عمر فيصلتمتاز اللقطة التي يختارها الفنان جعفر عاقيل بكونها لقطة مؤدية الى فعل ما، ففي معرضه الفوتوغرافي الذي اقيم برواق محمد الفاسي، بوزارة الثقافة بالرباط، تحت عنوان ‘اقتفاء الأثر’. ينقلنا إلى هذه الحقيقة، ويجعلنا نفكر بفعل ما ازاء ما رأينا، فالمعرض تميز بفنية عالية اجهز فيه الفنان بصوره المبدعة على انتباه الرائي باظهار قدم او قدمين او حتى ظلال اقدام لشخص ما او لاشخاص عديدين، هذه اللقطات المؤدية تشل التفكير لحظة، وتجعل الرائي يظن ان الفنان يسخر من كل شيء، فهو بتصوير اسفل ما في الانسان قدمه انما يعني اسوأ ما في الحياة: التراب ، اسفلت الشوارع الذي يداس بالاقدام، حيث لا تظهر سماء ابدا في صوره الا فيما ندر، حتى النساء الجميلات لا يظهر منهن إلا الاقدام أو تجد صورة للصورة في قمم صوره الفوتوغرافية لاشباح اعلانات تظهر فيها نساء شبه عاريات. الوقوع في فخ المصور الفنان الفوتوغرافي عاقيل يكون سريعا لاي مشاهد لصوره، فالمشاهد العادي يرفضها فورا بعد وقوع نظره على موضوع القدم الاثير لدى الفنان، وسبب ذلك الرفض الغريزي كون حياة الناس غدت سطحية، وهامشية وجزءا من الحياة الاستهلاكية المستشرية في كل مفردات الحياة، فالمواطن العادي تقلصت اهتماماته بما يثير بصره من صور واقعية لاشخاص أو لتماثيل أو لاشجار أو زهور أو بنايات، فهي جزء لا يتجزأ من حياته اليومية الاستهلاكية التي تتلخص: بالعمل لكسب المال والطعام والملبس والفتاة العابرة، اما هذا الطرح الفلسفي العميق الذي يتناوله الفنان عاقيل من خلال رؤيته للقدم، كمشهد بانورامي لعذابات حياتنا باكملها، فهذا اكثر بكثير من توقعاته ويفوق حتى خياله. فمن صور الفنان الملفتة للنظر في هذا المعرض، صورة يظهر فيها ظل قدمي الفنان الفوتوغرافي على درج يغور الى الاسفل، وبالتالي فظل القدمين تتقطعان على الدرج لتنتجا سلما خشبيا ممدودا الى الاسفل، وكل هذا الجهد جاء من الفوتوغرافي لتصوير قدمين، لعابرة سبيل تحت الدرج، هذه الثنائية تعطي وحدة فلسفية للحقيقة وظلها وظل الظل، انه بحث الفنان عن لا نهائية الحياة ولا نهائية تكررالصور اثناء وجود انسان متحرك وهي من باب اخر فلسفة عدمية، تشير كما ازعم الى اللاجدوى، فيما نقوم به من افعال، وما نسعى اليه كل يوم في حياتنا العادية من أشباع غرائز لا أكثر. صوره بعد أخرى تتراوح بين هذا المعنى الفلسفي، ومعنى اخر صوفي عن اتصال الروح بالجسد اذ يعتقد الكثير من الصوفيين كأبي الحيان التوحيدي وابن الفارض وابن عربي وغيرهم باتصال الروح بالجسد كاتصال الظل بالجسد، فلكل جسد ظل، كما ان لكل شيء محسوس وحي روح لا يعرف احد اسرارها غير خالقها رب العالمين تعالى. وليس كل عوالم الفنان جعفر عاقيل مرتبطة بهذه النغمة الفلسفية بل تجاوز كل ذلك بروح الفنان من خلال لقطات معبرة عن عذابات الناس، وهمومهم اليومية، فنرى صورا لأقدام متظاهرين يطالبون بالحرية، واقدام جنود معبأة بالامها في احذية جندية طويلة سوداء تنم عن قسوة وشعورعارم بالتأخي