الآباء المؤسسون أحياء عند شعبهم يكرمون

حجم الخط
0

مالك التريكي

توفي الزعيم الحبيب بورقيبة يوم 6 نيسان (ابريل) 2000. لكن لم يقيض للتونسيين أن يعبروا تعبيرا علنيا حرا عن حزنهم إلا يوم الأربعاء الماضي. أي بعد أحد عشر عاما كاملة من وفاة الأب المؤسس. ذلك أن الطاغية قد حرم التونسيين من الحق في إقامة جنازة تبرز مكانة بورقيبة في وجدانهم وتليق بمقامه في تاريخهم. كما منع نقل وقائع الجنازة تلفزيونيا وأمر، بدل ذلك، ببث برامج وثائقية عن الطبيعة والحيوانات! لم يستطع الطاغية أن يمنع مجيء شخصيات مثل ياسر عرفات وعبد العزيز بوتفليقة والأمير مولاي رشيد وجاك شيراك فاضطر، على كره منه، إلى التظاهر بالمشاركة في تشييع الجنازة لكنه منع نقلها تلفزيونيا ليحرم أبناء تونس وأحباءها من المشاركة في توديع بورقيبة. وكان قد حدث له قبل ذلك بأقل من عام أن تظاهر بالمشاركة في تشييع جنازة الملك الحسن الثاني، فإذا بالكاميرا تباغته متلبسا بالملل والتثاؤب… هذا رغم (أو ربما بسبب) أن بن علي لم يكن شيئا مذكورا أمام الحسن الثاني، أيا كانت وجوه المقارنة حتى لو تعلقت بالقمع والبطش، مثلما ألمع إلى ذلك الكاتب الفرنسي جيل بيرو (الذي ألف عام 1990 كتاب ‘صديقنا الملك’، ثم وضع التوطئة لكتاب ‘صديقنا بن علي’ الذي أصدره الصحافيان نيكولا بو وجان-بيار توكوا عام 2001)، عندما قال ‘إن الانتقال من (الحديث عن) الحسن الثاني إلى بن علي هو بمثابة انحدار من أرستقراطية الجريمة إلى رداءة حالكة بائسة ـ رداءة بلطجي في مدينة صغيرة’. ولا شك أن السببين الأصليين لـ’رداءة’ مسلك بن علي ‘الحالكة البائسة’ أثناء الجنازتين هما رذيلة العقوق تجاه الآباء وعقدة النقص إزاء الكبار. ولعل الحسن الثاني قد ساهم، دون قصد، في مزيد ‘انحدار’ بن علي في العقوق والدونية عندما اتصل به، بعيد ‘الانقلاب الطبي’ عام 1987، ليطلب منه إكرام بورقيبة بتمكينه من قضاء السنوات الأخيرة من عمره في أحد قصور الدولة. إذ كان زعيم تونس التاريخي من نظافة اليد بحيث لم يملك من ‘وسخ دار الدنيا’ شيئا: لا مال، ولا مسكن، ولا سيارة، و’لا حتى بيسكلتة’ (كما قال الأستاذ باجي قائد السبسي) ولا يحزنون. لكن الطاغية أبى واستكبر. ‘لم يرحم ولم يرد لرحمة الله أن تنزل’، رغم أن الحسن الثاني عرض شراء قصر صقانس في المنستير وإهداءه لبورقيبة.. شهامة منه وبرا بشيخ طاعن عليل كان بينه وبين أبيه محمد الخامس أخوة ومودة. إلا أن عقدة النقص هي أغلب لدى بن علي من العقوق. ولولا ذلك لما كانت تلك القصص الشاذة مع الجنائز! فقد حدث له، مثلا، أن أمر بالاقتصار على جنازة عائلية عندما علم أن الجموع كانت تريد الخروج لتشييع المذيع نجيب الخطاب الذي كان يحبه التونسيون (والذي ربما لا يزال يتذكره بعض العرب ممن خفقت قلوبهم لملحمة المنتخب الوطني التونسي في مونديال 1978 في الأرجنتين). كان الطاغية يغار من الشخصيات التي تحظى بالشعبية، ويظل يغار منها حتى بعدما يدركها الموت! كانت عقدة الدونية لديه عقدة قوية لأنها لم تكن نتيجة نقص موهوم بل كانت نتيجة نقص حقيقي.

وليس أدل على خيبة مسعى الطاغية من أن التونسيين دأبوا، منذ انتصار الثورة، على التدفق بالآلاف لتلاوة الفاتحة على ضريح بورقيبة في المنستير. آلاف من جميع الأجيال، حتى من الشباب الذين لم يتح لهم أن يعرفوا هذا الرجل النادر المثال. شباب سعى الطاغية إلى قطعهم عن ثقافة البلاد وإلى محو ذاكرتهم الوطنية. لكنهم رأوا من صدق عاطفة الأمهات والآباء نحو الزعيم التاريخي ما جعل ضمائرهم الفتية توقن أن علاقة تونس المعاصرة ببورقيبة هي بحق علاقة العائلة بالأب. الأب المحبوب بكل ما فيه من الخصال والعيوب.

لم يأل الطاغية جهدا في اغتيال بورقيبة. فأيهما اليوم حي، وأيهما ميت؟ لقد دفن المستبد الرديء في كفن الخزي حيا. وصار، فور الموت بالفرار، نسيا منسيا. أما بورقيبة، فقد وهبه الله مع العمر أعمارا فإذا هو أملأ بمعنى الحياة، وبرفعة القيمة التاريخية وعطر السيرة الإنسانية والسياسية واتصال الدعاء له بالرحمة والمغفرة، من جميع الطغاة الذين يظنون أنفسهم على قيد الحياة. طغاة ‘الرداءة الحالكة’ أموات ولو تنفسوا. أما أولو العزم من أجيال المجاهدين والآباء المؤسسين فلا يموتون، بل هم أحياء عند ربهم وعند شعبهم يكرمون.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية