الناصرة – «القدس العربي»: تعتبر عسقلان واحدة من المدن الفلسطينية التاريخية العريقة، التي توالت عليها الحضارات لكونها ساحلية ومحاطة بسهول زراعية وقريبة من مصر وفيها طالما كشف علماء الآثار عن موجودات أثرية نادرة آخرها ما يلقي الضوء على أطعمة ومشروبات سكانها في الفترة الرومانية والبيزنطية قبل نحو 2000 سنة.
في تنقيب أثري جديد وخلال أعمال بناء منتزه عام في الجهة الجنوبية من المدينة المطلة ناحية غزة تم الكشف عن موقع لإنتاج النبيذ والمشروبات والغذاء في تلك الفترة التاريخية القديمة.
كما كشف النقاب عن معصرة لصناعة النبيذ ومنشآت عتيقة لصناعة أوان فخارية خاصة بـ إعداد الطعام من الأسماك وأون أخرى لصناعة صلصات خاصة بالسمك.
ويوضح باحثون في علم الآثار أن المطبخ الروماني- البيزنطي سبق المطابخ الحديثة بقرون كثيرة جدا في تحضير صلصات خاصة بالسمك عرفه سكان حوض البحر المتوسط وقتذاك .
وتحاشيا لإزعاج سكان المدينة بروائح هذه الأطعمة فقد تم إنشاء ورشات إعدادها نحو كيلومترين من حدود مدينة عسقلان القديمة التي تم استبدالها بتسمية إسرائيلية (أشكلون) بعد احتلالها في 1948.
ويوضح الباحث دكتور وليد أطرش لـ «القدس العربي» أن الحديث يدور عن مكتشف أثري نادر لافتا لوجود منشآت قليلة جدا كهذه في منطقة حوض البحر المتوسط. منوها أن هذه المنشأة الغذائية تعكس انتشار المذاق الروماني- البيزنطي في مجال الغذاء وأنماط الطعام لأطراف الامبراطورية بعيدا جدا عن روما، كما هو الحال في الكساء.
وبعدما تم هجران المنشأة الغذائية أقيمت قريبا منه معاصر نبيذ لاستغلال وفرة كروم العنب المنتشرة في منطقة الساحل الفلسطيني الجنوبي وفي القرن الخامس ميلادي تم تشييد دير بيزنطي يشمل كنيسة فاخرة اعتمد رهبانه في معيشتهم على إنتاج النبيذ بواسطة ثلاث معاصر.
ورغم تهدم الكنيسة داخل الدير فقد نجت بعض آثارها التي تعكس فخامتها كاللوحات الفسيفسائية المتقنة والألواح الرخامية الفاخرة. وقريبا من الدير ومن معاصر النبيذ تم العثور على آثار معمل لصناعة الأواني الفخارية والزجاجية المعدة لتخزين وتسويق وتصدير النبيذ. ويوضح أطرش بهذا السياق لإغلاق وهجران هذه المنشآت التي تشمل معاصر النبيذ ومعمل إنتاج الأواني الفخارية بعد الفتوحات العربية – الإسلامية في القرن السابع ميلادي ولاحقا تم استخدام آبار المعاصر لمستودعات للمياه وأخرى مقابر للحيوانات حيث عثر على كمية كبيرة من عظام الخيل والحمير في داخلها. وبهذا السياق أوضح الشيخ عبد الرحمن عوض الله (90) المهجر من بلدة سدود المجاورة لـ عسقلان ومقيم اليوم في رام الله أن المنطقة كانت تمتاز حتى 1948 بمساحات واسعة من الكروم على طول ساحل البحر المتوسط، لافتا لازدهارها.
وقال إن بعض أشجار الكرمى كانت تحمل وحدها 24 صندوقا من العنب في موسم القطاف. وأوضح عوض الله لـ «القدس العربي» أن التربة في منطقة عسقلان وسدود رملية وغنية جدا بالمياه الجوفية لدرجة أن السكان المحليين والفلاحين كانوا يحفرون لعمق أقل من متر واحد حتى تخرج المياه الحلوة من الأرض. ويتابع «اشتهرت بلدنا سدود بالعنب لكن أجود أنواعه وأشهاه وأكثره حلاوة هو عنب بلدة بربرة المجاورة. وقد سمعت أكثر من مرة كيف كانت بعض الباعة في أسواق الخضار والفواكه في يافا ينادون بصوت عال: «بربرة يا عنب. في مجال العنب في فلسطين كانت السمعة لـ الخليل والفعل لـ بربرة ومع ذلك نعترف لـ الخلايلة بأنهم الأمهر في إعداد مجففات العنب «الزبيب»، الذي تم تسويقه وبيعه في أرجاء البلاد. ولا يتفاجأ عوض الله من اكتشاف معاصر النبيذ في منطقة عسقلان. وقال إن ازدهار كروم العنب فيها حتى النكبة هي استمرار لتقاليد زراعة أشجار الكرمى منذ قرون.