مع المتظاهرين من خلال تقاسم ألم منع التظاهر او الحد منه، فالمصوريخلق لنا بعدسته الذكية هذا التأخي في العذاب المشترك بين المتظاهرين، ومن يمنعهم من التظاهرمن الجنود، باختلاف الموقعين واختلاف الهدفين، وبقاء الألم يوحد الطرفين، فإنه يخبرنا عن وحدة العذاب الانساني في المجتمعات التي لم تستقر بعد على قيم انسانية وحياتية مشتركة، تتيح السعادة والامان والحرية للجميع. ومن الملفت للنظر حقا ان نجد احدى صوره الفوتوغرافية التي تظهر لنا قدمين، ويمتلئ معظم فضاء الصورة بزجاج صلب يستخدم عادة فوق الارض العادية لينقل الضوء لسراديب تحت الارض تكون في العادة لبنوك او لورش خياطة يكدح فيها عشرات الموظفين والعمال والعاملات، والمعنى هنا الذي اختاره الفنان المبدع واضح جدا، كونه يخبرنا عن الحياة غير المرئية تحت الارض، والتي تصنع يوميات حياة الفقراء وايضا الاموال المتراكمة للشركات. ومن الصورالمميزة للفنان جعفر عاقيل صورة تظهر فيها قدمان لرجل خلف زجاج متشظ وهو ايحاء بصري عميق عن الحالة النفسية للمصور، ولصاحب القدمين، وفي علم النفس الذي يحلل الزجاج المتشظي بالنفسية الشيزوفرنية، كما لدى فرويد وأدلر والكسيس كاريل، وغيرهم فهي الدالة العميقة على التمزق النفسي في حياتنا الاستهلاكية، وما افرزته العولمة من أمراض نفسية للشباب، وادخلت الكثير من المجتمعات في صراعات عميقة لاثبات الأنا ووجودها وحضورها اللافت. لقد امتعنا أيضا معرض الفنان الفوتوغرافي جعفر عاقيل بمتعة بصرية قل نظيرها، وجعلنا ننسى طيلة المشاهدة لصوره، أنما نحن ننظر صورا من عدة الوان: فالواضح لدينا هما اللونان الاسود والابيض فقط، اما بقية الألوان، فاننا لا نلاحظها البتة، لان معظم فضاء صوره هي لاقدام ولشوارع اسفلتية باللون الابيض والاسود والرمادي. ولنا في حياة الفنان جعفر عاقيل ما يدلنا إلى عصامية ونباهة، فهو بالرغم من انه لم يولد في مدينة كبيرة أو عاصمة أقتصادية كالدار البيضاء أو الرباط إلا أنه تمكن من أن يطور موهبته ويصنع لنا كل هذا الجمال البصري عبر رؤية بصرية مثقفة ناضجة، فقد ولد الفنان جعفر عاقيل سنة 1966 بمدينة مكناس، وبدأ شغفه بالفوتوغرافيا، كما يحكي عن نفسه، مبكرا جدا وبالضبط في سن 18 عندما أهداه أبوه آلة تصوير ‘Olympus OM10’ بعد عودته من سفر إلى خارج المغرب، ليتحول تدريجيا، وبعد سنوات كثيرة من التكوين الذاتي الصارم، من فوتوغرافي عصامي مهووس إلى فوتوغرافي هاو متمرس، وبموازاة ذلك، حصل جعفر عاقيل على دكتوراة وطنية في موضوع مرتبط جدا بهوايته: ‘سيميائيات الصورة الإشهارية.’ ليصبح بعد ذلك أستاذا باحثا متخصصا في الفوتوغرافيا الصحافية بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، كما انه آخر الفنانين المشائين ليس في المغرب وحدها بل وفي العالم أيضا، فهو العاشق الأبدي للقدم ولحركة القدم ولم نسمع بفنان من قبل جعل القدم والمشي ثيمة فنية لها كل هذا الاعتبار والأهمية.* صحافي عراقي مقيم في المغرب[email protected]