هذا بحال أن ما يتحدث عنه من حملوا السلاح من مظالم لا يعبر عن واقع ماثل. الإقليم الشرقي يعتبر بحق واحد من أكثر الأقاليم تخلفاً. وقد زرت ذلك الإقليم وطفت ببعض مناطقه فشهدت العجب العجاب، وما سمعت كان أكبر. ولكن الزعم الرائج بأن المسؤول عن تخلف هذا الإقليم أو ذاك هو مؤامرة من عصبة معينة من أهل شمال ووسط البلاد هو خبال لا أساس له من الصحة، لأن النخبة المزعومة أعجز من تتآمر علي شيء، ولو تآمرت فإنها عاجزة عن التنفيذ. (7)المسؤول عن التخلف في معظم مناطق البلاد هو سوء الإدارة وقصر النظر والعجز السياسي عند النخب التي حكمت. وفي الجنوب تحديداً فإن المسؤول المباشر هو الحرب التي شنتها النخبة في الجنوب قبل استقلال البلاد، ثم الفساد والتخبط والاستقطاب القبلي الذي دمر الحكم الذاتي بعد اتفاقية أديس أبابا، ولا يزال ينخر في الجسم السياسي للجنوب.(8)الحل لمشاكل البلاد إذن يكون بإقامة الحكم الراشد الشفاف الذي يراعي المصلحة المشتركة للجميع، ويستخدم الأكفأ في مواقع القرار، ويستجيب لرأي الشعب. ولكن تولية أمر البلاد لتحالف من عصابات القتل والتخريب لا يكون، بأي حال من الأحوال، هو الطريق الأقصر إلي مثل هذه الغاية.