المثنى الشيخ عطية
بسبب كونها قصيرة، محدودة المساحة مقارنةً بالرواية؛ تخلقُ القصةُ القصيرةُ لكاتبها تحدّياً، يمكن الإقرار أنه لا يُقارَن بالتحدّي الذي تخلقُه الرواية، لكنّه تحدٍّ لا يحيد عن تحدّيات الإبداع؛ حيث يجدُ الكاتبُ نفسَه، كلما قَصُرت قصَّتَه أكثر، أمام معانٍ مجازية تُلخِّصُها عبارة النفّري الشهيرة: “كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة”. وتضع قصتَه القصيرة تحت نار تحدّي الأبعاد الفنية والمعنوية التي يمكن مدّها في مساحةٍ محدودة، بين يدي قارئ لن يخطئ التمييز، أنّى كانت سعةُ تجربته في تمييز الفن، بين خاطرة محدودةٍ بقيمة الخاطرة، وقصّةٍ قصيرة تُولِّد في رأسه الدهشةَ من سعة القصة الفائضة عن متَّسعها، المحدود أمام ناظريه، وغير المحدود في داخله.
لا تبتعد مجموعة القصص القصيرة التي نشرتها الكاتبة والمترجمة السورية ليندا حسين تحت عنوان “الآباء يركضون” عن تحدّيات امتداد الأبعاد في القصص القصيرة التي تميّز معظم قصصها، بطول الصفحة، ونصف الصفحة، والفقرة التي تصل إلى حدود السطرين بما يمكن تسميته قصة اللقطة. ولا تُخفي القصصُ بتنوع أطوالها تَميُّزَها الذي يثير الانتباه بالبساطة، في مدخل القصة وجريانها وقفلتها ولغتها، كما في منظومة سردها، لكنها تُظهِر كذلك مدى ما تثيره من تساؤلات، لا تدخلُ في كهوف الغموض بقدْر ما تخلق من احتمالاتٍ يُكمِلها القارئ بما يخصُّ حياته من قصص.
وفي هذا التضاد بين البساطة والاحتمالات، تكمن نجاحات قصص المجموعة، بتفاوتٍ يصل إلى مستويات عالية في فصلها الثالث المعبّر عن فهم تحدّي الامتداد في المساحة وخوضِه بجرأةٍ خلّاقةٍ، مثلما يحدث في قصةِ “بخط اليد”، حيث: “على الجدار الزجاجي لمحطة المستشفى الجامعي، ألصقَ أحدُهم قُصاصة َورقٍ كُتب عليها: “عزيزي توبياس، الحيُّ الغربيُّ ليس شارعا ً ولا حيّا ً صغيراً! بحثتُ عنك طوال الأسبوع الماضي هنا ولم أجدْكَ… أين يجب أن أبحث عنك أيضاً؟ إذا حدث وقرأتَ رسالتي هذه أرجوك اتصل بي. ملاحظة: آسفة جداً على ما حدث!/ سابينا”.
أبعاد التمدّد:
من تساؤل الدهشة كيف يمكن لقصاصةِ ورقٍ على جدارٍ زجاجي في محطّةٍ أن تكون قصّةً قصيرةً مميَّزة بفيضانها عن مساحتها، يمكن لقارئ هذه المجموعة أن يضع بُعد “الالتقاط الذكي” عنصراً لتشكيل قصة قصيرةٍ ناجحة، تولِّد نهايتُها بداياتٍ في ذوات القراء، وهذا أحد أهم عناصر الفن بمختلف أشكاله. وأن يضيفَ إلى هذا بُعدَ “المعنى الخفيّ” داخل الحدث الظاهر، كما يحدث في القصة الخامسة من الفصل الثالث “كلب شتيفي الهرم”، التي تُكرّر فيها شتيفي حديثها للناس في الشارع عن كلبها الذي كبر وتباطأتْ حركته، في كناية عن شعورها بحقيقة الفقد القادم الذي لا تريد مواجهته، وربما لتهيئ نفسها له. وكما يحدث كذلك في القصص الأطول من ذلك، مثل قصة “النفق الحلزوني المظلم”، التي تُطوِّر وتُغْني فيها حسين هذا البعد بتداخل المعاني، من خلال فتح نفق الخوف لكسْره، لدى قمر الشرقية كما يدل اسمها، والتي تخاف المسافة بين المسبح الذي تستر بمياهه جسدَها، والحمّامات، حيث تشعر أن الجميع ينظر إلى جسدها؛ ولدى تيريزا وأنطونيو الغربيين الذين يتجلّى خوفُهما في نفق المياه المنحدر، حيث يمسكان بأيدي بعضِهما لكسر الخوف، باعثَيْن الشعور أن الحياة جميلةٌ، لدى قمر التي تدرك أنها أسيرة خوفها.
ويمكن للقارئ كذلك إضافة بُعد “التعبير المكثَّف”، المضغوط سائلاً كما لو في أنبوبة صغيرة لا تتعدّى السطرين، لكنها تتيح له استخدامها في ذاته لقصص طويلة، مثلما يحدث في قصة “بيتنا القديم”، حيث: “قلتُ له أني فرحتُ عندما رأيت ضوءا ً متوهجا ً في بيتنا القديم وأناسا ً جدداً قد سكنوه. وتلك كانت كذبةً عليه. كذبة على نفسي، وعليه”.
كما يمكن للقارئ إضافة الكثير من أبعاد ما يكتشفُ من فنيات القصة التي يُولِّدها امتدادُ الأبعاد.
أبعاد البنية والسرد:
في أبعاد التكوين، تضع ليندا حسين مجموعتها في بنية تتكون من ثلاثة فصول هي: “كل شيء تقريباً على ما يرام”، ويضمُّ أربعاً وعشرين قصة قصيرة يغلب عليها طول الصفحة للقصة، وتحدث قصصها كما يبدو في مدينة اللاذقية وقرى الساحل، مصوِّرةً حياة الدعة والروتين والعادات ومجريات الحياة التي “تسير على ما يرام”، في حيوات أهالي الساحل من عمال ومعلمين وطلاب وموظفين وعاطلين عن العمل وجنود وضباط عاملين ومتقاعدين، منصاعين وهاربين من عسكرة الانصياع. مع تصويرها خيوط التململ والتمرد على هذه العادات، في إدخال حسين كلمة “تقريباً” على فصلها الذي يهتزُّ إلى ما لا يرام بهذه الكلمة الكاشفة ما تخفي حياة الدعة من فسادٍ، أولاً: في تمرير حسين فيلمَ المخرج السوري أسامة محمد “نجوم النهار”، كما يبدو من خلال ذكر ما ارتبط به من هزّ لحياة الساحل والحياة الثقافية السورية في الحقيقة بكوميديته السوداء. وكذلك منع للفيلم، دون ذكر اسمه، في قصة “تلك الشوكولا العزيزة”، التي تعالج مسألة ارتباط الأشياء بالأشياء، في حياة المراهَقة والنضج، وعودتها للذاكرة كلّما تكرّرت تلك الأشياء، مثل ارتباط طعم الشوكولا لدى الفتاة التي ذهبت لأول مرة إلى السينما بالشوكولا التي تناولتْها مع خالتها بعد الفيلم، ويعود طعمها كلما ذهبت إلى السينما، حيث:
“جلستُ برهبة في المقعد نفسُه الذي جلس فيه جدّي من قبل، لكني لم أضحك ضحكتَه الرزينة، بل فغرتُ فمي مذهولةً. ولأنّني لم أكن أعرف أنَّ الأفلام تُشاهَد بالعين، اعتقدتُ أّنها تُبتَلَع ابتلاعاً، ففتحت فمي على وسعه، وابتلعت ُ الأصوات َ، وحزنَ الممثّلين، والعتمةَ، ورائحةَ الغبارِ الغامضة، والستارةَ الحمراء، والضوءَ المتدفّقَ من الشاشة الكبيرة. ابتلعتُ ذلك كلّهُ بنهمٍ، وكأنه آخر فيلم سأتمكّن من مشاهدته طوال حياتي، فقد انتابني شعورٌ أنّهم لن يعرضوا علينا ثانيةً مثل هذا الفيلم”.
