اكتشاف الشهوة لفضيلة الفاروق حكاية برأسين: سطوة القيد.. ووهم تحرر الأنثي
نورالهدي غولي اكتشاف الشهوة لفضيلة الفاروق حكاية برأسين: سطوة القيد.. ووهم تحرر الأنثيتتحيّن فضيلة الفاروق كل فرصة تتاح لها من أجل إعادة ترتيب الأفكار التي تؤمن بها، والتي ترغب في أن تترك لها حيزا واسعا في ذهن القارئ العربي عامة والجزائري بصفة خاصة.. هي طبعا لا تنتظر من يمن عليها بفضاء معيّن من أجل البوح، فها هي تقذف في وجه ذهنيات تراها مغلقة روايتها الجديدة اكتشاف الشهوة الصادرة عن دار رياض الريّس بلبنان، في انتظار طبعة جزائرية..الكتابة عند فضيلة الفاروق بوح لصيق بالذات، لم تختلف اكتشاف شهوتها كثيرا عن مزاج مراهقتها الأولي.. لا تزال قسنطينة حاضرة بكل زخم عاداتها وحاراتها وحزنها الفائض عن كل إطار.. لا تزال لوثة الحديث عن عشق المدن مستفحلا بها، هي التي لا تتخلي عن هامش الجسور المعلقة الذي يشبه إلي حد كبير هامش الكتابة والتمرد عندها.لو جاز لنا أن نقسّم الرواية إلي فصول، وهذا ما تجنبته الكاتبة، لوجدنا أنفسنا عند حدّ يفصل الحكاية إلي شطرين.. مع خيوط رفيعة تشي بتماسك الخيال والواقع رغم الشرخ الفاصل بينهما، والبادي للعيان بقوة، خاصة مع طرح تقدمه الكاتبة، وبإصرار قويّ منها علي تعديل مجري الأفكار البالية التي أخذت لها نهرا جارفا منذ عصور بائدة.. باني .. هي المرأة التي تراهن عليها الكاتبة، الأنثي كانت الشخصية المحورية، ككل مرة في كتابات فضيلة الفاروق، وقد كانت أنثاها هذه المرة أكثر من ينادي بالتحرر والتخلي عن العادات والتقاليد المنمّطة، والتي قيدت المرأة في أقفاص ضيقة، وجعلتها مرتبطة بحجب لصيقة بها منذ الولادة، ولكن حتي باني في حد ذاتها لم تستطع أن تقف علي حياد، فهي تدرك أن اقتلاع مثل تلك الأشياء أمر صعب.. هذا إن لم يكن مستحيلا، نراها هي الأخري في حرب رمال متحركة بين الدين والانعتاق منه، طبعا هو كغريزة فطرية يصعب استئصاله أكثر من أي شيء آخر..نراها تحارب موجات التفكير في الخيانة بنفسها، تنزوي من أجل الصلاة والاستغفار، تقرأ القرآن أيضا بحثا عن راحة نفسية ينتهكها الزوج الغريب، هذا الكائن القريب/ البعيد عنها.. جمعتنا الجدران وقرار عائلي بالي، وغير ذلك لا شيء آخر يجمعنا، فبيني وبينه أزمنة متراكمة وأجيال علي وشك الانقراض.. .نعود معها إلي ما قبل هذه اللقطة بكثير، إلي الطفلة الصغيرة .. إلي شقاوة الثالثة عشرة وما كان يعنيه لي ذلك العمر الذي جعلني أستفيق من حلم الصبي ذي الضفائر الطويلة.. حب الفضول فيها، ونزعة القوة والتمرد جعلاها تدرك أنها امرأة علي هامش الحياة الزوجية التي لا يجب أن تعرف فيها أكثر مما يجب وإلا كانت العاهرة المنبوذة.. اكتشاف الشهوة هي أكثر رواياتها جرأة علي الإطلاق، لكنها كانت الجرأة المبتغاة لوحدها، ربما يفتقد القارئ الكثير من حميميات الفاروق التي كانت تتحف بها مساحات كتاباتها عن الوطن، ومشكل الذات فيها، إذ صارت أكثر بعدا عن عوالمها، ليست لأنها قالت كل شيء، ولكن لأن رقابة ما تترصد بالقرب من كل ما هو ذاتي وشخصي، ارتفعت حتي بسقف الوطن إلي ما هو أبعد من نظرة تراها هي، إذ صار الأمر مجرد رقعة لصيقة بالذاكرة وحسب، لكن منذ متي كان الأدب بمثل هذه المحلية التي نبحث عنها بين الكتب؟كما في مزاج مراهقة تضيع الأنثي هنا أيضا بين رجلين.. لويزة في الحكاية الأولي كانت منشطرة بين حبها لعبد الجليل، و غيرتها من توفيق الذي كانت تتمني لو أنها كانته.. الرجل الذي كانت تتمني لو أنها هو.. باني في الحكاية الثانية تقف طويلا محتارة بين رجلين إيس الذي كانت تشتهيه بقوة، وتوفيق الذي تحبه. لم ترض باني براهن الانغلاق الذي فرض علي المرأة، كنا نراها تقفز من تحرر لآخر.. حتي وان زارتها هواجس معينة كانت تثنيها أحيانا، لكن فكرها المشتعل يشي بأكثر من اقتناع وإيمان بتلك الأفعال، بدأت رحلتها من لحظة انتهاك كان بطلها زوج لا يفهم عنها الشيء الكثير؛ حقارتي بدأت من هنا. من هذا الزواج الذي لا معني له، من هذه المغامرة التي لم تثمر غير كثير من الذل في حياتي، وكثير من الانهزامية، والتلاشي، والانتماء.. . صارت تتحرك باطّراد نحو حريتها.. تدخل في علاقات حب من منطلق شهوة كانت تحرّم علي الأنثي، غدت إنسانا يعي تماما أنه لا يجب أن يعيش خارج جسده ورغباته، بدأ إيمانها بفعالية سطوة الشهوة يعلو تدريجيا، ومعه راحت تخلق الأجواء الملائمة لمثل هذه الطقوس التي ظنتها لفترة ما مرتبطة بالرجل وحده، وازدادت حدة أسئلتها مع المحيطين بها، فيسكتون خوفا من الفضيحة.. مقابل لامبالاتها. فتعرفت علي إيس ، شرف وتوفيق.بالكاد تأتي علي معظم أوراق الرواية، فترتفع قصة أخري لا تمت بصلة لحواشي الحكاية السابقة، تطير الشخصيات الأولي فجأة، وننحني مع منحدر آخر لا نعرف عنه شيئا، لكننا نتآلف معه بصعوبة، وكأننا لا نتقبل حقيقة أن ذاك التحرر كان مجرد وهم غرقت فيه باني ، في حالة غيبوبة دامت ثلاث سنوات كاملة، راحت فيها مخيلتها الجافة تبحث عن عزاء بعيد يكمن في وقائع متخيّلة، حتي وان كانت تلك الشخصيات حقيقية في الواقع، تكاد تقع في حب جديد بطله الطبيب النفساني الذي يشرف علي علاجها، نروح معها فيما بعد في رحلة جديدة من أجل استرجاع ذاكرتها التي غابت ذات حادث فيضان في قسنطينة، فتغيب باريس وحاراتها، نتعثر بوهم وجود شخصيات لبنانية مثقفة كانت تلتقيهم في المهجر بفرنسا. من كل الشخصيات التي أغوتها.. لم يكن إلا توفيق شخصا من لحم ودم، أما الباقي فقد كان من اشتغال المخيلة النشطة لباني، يعود كالمنقذ في الجزء الثاني من الحكاية.. هو القسنطيني قريب العائلة الذي أحبّها منذ أن كانت في الثانوية بمدينتها الأولي، جمعتهما صدفة جميلة في باريس المتخيّلة، وعاد للمرة الثالثة في الواقع هذه المرة، كملاك كان يحرسها. كل ما توقعناه من تحرر وانزياح نحو الانعتاق من حصار كبّلت به المرأة كان مجرد خيال، كرد فعل عكسي لشدة الضغط الممارس علي هذه المرأة، سواء من الزوج، الوالد أو الشقيق.. كنموذج مصغّر عن سطوة يفرضها المجتمع كاملا.نهاية الرواية كانت نهاية تقرب من الخيال.. مع أنها لم تكن كذلك كانت بنهاية تشبه نهاية القصص الرومانسية السعيدة، حكايا جعلها واقع الأمر المعقد والمتشابك تنقرض من الواقع إلا نادرا، وقد دخلت نهاية اكتشاف الشهوة في ندرة كتب القصص الجميلة ..ظهر توفيق فجأة في المستشفي كمنقذ خارق وأعاد لها سعادة كانت غائبة..طول بال الكاتبة جعلها تترك لنا خيط احتمال فكرة أخري هو أن ما كان من حوادث متخيلة في باريس قد يكون أيضا واقعا حقيقيا عاشته بالفعل، رمت لنا باحتمال زيارتها لباريس من قبل، أثناء لقاء عابر مع شخصيات تعرفها، كما أنها عاودت استسلامها لمذاق شفاه إيس في قبلة كانت معبرا نحو التحرر . كانت تدفع بالقارئ إلي التساؤل: هل حدث الأمر؟ أم لم يحدث؟.. تراها التقت إيس أم لا؟ هل كان التحرر حقيقة أم وهما؟.. الأكيد، فقط، هو أن الفاروق قد خاضت حربها ضد انسحاب المرأة حتي وإن كانت بجرأة تكاد تكون مفتعلة دون ملامسة قوية لـ خطورة الموضوع الذي شقت طريقها إليه. صحافية من الجزائر 0