لندن ـ «القدس العربي» ـ وكالات: أعلنت إثيوبيا، أمس الجمعة، اكتمال 90٪ من أشغال بناء سد النهضة، فيما اعتبرت مصر أن استمرار الممارسات الأحادية يشكل استمرارها خطراً وجودياً على 150 مليون من مواطنيها.
وقالت نائبة رئيس مجلس منسقية مشروع سد النهضة، فقرتي تامرو، إن السد واجه تحديات وضغوطا دبلوماسية وحرباً داخلية، ومع ذلك تمكن الإثيوبيون من إنجاز هذا المشروع. كما أعلن المجلس عن احتفالية اليوم السبت بمناسبة الذكرى الـ12 لوضع حجر الأساس للسد.
في المقابل، تحدث هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري المصري، خلال الجلسة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه، عن مخاطر خطوات أديس أبابا «الأحادية».
وقال في كلمته : «يواجه عالم اليوم تحديات متزايدة لتوفير احتياجات المياه وضمان استدامتها، وذلك مع استمرار التطور الإنساني والنمو السكاني المتزايد».
وزاد: «في إطار الجهود المتضافرة لمواجهة تلك التحديات، فإنه من الضروري عدم التعامل مع المياه وكأنها سلعة اقتصادية، فالمياه كالهواء، لا غنى عنها للبقاء الإنساني، ومن ثم تصبح المياه شرطاً مُسبقاً لضمان حق الإنسان في الحياة، وبالتبعية سائر حقوق الإنسان».
تغير المناخ
واعتبر أن «تغير المناخ أضاف مزيداً من التعقيدات التي تواجه مساعي توفير المياه وضمان استدامتها، وتترتب على ذلك تحديات إضافية أمام الأمن الغذائي، وهو ما يبرز على وجه خاص في المناطق القاحلة والتي تعاني ندرة مائية».
وأوضح أن مصر «خير مثال للدول التي تعاني من هذه التحديات المُرَكَّبة المترتبة على تغير المناخ والندرة المائية».
وزاد: «مصر هي دولة المصب الأخيرة بنهر النيل، ومن ثم فهي لا تتأثر فحسب بالتغيرات المناخية التي تجري في حدودها، وإنما،عبر سائر دول حوض النيل بأسره». كما أنها «تعاني من وضعية ندرة مائية فريدة من نوعها دولياً، فمن ناحية، تأتي مصر على رأس قائمة الدول القاحلة باعتبارها الدولة الأقل على الإطلاق من حيث معدل الأمطار بين كافة دول العالم، ومن ناحية أخرى، يبلغ نصيب الفرد من المياه سنوياً نصف حد الفقر المائي، وتعتمد مصر بشكل شبه مطلق على نهر النيل بنسبة 98٪ على الأقل لمواردها المائية المتجددة، وهي الموارد التي يذهب ما لا يقل عن 75٪ منها للإسهام في استيفاء الاحتياجات الغذائية للشعب المصري عبر الإنتاج الزراعي، علماً بأن قطاع الزراعة يمثل مصدر الرزق لأكثر من 50٪ من السكان».
ووفق سويلم، لأن «مصر لديها عجز مائي يصل إلى 55٪ من احتياجاتها المائية التي تبلغ 120 مليار متر مكعب، فإنها تقوم باستثمارات هائلة لرفع كفاءة منظومة المياه لديها تعدت الـ 10 مليارات دولار حتى تاريخه، كما تقوم بإعادة استخدام المياه عدة مرات في هذا الإطار، وتضطر لاستيراد واردات غذائية هائلة بقيمة حوالى 15 مليار دولار».
القاهرة تحدثت عن خرق للقانون الدولي ولاتفاق إعلان المبادئ الموقع عام 2015
وبين أن «وجود تعاون مائي فعَّال عابر للحدود يُعد بالنسبة لمصر أمراً وجودياً، لا غنى عنه. ولكي يكون مثل هذا التعاون ناجعاً، فإن ذلك يتطلب مراعاة أن تكون إدارة المياه المشتركة على مستوى الحوض باعتباره وحدة متكاملة، بما في ذلك الإدارة المتكاملة للمياه الزرقاء والخضراء».
كما يتطلب ذلك، حسب قوله «مراعاة الالتزام غير الانتقائي بمبادئ القانون الدولي واجبة التطبيق، لا سيما مبدأ التعاون والتشاور بناء على دراسات وافية، وهو المبدأ الذي يُعد ضرورة لا غنى عنها لضمان الاستخدام المنصف للمورد المشترك وتجنب الإضرار ما أمكن».
«ممارسات أحادية»
وفي هذا السياق، تحدث عن «أخطار التحركات الأحادية غير الملتزمة بتلك المبادئ على أحواض الأنهار المشتركة، والتي يُعد أحد أمثلتها سد النهضة الإثيوبي الذي تم البدء في إنشائه منذ أكثر من 12 عاماً على نهر النيل دونما تشاور، ودون إجراء دراسات وافية عن السلامة أو عن آثاره الاقتصادية والاجتماعية والبيئية على الدول المتشاطئة، وتستمر عملية البناء والملء بل والشروع في التشغيل بشكل أحادي، وهي الممارسات الأحادية غير التعاونية التي تشكل خرقاً للقانون الدولي بما في ذلك اتفاق إعلان المبادئ الموقع في عام 2015 ولا تتسق مع بيان مجلس الأمن الصادر في سبتمبر عام 2021، كما يمكن أن يشكل استمرارها خطراً وجودياً على 150 مليون مواطن».
وواصل : «بالرغم مما يتردد من أن السدود الكهرومائية لا يمكنها أن تشكل ضرراً، لكن حقيقة الأمر، أن مثل هذه الممارسات الأحادية غير التعاونية في تشغيل هذا السد المبالغ في حجمه يمكن أن يكون لها تأثير كارثي، ففي حالة استمرار تلك الممارسات على التوازي مع فترة جفاف مطول قد ينجم عن ذلك خروج أكثر من مليون ومئة ألف شخص من سوق العمل، وفقدان ما يقرب من 15٪ من الرقعة الزراعية في مصر، بما يترتب على ذلك من مخاطر ازدياد التوترات الاجتماعية والاقتصادية وتفاقم الهجرة غير الشرعية. كما يمكن أن تؤدي تلك الممارسات إلى مضاعفة فاتورة واردات مصر الغذائية».
«روح التعاون»
ومع تمسك مصر بـ«روح التعاون والتشاور البناء فيما بين الدول المتشاركة لموارد مائية عابرة للحدود» فإنها تؤكد، وفق سويلم على «ضرورة عدم الانجراف إلى إيلاء الأولوية لمكاسب طرف بعينه على حساب خسارة الآخرين، حيث لن يكون من شأن ذلك إلا تقاسم الفقر بما قد ينجم عن ذلك من توترات، في حين أن إيلاء الأولوية للتعاون السليم بحسن نية يمكن أن يُفضي بنا وبسهولة إلى تعظيم المكاسب، ومن ثم تقاسم الرخاء والازدهار للجميع». وتعمل مصر في إطار استراتيجيتها التعاونية على «تعظيم المكاسب الممكنة من الترابط ما بين موضوعات المياه والغذاء والطاقة والمناخ، سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي أو الدولي» تبعا للوزير المصري. وتتمسك دولتا مصب نهر النيل، مصر والسودان، بالتوصل أولاً إلى اتفاق ثلاثي على ملء وتشغيل السد لضمان استمرار تدفق حصتيهما السنوية من مياه نهر النيل وسلامة منشآتهما المائية. غير أن إثيوبيا ترفض ذلك، وتقول إن السد، الذي بدأت تشييده قبل أكثر من عقد «ضروري من أجل التنمية، ولا يستهدف الإضرار بأي دولة أخرى». وتوقفت المفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان بشأن قواعد ملء وتشغيل السد منذ ما يقرب من عامين، عندما شرعت إثيوبيا بشكل أحادي في الملء الثاني لخزان السد، وانسحاب مصر والسودان من المفاوضات التي يقودها الاتحاد الأفريقي. وتصاعدت حدة التوترات بين الدول الثلاث عقب ذلك بشكل أكبر عندما أكملت إثيوبيا الملء الثالث للسد في آب/ أغسطس الماضي.