اكتشاف القارة الإسلامية المجهولة

ليست سلسلة «عيسى والإسلام» التي بثتها قناة «أرتي» الفرنسية-الألمانية أخيرا سوى أحدث شاهد على أن في وسع التلفزيون أن يضطلع بدور معرفي تنويري جادّ إن أراد. ولعل بعض ما أشرنا إليه الأسبوع الماضي من قضايا طرحتها السلسلة قد كان ذا طابع إشكالي، نظرا لما ينطوي عليه من مسلّمات «لا-إيمانية». إذ رغم أن السلسلة حاورت باحثين مؤمنين بمثلما حاورت غير المؤمنين، فإن الطابع «التفكيكي» أو التشكيكي هو الغالب عليها. صحيح أن هذا منزلق شبه طبيعي لدى عموم المثقفين والصحافيين الغربيين، إلا أن في الإنتاج التلفزيوني البريطاني دليلا على إمكان اجتنابه.
إذ إن قناة «أي تي في» البريطانية، التي كانت سباقة في مضمار التعريف بالتصورات الإسلامية عن عيسى عليه السلام، قد نجحت في تناول الموضوع بشكل مباشر يغني عن الحاجة للتفكيك والتشكيك. ذلك أن البرنامج الذي بثته عام 2007 بعنوان «يسوع المسلم» يتطرق إلى نقاط الاتفاق بين الروايتين المسيحية والإسلامية، أي ولادة المسيح من مريم العذراء والتعاليم التي نادى بها والمعجزات التي أتاها وعودته في آخر الزمان للقضاء على الدجال وملء الدنيا عدلا بعد أن امتلأت جورا. كما يتطرق لنقاط الاختلاف: الصلب والقيامة (حسب اعتقاد المسيحيين) والرفع إلى السماء (حسب اعتقاد المسلمين) والألوهة أو البنوّة (مسيحيا) والعبودية لله والنبوّة (إسلاميا). بل إن البرنامج البريطاني بيّن كيف أن القرآن ذكر من معجزات عيسى ما لم تذكره الأناجيل، مثل الكلام في المهد وتحويل الطين إلى طير. كما ركز البرنامج على اعتقاد المسلمين بأن عيسى بشّر بمجيء محمد: «وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدّقا لما بين يديّ من التوراة ومبشّرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد، فلما جاءهم بالبيّنات قالوا هذا سحر مبين» (الصف: 6). وأحمد هو الاسم العربي الصحيح المطابق لاسم «بريكليتوس» (كثير الحمد) الذي نصت عليه الأناجيل اليونانية، مثلما هو معروف من الحوار بين عبد الوهاب النجار رحمه الله والمستشرق الإيطالي كارلو نالينو.
ومع هذا كله، فإن الكاتبين الفرنسيين اللذين أنجزا سلسلة «أرتي» يؤكدان أن القرآن لا يزال «قارة مجهولة» بالنسبة للباحثين المعاصرين وأن اكتشاف هذه القارة لا يزال في طور البداية. الأمر الذي أتاح لعبد النور بيدار استكمال تحديد إشكالية التحدي الذي تطرحه العلوم الإنسانية على الضمير الإيماني، وذلك بأن أثار في حواره مع الكاتبين هذا السؤال الخطير الذي يجدر بنا، نحن مسلمي هذا الزمان، مواجهته معرفيا بدل الهروب منه عاطفيا: «هل يمكن في المستقبل للباحث المسلم المؤمن أن يقدم على معالجة النص القرآني معالجة نقدية، باعتباره ،نصا أدبيا، أنتج في ظروف تاريخية محددة؟» فبماذا رد الكاتبان؟ بأن هنالك افتراضا بأن «الذكاء لا بد أن يكون عدوّا للإيمان»، ولكن هذا ليس صحيحا، بدليل أن اجتهادات النقد التاريخي داخل الكاثوليكية قد بدأت منذ القرن 17.
ليس ما سبق سوى عيّنة من آراء وأحكام كثيرة تحيلنا إلى المنهجية التي أخذ بها هذان الكاتبان الفرنسيان المهتمان أساسا بعلاقة الأدب بالتاريخ، وهي منهجية العلوم الإنسانية التي تعدّ الدين شكلا من أشكال الإنتاج الثقافي البشري المشروط زمنيا، والتي تتعامل مع الكتب المقدسة بمنطق «تاريخية النصوص»، أي بأدوات النقد النصي والنقد التاريخي. ولهذا لم يكن في وسع الكاتبين الخروج من دائرة المدرسة التاريخية والفيلولوجية الغربية السائدة التي تعدّ المدونة الإسلامية مجرد وريث لمختلف «المصادر» المسيحية واليهودية، والتي تعتبر أنه كان للنص القرآني «مؤلفون» متعاصرون أو متعاقبون تأثروا بالتوراة والإنجيل، فنقلوا عنهما واقتبسوا حرفيا طورا، وبتصرف طورا آخر. وليس هذا بمستغرب من عموم الباحثين الغربيين. ذلك أن القوم قد فرغوا أو كادوا من «نزع القداسة» عن النصوص التأسيسية في الحضارة الغربية التي لا يزالون، مع ذلك، يعرفونها بأنها حضارة «يهو- مسيحية».
على أن الكاتبين ينبّهان أن البحوث الأنكلوساكسونية والألمانية حول «القارة المجهولة» تبقى متقدمة على الفرنسية، وأن معظم الباحثين المسلمين يعملون في مؤسسات جامعية وبحثية أمريكية. أما أول أسباب هذا الوضع، فهو أن «الساسة في فرنسا لا يقلّون عن الجمهور جهلا» بالإسلام، حسب قولهما. وهذا «جهل إجرامي لأن النصوص الإسلامية عميقة الجذور في المخيال الغربي، إن لم يكن في الثقافة الغربية أصلا».

٭ كاتب من تونس

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية