لندن-“القدس العربي”: نشرت دورية “نايتشر” دراسة جديدة حول حفرية يبلغ عمرها 99 مليون عام عثر عليها في ميانمار، من شأنها أن تفتح أبوابا إضافية لفهم الحقبة الوسطى. وتشير مجلة “ساينتفك أميركان” إلى أن “علماء الحفريات الذين يعملون في جنوب شرق آسيا، عثروا في السنوات الأخيرة، على ذيول ديناصورات، وأفراخ طيور، وفصائل حشرات جديدة، وحتى مخلوقات عابرة للبحار، احتُجزت داخل كتل من عصارةٍ لزجة. وبرغم ذلك، فإن الأمر الذي يجعل هذا الاكتشاف الأخير بارزًا هو مدى صغر حجمه بالتحديد”.
ويعد المخلوق المكتشف حديثاً ذو الجمجمة التي لا تزيد عن إنش واحد، من أصغر الديناصورات المكتشفة، وقد حفظ في مادة الراتنج المتصلبة خلال منتصف العصر الطباشيري من حقبة الحياة الوسطى. وأشارت الدراسة إلى أن هذا المخلوق غالباً كان طائراً ذو أسنان. وقد أطلق عالم الحفريات ليدا زينغ، من جامعة الصين للعلوم الجغرافية وزملاؤه المشاركين بالدراسة، اسم Oculudentavis khaungraae على الديناصور المكتشَف. ويشتق اسم الجنس من مصطلح ”الطائر ذي العين المُسننة” باللاتينية، كما لُقب اسم النوع بهذا الاسم تكريمًا لخوانغ را، أحد هواة جمع الحفريات، والذي تبرع بالجسم المكتشَف للدراسة. ولم يتضح، حسب الدراسة مركز الطائر المكتشف على شجرة العائلة للطيور، وأشارت مجلة “ساينتفك” إلى أنه غالباً ينتمي إلى نوع قديم من الطيور يدعى “طائر جذعي” وهو “طائر يقع على موقع قريب من النقطة التي تنفصل عندها الطيور عن أسلافها من الديناصورات ذات الريش”. ولم يقل البحث كلمته الأخيرة حول نوع الطائر إذ تضيف المجلة أنه “قد تغير التحليلات الإضافية أو الاكتشافات الحفرية أي فرع يوضع فيه الديناصور، داخل شجرة العائلة”. وقال دانيال كسيبكا، عالِم الحفريات الذي يعمل في متحف بروس: “لن أتفاجأ إذا اتضح أنه يقع في منطقة أخرى في جزء الطيور ضمن شجرة عائلة الديناصورات”. وأثارت عيون الطائر حماس لارس شميتز، الباحث المشارك في الدراسة، وهو عالم حفريات في كليات كلاريمونت ماك-كينّا، وسكريبز، وبيتزر إذ قال: “يجب أن أقول إن حلقة الصُّلْبَة لـ Oculudentavis مثيرة للتأمل جدًّا” مشيرًا إلى وجود عظام رقيقة ودقيقة لكل عين في موضعها، وأن التشويه الذي طالهما بفعل التحجر كان بسيطًا. وأضاف شميتز: “تملك العظام الفردية للحلقة شكلًا غريبًا شبيهًا بعيون السحلية، كما أن الحجم المتناسب للفتحة التي كان يوجد فيها البؤبؤ رجح أن هذا الكائن كان نشطًا في النهار”.
وحجم Oculudentavis يوازي تقريباً حجم طائر طنان، ما يجعله أصغر ديناصور تم اكتشافه في الحقبة الوسطى، إذ أنه أصغر من الديناصورات الأخرى المعروفة بصغر حجمها مثل Fruitadens الذي اكتُشف في كولورادو. ويجب هنا ذكر أن تحديد الأنواع صغيرة الحجم والتعرُّف عليها له تأثيرٌ كبيرٌ على الطريقة التي يعيد بها علماء الحفريات تشكيل الماضي.
وكانت الديناصورات الكبيرة بعض أوائل الأنواع التي اكتُشفت ليس فقط لأنها امتلكت عظامًا قوية قادرة على تحمُّل عمليات التفتت والحفظ، ولكن لأن العلماء والمتاحف في أوائل القرن الماضي، عمدوا، حسب “ساينتفك” للبحث “عن حيوانات كبيرة في الحجم ومَهيبة تساعدهم في بناء حياة مهنية، وتستجلب لهم دعوات حضور المعارض”. وتابعت المجلة أن “الافتتان العلمي بالديناصورات الأكبر حجمًا كان كبيرًا إلى الحد الذي جعل اصطياد الهياكل العظمية المهمة والزاخرة بالمعلومات يرتكز أحيانًا على التسابق المحموم للحصول على العينات، وذلك لأن جمع الجماجم المثيرة للإعجاب كان يُنظر له على أنه أكثر أهميةً لبناء المجموعات.” أما الأنواع الصغيرة فكان يتم تجاهلها من قِبل الباحثين عن الحفريات، مما يعني بلا شك أن هناك أنواعًا صغيرة في الحجم تنتظر أن تُكتَشَف.
وتابعت المجلة أنه “إلى جانب الاكتشافات التي وُجدت في مواقع أخرى -مثل الأسرّة الأحفورية لمقاطعة لياونينغ في الصين، والتي استُخرجت منها عشرات العينات الرائعة، فإن Oculudentavis ومعه اكتشافات أخرى وُجدت داخل كهرمان ميانمار، يدفع ناحية نظرة إلى عالم الديناصورات تختلف عما جُمع من البقاع الكلاسيكية في الغرب الأمريكي”. وقال كسيبكا: “أدهشني كم كان حجم هذه الحفرية صغيرًا، وبالتأكيد نحتاج إلى حفريات أفضل للجسم، ولكن Oculudentavis قد يكون أصغر حتى من أصغر الطيور الطنانة الموجودة في وقتنا الحالي”. وإذا تبين صحة هذا الاحتمال، حسبما يشير كسيبكا، فذلك يعني انقراض أكبر وأصغر الطيور التي وُجدت عبر كل الأزمنة.
وأوضح شميتز: “نحن الآن لا نلاحظ سوى جزءٍ صغيرٍ من الطرف الأقل للطيف الحجمي، مع صورة غير مكتملة للتنوع الحيوي في عصر الديناصورات” وحتى في البقاع المألوفة نسبيًّا، والتي تكثر فيها الحفريات، فإن المرشحين الأكثر ترجيحًا لتمثيل أنواع جديدة سيكونون أصغر نسبيًّا في الحجم. ولا تقل أهمية تلك الحيوانات عن العظام الهائلة التي تبدو كالجبال، وتملأ صالات المتاحف. فهي تشكل الخيوط التي ساعدت في تشكيل الأنظمة الإيكولوجية تحت أقدام هؤلاء العمالقة.