لندن-“القدس العربي”: أظهرت دراسة نشرت في دورية “بلوس وان” أقيمت على هيكل عظمي شبه مكتمل، تم اكتشافه في كهف مغمور بالمكسيك، خصائصه المورفولوجية الكاملة، حسب مجلة “ساينتفك أمريكان”.
وتقع المنطقة التي وُجد فيها ذلك الهيكل في شبه جزيرة “يوكاتان التي استوطنتها حضارة المايا منذ آلاف السنين حتى منتصف القرن السادس عشر. وأشارت المجلة إلى أنه “منذ العصر البليستوسيني المتأخر ويعيش الإنسان في شبه جزيرة “يوكاتان”. ولا يعرف العلماء الكثير عن البشر الأوائل الذين سكنوا ذلك المكان، إذ جميع معلوماتنا قائمة على 9 هياكل عظمية وجدها العلماء مدفونةً في كهوف مغمورة تحت الماء بمنطقة “كينتانا رو” بوسط المكسيك. وتميزت الهياكل بصفات شبيهة إذ “شكلها وبنيتها تتشابه معًا: جماجمها طويلة وجباهها ضيقة وأسنانها ناخرة بدون أثر للتسوس”. ويشير ذلك إلى انتماء هذه الجماجم إلى مجموعة واحدة “عاشت في المكان نفسه، وتناولت الغذاء نفسه، وتتمتع بالصفات نفسها على المستوى التشريحي.”
أما الهيكل الذي اكتشف حديثاً، والذي يعود إلى امرأة ماتت وهي في الثلاثين من عمرها، لا يتشابه من الناحية البنيوية مع الهياكل التسعة، ولكن يتشابه مع هياكل أخرى وجدت في الكهف ذاته منذ 20 عاماً.
وقال مؤلف تلك الدراسة والباحث في جامعة “هايدلبرغ” الألمانية، وولفغانغ ستينيسبك، أنه “بدأت القصة عام 1999، حين قام الباحث المكسيكي أرتورو غوانزاليس بالغوص في كهوف تولوم. وقتها، عثر الرجل على أول ثلاثة هياكل عظمية قديمة لشعوب ما قبل المايا. ولم تحصل تلك الهياكل على الاهتمام الذي تستحقه”.
ثم انضم ستينيسبك إلى مشروع بحث عن الحفريات في ذلك الكهف المهمل. ليجد “كنزًا من البقايا يندر وجوده على سطح الأرض”. وعثر الباحثون على حفريات متنوعة لكائنات كثيرة.
وقال ستينيسبك في تصريحات لـ”ساينتفك أمريكان”: “إن تلك الحفريات كشفت العديد من الأسرار عن ذلك الكهف المغمور، الذي كان في زمن غابر عبارة عن غابة ذات نظام بيئي متنوع وغني على المستوى الأحيائي”، إلا أن أهم هذه الاكتشافات كان الأحدث، أي هيكل الامرأة لكونه أكثر اكتمالاً من الذين سبقوه.
وأضاف أنه “حين وجد أرتورو ذلك الهيكل، بدأت عمليات استخراجه بعناية وحرص” وتابع أن نظرته الأولى للجمجمة أعطته انطباعا “بوجود العديد من الاختلافات مع الهياكل الأخرى التي جرى اكتشافها في المنطقة المحيطة.”
وقام الفريق بفحص الهيكل العظمي، ومقارنته بالجماجم المستخرجة من الكهف والجماجم التسعة الأخرى التي عُثر عليها في مناطق مجاورة، إضافة إلى 452 جمجمة من شمال القارة الأمريكية ووسطها وجنوبها. ووجد العلماء أن “شكل الجمجمة المستدق وجبهتها المسطحة يتماشى مع شكل الجماجم الثلاث المستخرجة سابقًا من المكان نفسه، كما أن أسنانها التي ينخرها التسوس يشير إلى اتباع صاحبتها لنظام غذائي يعتمد على السكر. وهو أمرٌ يتناقض مع الأنظمة الغذائية المعروفة لسكان القرى الأمريكية، الذين عاشوا في الحقبة نفسها واعتمدوا في غذائهم على الأطعمة الصلبة منخفضة السكريات.”
وقال ستينيسبك “إن المجموعة التي تنتمي إليها تلك المرأة كانوا يتناولون الدرنات والفواكه وعسل النحل. ولا يبدو أن اللحوم أو الأسماك كانت ضمن نظامهم الغذائي اليومي. كما لم يطوروا أدوات حجرية معقدة، وهو أمرٌ يختلف عن المجموعة الأخرى، التي كانت تتناول أطعمة ليفية شائعة، من ضمنها اللحوم والأسماك”.
وأفادت المجلة أنه “أشار ذلك إلى أن مستوطني شبه جزيرة يوكاتان شكلوا مجموعةً سكانية معزولة بالكامل عن تلك المجموعة التي سكنت وسط المكسيك في نهاية العصر الجليدي، وهي مجموعة غريبة تمامًا عن المجموعة التي انحدر منها شعب المايا، ومختلفة في ثقافتها الغذائية وشكلها وبنيتها الموروفولجية، وهو أمرٌ يجعل من أرض شبه جزيرة “يوكاتان” -أرض المايا- موطنًا لغرباء سادوا ثم بادوا لسبب ما”.