اكتشاف مدينة مخفية في قاع المحيط بُنيت قبل 140 ألف عام

حجم الخط
2

لندن ـ «القدس العربي»: عثر العلماء على اكتشافٍ رائدٍ، مدفونٍ تحت سطح البحر قبالة سواحل إندونيسيا، قد يُعيد كتابة قصة أصول البشر.

وقال تقرير نشرته جريدة «دايلي ميل» البريطانية، واطلعت عليه «القدس العربي»، إن العلماء اكتشفوا جمجمة الإنسان المنتصب، وهو أحد أسلاف البشر القدماء، بعد أكثر من 140 ألف عام من دفنها، محفوظةً تحت طبقاتٍ من الرمال في مضيق مادورا بين جزيرتي جاوة ومادورا.
ويقول الخبراء إن الموقع قد يكون أول دليلٍ ماديٍّ على العالم المفقود، وهو أرض ما قبل التاريخ تُعرف باسم «سوندالاند»، كانت تربط جنوب شرق آسيا في سهلٍ استوائيٍّ شاسع.
وإلى جانب عظام الجمجمة، استعاد الباحثون ستة آلاف حفريةٍ حيوانيةٍ من 36 نوعاً، بما في ذلك تنانين كومودو، والجاموس، والغزلان، والفيلة.
وحملت بعض هذه العظام علامات قطعٍ مُتعمدة، ما يُشير إلى أن البشر الأوائل كانوا يمارسون استراتيجيات صيدٍ مُتقدمة.
وتُقدم هذه النتائج لمحةً نادرةً عن الحياة البشرية القديمة وأراضي «ساندالاند» المفقودة، مُقدمةً لمحةً عن سلوكيات وتكيفات السكان البشريين الأوائل استجابةً للتغيرات البيئية.
واكتشف عمال مناجم الرمال البحرية هذه الأحافير عام 2011 لكن الخبراء حددوا مؤخراً عمرها وأنواعها، ما يُمثل إنجازاً هاماً في علم الإنسان القديم.
وقال هارولد بيرغوس، عالم الآثار في جامعة لايدن بهولندا، والذي قاد البحث: «تتميز هذه الفترة بتنوع مورفولوجي كبير وتنقل سكان أشباه البشر في المنطقة».
وبين 14000 و7000 عام مضت، تسبب ذوبان الأنهار الجليدية في ارتفاع مستوى سطح البحر لأكثر من 120 متراً، ما أدى إلى غمر السهول المنخفضة في ساندالاند.
وبدأ الاكتشاف أثناء تعدين الرمال البحرية في مضيق مادورا، حيث كشفت أعمال التجريف عن بقايا متحجرة.
وفي موقع استصلاح بالقرب من سورابايا، عثر العمال على أكثر من 6000 أحفورة فقاري، بالإضافة إلى شظيتين من جمجمة بشرية.
وإدراكاً لأهميتها، أطلق العلماء مسوحات مفصلة، ​​وجمعوا الاكتشافات بعناية وفهرسوها للدراسة.
ولفهم هذا الاكتشاف، حلل الباحثون طبقات الرواسب التي عُثر فيها على الأحافير، واكتشفوا نظام وادٍ مدفون من نهر سولو القديم، الذي كان يتدفق شرقاً عبر جرف سوندا المغمور حالياً.
وتشير رواسب الوادي إلى نظام بيئي نهري مزدهر خلال أواخر العصر البلستوسيني الأوسط.
وشكّل الإنسان المنتصب نقطة تحول رئيسية في تطور الإنسان، فقد كانوا أول البشر الذين يشبهوننا بشكل أوثق، بأجسام أطول وأكثر عضلية، وأرجل أطول، وأذرع أقصر.
وكان تأريخ الرواسب أمراً بالغ الأهمية، حيث استخدم الباحثون التلألؤ المحفز بصرياً «OSL» على حبيبات الكوارتز لتحديد آخر مرة تعرضت فيها الرواسب لأشعة الشمس. وهذا يضع حشوة الوادي والحفريات بين حوالي 162 ألفاً و119 ألف سنة مضت، أي ضمن أواخر العصر البلستوسيني الأوسط.
وتمت مقارنة شظايا جمجمة الإنسان المنتصب، عظمة أمامية وعظمة جداريّة، بأحافير معروفة للإنسان المنتصب من موقع سامبونغماكان في جاوة.
وأكدت المطابقة المتقاربة أن أحافير مضيق مادورا تعود للإنسان المنتصب، ما وسّع نطاق هذا النوع المعروف ليشمل منطقة ساندالاند المغمورة حالياً.
ويُعتبر هذا الموقع الآن أول موقع لأحافير أشباه البشر تحت الماء في ساندالاند.
وعثر الفريق أيضاً على أحافير لجنس منقرض من الثدييات العاشبة الكبيرة، تُشبه الفيلة الحديثة، وتُعرف باسم «ستيجودون». وقد يصل طول هذا المخلوق إلى 13 قدماً عند الكتف، ويزن أكثر من 10 أطنان.
وكانت أضراسه تحتوي على نتوءات أكثر من الفيلة المبكرة، ولكنها أقل من الفيلة الحديثة، ما يشير إلى مرحلة تطورية متوسطة.
كما تم اكتشاف بقايا أنواع مختلفة من الغزلان، بما في ذلك عظام وأسنان من عدة أنواع، ما يشير إلى وجود مجموعة متنوعة وصحية من الغزلان.
ويُعد وجود الغزلان مهماً لأنه مؤشر رئيسي على البيئة التي كانت موجودة في الماضي، والتي كانت عادةً غابات مفتوحة أو مراعي ذات مياه ونباتات كافية لدعم الحيوانات العاشبة.
ويقول العلماء إنه من المحتمل أن هذه الغزلان كانت مصدراً غذائياً مهماً للحيوانات المفترسة، بما في ذلك البشر الأوائل. وتدعم أحافير حيوانات تشبه الظباء نظرية موائل المراعي.
وتفضل هذه الحيوانات عادةً المساحات المفتوحة على الغابات الكثيفة، لذا تُساعد أحافيرها في إعادة بناء المشهد الطبيعي القديم كمناطق عشبية أو شبيهة بالسافانا.
وتقدم هذه الدراسة أول دليل مباشر على وجود أسلاف البشر في مناظر ساندالاند الطبيعية المغمورة حالياً، مُتحديةً بذلك المعتقدات السابقة حول الحدود الجغرافية للإنسان المنتصب.
وتُسلّط الدراسة الضوء على الدور الحيوي الذي تلعبه المناظر الطبيعية المغمورة في تتبع تطور البشر وهجرتهم عبر جنوب شرق آسيا.
ويُبيّن بيرغوس وفريقه كيف يُمكن للجمع بين الأساليب الجيولوجية والأثرية والبيئية القديمة أن يكشف عن فصول مفقودة من تاريخ البشرية مُخبأة تحت سطح البحر.
وبين 14 ألفاً وسبعة آلاف عام مضت، أدى ذوبان الأنهار الجليدية إلى رفع مستوى سطح البحر العالمي بأكثر من 120 متراً، ما أدى إلى غمر سهول ساندالاند المنخفضة، واضطرت مجتمعات بأكملها إلى الفرار إلى الداخل أو إلى جزر أعلى.
وتُعدّ أحافير مضيق مادورا جزءاً واحداً فقط من لغز يمتد عبر قارات وآلاف السنين. ومع تقدم تكنولوجيا الاستكشاف تحت الماء، يأمل العلماء في الكشف عن المدن والمزارع والذكريات التي خلّفتها المياه في الأراضي الغارقة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية