صورة ليلية لمنصة استخراج غاز في حقل ظهر البحري المصري
إسطنبول – الأناضول: مع اشتداد أزمة الطاقة العالمية والسعي الحثيث للدول الأوروبية لاستبدال الغاز الروسي، تمثل مصر أحد البدائل المطروحة في شمال افريقيا، خاصة بعد تحولها السريع من بلد مستورد للغاز في 2015 إلى بلد مُصدِّر له بدءاً من عام2018.
فمصر أكبر مستهلك للغاز الطبيعي في إفريقيا بنحو 65 مليار متر مكعب في 2021، وفق بيانات «وكالة الطاقة الدولية» أصبحت ثاني أكبر منتج للغاز في افريقيا بعد الجزائر، متفوقة حتى على نيجيريا، التي تملك أكبر احتياطي للغاز في القارة السمراء
. واحتياطاتها تضاعفت بعد اكتشاف شركة «إيني» الإيطالية حقل ظهر الغازي البحري في 2015 وبداية الإنتاج رسمياً في يناير/كانون الثاني 2018، وحققت الاكتفاء الذاتي في سبتمبر/أيلول من العام نفسه، بعد أن كانت تستورده في الفترة بين 2015 و2017. ويبلغ احتياطي الحقل ، وهو الأكبر في حوض البحر الأبيض المتوسط، 30 ترليون قدم مكعب، ما رفع إجمالي احتياطيات البلاد إلى 63 ترليون قدم مكعب، بدءًا من يناير/كانون الثاني 2021.
وتحتل مصر المرتبة الخامسة افريقياَ من حيث احتياطات الغاز بعد كل من نيجيريا (207 ترليونات قدم مكعب) والجزائر (159 ترليون قدم مكعب) وموزمبيق (100 ترليون قدم مكعب) وموريتانيا (100 ترليون قدم مكعب). إلا أن قرب مصر من الأسواق الأوروبية المتعطشة للغاز مكَّنها من جذب نحو 12 مليار دولار استثمارات أجنبية في حقل الظهر لوحده، والتحول بسرعة إلى أحد أكبر المنتجين للغاز في افريقيا. وتنتج مصر حالياً 73.4 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا، منها 28 مليار متر مكعب من حقل ظهر، حسب بيانات «صندوق النقد العربي»، ما يتيح لها فائضاً قابلاً للتصدير يتراوح ما بين 8 و9 مليارات متر مكعب سنوياً.
ورغم أن الكمية المتاحة للتصدير محدودة ولا يمكنها تعويض انخفاض الغاز الروسي المصدر إلى أوروبا، والذي كان يفوق 150 مليار متر مكعب سنوياً، إلا أنه يساعد الدول الأوروبية خاصة إيطاليا وفرنسا في تنويع إمداداتها من الغاز.
ومع دخول 28 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي كإنتاج إضافي سنوي، أصبحت مصر توفر مئات ملايين الدولارات المخصصة لاستيراد الغاز، بل والحصول على عائدات بمليارات الدولارات من تصديره، ما ساعد على تقليص فجوة العجز التجاري الهائل للبلاد. في 2015، عندما كانت البلاد تستورد الغاز، بلغ العجز التجاري 53.4 مليار دولار، لكنه تقلص إلى 38.3 مليار دولار في 2020، متراجعا بـ 28.3 في المئة، بعد اكتشاف حقل الظهر وبداية الإنتاج والتصدير بكميات متصاعدة.
وتراجع إجمالي الواردات من 72 مليار دولار في 2015 إلى نحو 63.5 مليار دولار في 2020، ما يعكس التأثير الملموس لحقل الظهر في الاقتصاد المصري، إلى جانب عوامل أخرى طبعاً. كما أن قيمة صادرات الغاز ارتفعت بنسبة مذهلة بلغت 768.2 في المئة ما بين عامي 2020 و2021، وصعدت من 456 مليون دولار إلى نحو 3.9 مليار دولار، في الفترة نفسها. وساهمت صادرات الغاز في بلوغ مصر أكبر قيمة لصادراتها الإجمالية في تاريخها، حيث بلغت 31 مليار دولار في 2021، بزيادة تقدر بنحو 27 في المئة.
ومع زوال تأثيرات جائحة كورونا، وتضاعف أسعار الغاز بسبب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، فمن المتوقع أن تتضاعف أكثر مداخيل مصر من صادرات الغاز. فقد بلغت صادرات البلاد من الغاز خلال أربعة أشهر الأولى من العام الجاري، نحو 3.9 مليار دولار، أي ما يقرب من إجمالي صادرات العام الماضي بأكمله، ومن المتوقع أن يبلغ مع نهاية 2022، نحو 10 مليارات دولار. وصدّرت مصر 8.9 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال في 2021، و4.7 مليار متر مكعب في الأشهر الخمسة الأولى من 2022، وفقا لبيانات «رفينيتيف إيكون»، ما يجعلها ثالث أكبر مصدر للغاز في افريقيا.
ومن شأن ارتفاع مداخيل الغاز زيادة قيمة الصادرات وخفض أكبر لعجز الميزان التجاري، لكن ذلك لن يكون له تأثير كبير بالنظر إلى التضخم العالمي لأسعار السلع التي تستوردها البلاد، ما يعني بالمقابل زيادة قيمة الواردات أيضاً. من جهة ثانية يجب ملاحظة أنه ليس فقط إنتاج وتصدير الغاز هو ما يجعل مصرا لاعباً أساسياً في قطاع الطاقة بحوض البحر الأبيض المتوسط، بل امتلاكها بُنية تحتية لتخزين وتسييل ونقل الغاز المُسال مما سهل لها العودة مجددا إلى سوق تصدير الغاز على عكس دول إفريقية تملك احتياطات أكبر على غرار موريتانيا. فبالرغم من أن اكتشاف حقل السلحفاة/احميم قبالة السواحل الموريتانية السنغالية في العام نفسه الذي اكتشف فيه حقل الظهر المصري (2015)، إلا أن الأول لم يبدأ الإنتاج والتصدير بعد إلى غاية العام المقبل، بينما لم يستغرق دخول حقل الظهر سوى 28 شهراً لانطلاق الإنتاج.
فمصر كانت في فترات مختلفة من تاريخها دولة مصدرة للغاز ولو بكميات متواضعة، ما دفعها في حينه إلى إنشاء خزانات ومصانع تسييل الغاز وموانئ خاصة لتصديره. لكن زيادة استهلاك البلاد من الغاز لإنتاج الكهرباء، بالتوازي مع ارتفاع عدد السكان فوق 100 مليون نسمة، أدى إلى إغلاق منشأتين قرب دمياط لتسييل الغاز مخصصين للتصدير في 2012. غير أن الوضع أصبح مختلفاً حالياً، إذ عاد مصنعا دمياط لتسييل الغاز إلى لعمل بطاقتهما القصوى، ما زاد في حجم صادرات الغاز المسال خاصة إلى جنوب أوروبا.
يشار أن المنشأتين تعملان أيضاً عل تسييل الغاز البحري الإسرائيلي المنقول بخط أنابيب لإعادة تصديره في الناقلات المُبَرَّدة إلى الأسواق في أوروبا خصوصاً. كما أن توجه مصر نحو الطاقات المتجددة سمح بتوفير كميات أكبر للتصدير، ناهيك عن الاتفاقية الموقعة بين مصر وإسرائيل والاتحاد الأوروبي، في يونيو/حزيران الماضي، لزيادة حجم الصادرات إلى القارة العجوز لمواجهة تراجع الإمدادات الروسية إلى أوروبا.
ولزيادة ثقلها السياسي والاقتصادي، شكلت مصر بالتنسيق مع إسرائيل «منتدى غاز شرق المتوسط» في 2019، ضم ستة أعضاء (مصر، وإسرائيل، واليونان وقبرص الرومية، وفلسطين، والأردن)، واحتضنت القاهرة مقره الرئيسي. فاكتشاف حقل الظهر الغازي، مكن مصر من حل أزمة الكهرباء، وقلص الفجوة الهائلة بين الواردات والصادرات، ولعبت الحرب الروسية الأوكرانية دورا في زيادة الأهمية الإستراتيجية للبلاد ضمن سعي أوروبا لتنويع مصادر الطاقة بعيدا عن موسكو.
غير أن الإنتاج الهام للغاز في مصر، والذي وضعها في المرتبة الثانية إفريقيا، يقابله استهلاك كبير، ما يقلص من حجم صادراتها التي وضعتها في المرتبة الثالثة إفريقيا. كما أن الشركات الأجنبية تستحوذ على نصف حصص حقل الظهر، وبالتالي فإن الأرباح التي يحققها قطاع الغاز لا تستفيد البلاد منها كلها، بل يحول جزء منها إلى الخارج، ما يعكس الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها البلاد وتراجع قيمة الجنيه المصري، مع استمرار الفجوة الكبيرة في الميزان التجاري.