وثانياً: من خلال تصوير حسين دخول الحرب في قصة “حمزة” التي تعرض حالة الأم التي ذهب ابنها للقتال في “جبهة لا تعرفها” وعاد نصفه، إشارة إلى ما حدث في الساحل من ذهاب الشباب إلى الحرب، سواء بالطوع أو القسر، ومن تصويرٍ لمحاولات الهروب من التجنيد في الجيش الوطني رفضاً لهذه الحرب، وهرباً من الموت فيها، كما في قصة “الإوزات المتوحِّشات”. وهي الوحيدة التي يتغيّر فيها السّرد إلى سرد الراوي العليم عن نفسه، كرجلٍ هارب من الخدمة العسكرية في الجيش الوطني الذي يعود المجنّدون فيه إلى قريتهم بتوابيت، ويعاني هو من الملل وقلّة النقود وعدم وجود ما يكتبُ عنه في القرية التي يختبئ فيها، كصحفي سابق، حيث لا شيء يتحرك سوى الإوز المهاجر.
ويجري هذا التصوير من قبل حسين، بعيني الراوية الساردة العليمة الوحيدة، طفلةً ومراهقةً وامرأةً، بأبعادٍ محدودةٍ للقصة، لكنها مفتوحةٌ على الإكمال باحتمالات ما ينعكس في ذات القارئ، كما في أسلوب قصصها المتعددة الأبعاد بتغيّر وتداخل المكان في فصليها اللاحقين: الثاني “وجوه” الذي تعرض فيه أربع قصص، يتغير فيها المكان جزئياً إلى حياة الجامعة، والثالث “ذلك الماضي” الذي تعرض فيه حسين 32 قصة مميزة بتداخل بلاد المهجر، وبشمول الأسلوب أكثر لهذا التداخل في داخل القصة فنياً، وبقِصَر معظم القصص إلى حدودِ قصةِ اللقطة المميَّزة بتمدّد الأبعاد.
وفي هذه البنية، لا تراعي حسين عَقْد قصصها بسلسلة العنوان الذي مثَّل قصَّةً من فصلها الأول، بصورة مباشرة، كحبّاتٍ تتمحور حول موضوع عام تنبني عليه مستويات مواضيعٍ متشابكةٍ ببعضها، وإنما هي اختارت على الأرجح، ما يعكِس القيمة الإنسانية التي تتضمنها القصص ككل، مع فجيعةِ الإنسان بما يفقد، وجريان الحياة خارج الفاقد الذي يتوقف عنده الجريان. فالأبُ يجري راكضاً بطفلته، صارخاً من ألم الخوف على فقدها، ويشدّه بئر الذكريات العميق إلى الأسفل بعد الفقد، في الوقت الذي تستمر الحياة بروتينها المعتاد لدى جارته التي راقبت ما حدث.
أبعاد تميّز الأسلوب:
إلى جانب ذكاء اللقطة، وخفاء المعاني، وكثافة التعبير، وامتداد الأبعاد، تُميِّز حسين أسلوبها القصصي بالاهتمام في إيراد الاسم لكل شخصية، في جميع قصص المجموعة، كتأكيد على احترام قيمة الفرد، وتجنّب تشييئه، في عالم تنمحي فيه الشخصيات والملامح. وتزيد حسين ذلك التأكيد، من خلال عرض النظر في العينين، في قصة “موسيقا” التي تعالج شخصية عازف الهارمونيكا المتكسّب منها “خوسيه”، في محطة قطارات دوسلدورف التي لا ينظر فيها أحد بعيني أحد.
كما تُميِّز أسلوبَها بالشاعرية التي تتجاوز الواقعية في قصص الفصل الأول إلى التوشيح بسحر الشاعرية في فصلها الثالث، وبالأخص في القصص التي تعرض الحب، كما يحدث في قصة “الولد الذي يشبهه” الطويلة المغايرة لطول القصائد المعتاد، بستة مقاطع مرقّمة. وهي تتضمّن الخوفَ المَجَازيَّ الذي كُتب على عصفور الدوريّ منذ بدء الخليقة، حتى في دفء كف تحتضنه، ودفءَ احتضان الصلح في السرير بعد مشاجرةٍ طويلة، وشاعريةَ الحبّ حدّ العشق، وتفاصيلَ عشق المحبوب، وغيرةَ العاشقة عليه، ورغبتَها في تكراره بالولد الذي يشبهه، حيث: “تتركين النافذة مفتوحة للّيل. تحسبين حساب مائة حمامة ستأتي لترقد عندكما الليلة، تُمرّرين أنفكِ على ظهره وتغمضين عينيكِ على رائحة سهول بعيدة”.
ليندا حسين: “الآباء يركضون”
دار أثر للنشر والتوزيع، الدمام 2021
112 صفحة.