لا نعرف ما هي المعايير التي استند اليها الرئيس الامريكي جورج بوش عندما قال يوم امس ان الحرب الاخيرة في لبنان انتهت بهزيمة حزب الله ولكن ما نعرفه ان الوقائع علي الارض، ارض المعارك في الجنوب، تقول عكس ذلك تماماً.
الانتصار مسألة نسبية، فكون حزب الله لم يهزم ولم يستسلم، وافشل مشروع الاحتلال الاسرائيلي لشريط امني جديد، واحتفظ بالجنديين الاسرائيليين الاسيرين، هو في حد ذاته انتصار كبير لحركة مقاومة شعبية لا تملك الطائرات، ولا الجيوش الجرارة، وانما حفنة من المقاومين المؤمنين الذين اقصي ما يتطلعون اليه هو الشهادة، والانتقال الي الرفيق الاعلي حيث دار البقاء، وبأسرع وقت ممكن، وهذه معايير وقيم لا يعرفها، بل لا يفهمها، الرئيس بوش وحليفه توني بلير رئيس وزراء بريطانيا.
استخدام الطائرات الحربية الحديثة، الامريكية الصنع، لتدمير بني تحتية لبنانية، ليس عملاً اخلاقياً، ولا يمكن ان يحقق نصراً، لان الطرف الآخر لا يملك ما يمكن ان يتصدي به لمثل هذه الاسلحة الحديثة المتقدمة، ولكن عندما تبدأ المعارك علي الارض، ويكون هناك مجال للمنازلة، واظهار اوجه الشجاعة والبطولة، فإن الامر يكون مختلفاً، حتي لو تفاوت الفارق في القوي والاسلحة بين الطرفين المتواجهين.
ففي اليوم الاول لبدء العدوان علي لبنان اعلن السيد حسن نصر الله زعيم المقاومة الاسلامية في لبنان، انه لا يملك اي حيلة تجاه القصف الجوي، لانعدام الامكانات الي درجة الصفر، ولكنه وعد بان المعارك علي الارض ستكون مختلفة، وستتحول ارض الجنوب الي مقبرة للاسرائيليين وقواتهم، وقد صدق وعده، فمن شاهد حطام الدبابات الاسرائيلية من نوع ميركافا التي تعتبر الافضل بين مثيلاتها في العالم بأسره، يعرف من انتصر ومن انهزم.
اسرائيل تعيش هذه الايام مأزقاً كبيراً، وكذلك الولايات المتحدة وبريطانيا، والانظمة العربية التي راهنت علي الانتصار الاسرائيلي السريع في لبنان، ابرز مفرداته عودة الثقة الي ثقافة المقاومة وتراجع نظرية اعتماد المفاوضات كطريق وحيد للوصول الي التسوية مع الدولة العبرية.
انتصار حزب الله اعاد الامل الي قيم الصمود والرفض والمقاومة، الصمود في وجه العدوان الاسرائيلي، والرفض للانظمة العربية المتخاذلة المستسلمة، والمقاومة لمشاريع الهيمنة الامريكية الاسرائيلية التي تحاول فرض سيطرتها علي المنطقة العربية.
انتصار حزب الله اصاب الاسرائيليين بحال من الاكتئاب المزمن لان هؤلاء لم يتعودوا مطلقاً علي الهزيمة، وبنوا كل حساباتهم علي انتصارات سريعة علي انظمة عربية صوتية تنهار مع اول ضربات جوية، ويترك جنودها سيقانهم للريح بعد التخلص من اسلحتهم وملابسهم العسكرية، ايثارا للسلامة.
الاكتئاب الاسرائيلي مكلف جداً، لانه ربما يترجم الي فقدان الثقة بالمشروع الصهيوني الذي كان الدعامة الاساسية لقيام دولة اسرائيل. وفقدان الثقة يعني الهروب الجماعي، والبحث عن مناطق اكثر اماناً، خاصة ان الاسباب التي ادت الي هجرة اليهود الي ارض الميعاد قد زالت، ولم يعد اليهودي يعامل كمواطن درجة ثانية يواجه بالكراهية والحقد العنصري في العالم الغربي.
ولابد ان المؤسستين، العسكرية والسياسية، في الدولة العبرية تدركان هذه الحقائق جيداً، وعندما قال شمعون بيريز نائب رئيس الوزراء، ان الحرب الحالية في لبنان هي حرب وجود، كان صادقاً، لانه وهو الثعلب العجوز، وآخر ما تبقي من جيل الرواد الصهاينة، يعرف جيداً معني الهزيمة علي ايدي حركة مقاومة. او بالاحري عدم الانتصار في لبنان، مثلما كان حال جميع حروب اسرائيل السابقة.
مرة اخري نقول ان الحذر واجب، والجيش الاسرائيلي بات مثل النمر الجريح، وكذلك قيادته السياسية، ولن يقبل هؤلاء بالهزيمة بسهولة، وسيحاولون احياء تحالفات قديمة في لبنان، واقامة تحالفات جديدة مع انظمة عربية تشاركهم الهزيمة، ولذلك لابد من الاستعداد لكل الاحتمالات، وبشكل جيد ومتقن، تماماً علي الدرجة نفسها من الاستعداد الذي الحق باسرائيل وجيشها الهزيمة الاكبر في تاريخها القصير.