اقتصاد السوق والتربية والتعليم

حجم الخط
0

اقتصاد السوق والتربية والتعليم

د. علي محمد فخرواقتصاد السوق والتربية والتعليمملف التربية والتعليم في مجتمعات مجلس التعاون يحتاج أن تعاد قراءته مراراً وتكراراً بسبب تأثره بالتغيرات الهائلة السريعة والارتباكات المقلقة التي تنتج عن الزيادة الخيالية في ثروة عائدات البترول الخليجية. فعندما تكون القيادات المتخذة للقرارات الكبري في هذا الحقل غير واعية لأهمية الترابط بين متطلبات هذا العصر وحاجات التحديث التنموي الحقيقي من جهة، وبين ضرورة ممارسة حساسية فكرية ناضجة ومتزنة تجاه تاريخ وهوية وثقافة الأمة من جهة أخري تنقلب الثروة مـن نعمة إلي نقمة ـ دعنا نمعن النظر في الممارستين التاليتين:أولاً: منذ الهبوط المرعب لأسعار البترول في أواخر التسعينات من القرن الماضي أصاب الهلع حكومات مجلس التعاون التي بدأت تخاف من أن يأتي اليوم الذي لا تستطيع فيه أن تقوم بالتزامات الدولة الريعية الأبوية. فكانت الاستجابة الأولي لذلك الهلع تخفيض الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الدولة للمواطنين، وعلي رأسها خدمات التربية والتعليم، وهو توجُّه ينسجم مع منطق العولمة الذي ينادي بتخصيص كل خدمات الدولة وتخلٍّي الدولة عـن مسؤولياتها خصوصاً تـجاه الضعفاء والمهمشين. وبدأت المدارس الخاصة تتوالد كما يتوالد الفطر، يحركها قانون اقتصاد السوق الشهير المتعلق بالعرض والطلب. ومع هذه المسيرة بدأت غربة اللغة والثقافة والعقيدة.إن الصورة البائسة لأغلب خريجي المدارس الخاصة، الضًّليعين في اللغات الأجنبية والعلوم الطبيعية والمعلوماتية ولكن الضَّعيفين في لغتهم الأم إلي حد الرطانة المضحكة، الفاقدين لذاكرتهم التاريخية ولهويتهم القومية، الجاهلين بأسس أهم محرٍّك في مجتمعاتهم وهو الدين الإسلامي، المبهورين بمنطق وممارسات حضارة الغرب حتي العمي، المعجبين بالممارسات الوحشية الظالمة لرأسمالية العولمة.. هذه الصورة البائسة موجودة في كل مجتمعات مجلس التعاون. وهي صورة مرشُّحة لتصبح مأساة تراجيدية يوم يصل هؤلاء إلي مراكز القرار والقيادة في المستقبل القريب.ثانيا: يزيد من بؤس تلك الصورة ما يجري في حقل التعليم العالي. فالمهمة الأساسية للتعليم العالي في كل المجتمعات هو تخريج العناصر المؤهلة في كل حقول المعرفة والمساهمة في إجراء البحوث لإغناء الحياة المادية والمعنوية للإنسان. لكن كيف سيتُّم ذلك إذا سلٍّم حقل التعليم العالي إلي القطاع الخاص، وعلي الأخص القطاع الخاص الأجنبي. ذلك أن الجامعة الأجنبية وهي تزحف كالسيل المنهمر علي المنطقة تحت كفالة التجار والمستثمرين من أصحاب رؤوس الأموال، ستكتفي بالاستجابة لقانون العرض والطلب. فإذا كان الطلب هو لبرامج الطب وإدارة الأعمال والكمبيوتر فإنها ستقدمها حتي ولو امتلأت الأسواق بالعاطلين عن العمل في تلك الحقول. أما اقتحام حقول المعرفة الجديدة والتفكير في حاجات مجتمعات الخليج المستقبلية فان تلك الجامعات لن تستثمر فيها خصوصاً إذا كانت مخاطر الخسارة كبيرة. إن التعليم العالي الحكومي هو وحده القادر علي أن يبدأ برامج جديدة باسم حاجات المستقبل دون أن يفكر في الربح والخسارة المالية كما تفعل الجامعات الخاصة. وينطبق الأمر نفسه علي موضوع البحوث . فالجامعات الخاصة، وعـلي الأخص الأجنبية منها، لن تصرف الأموال الطائلة علي حقول ليس لها مردود اقتصادي مباشر. وبمعني آخر فان أهم مهمتين للتعليم العالي، مهمة تخطيط وتنفيذ تأهيل القوي المطلوبة للمستقبل ومهمة القيام ببحوث لإغناء حياة المجتمعات، لن تقوم بها جامعات يعتبرها أصحابها وسائل ربح لاتختلف عن المجمًّعات التجارية أو مصانع البطاطا أو مطاعم الوجبات السريعة. فما الفرق هنا بين أن يرتبط الكفيل بجامعة هارفرد أو بشركة مطاعم مكدونالد؟ إن كلا الارتباطين له نفس الهدف: زيادة أرباح المستثمر.إن توفر سيولة مالية كبيرة في الخليج ستجعل أصحابها يتوجهون إلي أي حقل مربح. وهم لا يلامون في ذلك. لكن اللوم يقع علي قيادات دول الخليج النائمة التي يجب أن تدرك بأن تطبيق قوانين اقتصاد السوق في حقل التربية والتعليم سيأتي بكوارث وأهوال ما لم تتحل تلك القيادات بفهم عميق لمتطلبات العصر والحداثة وبحساسية شديدة تجاه هوية الأمة.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية