بوعلام غبشي
لم تعكس نسبة المشاركة السياسية في الانتخابات التشريعية الفرنسية بدوريها الاول والثاني، النزول المكثف للناخبين الفرنسيين الي صناديق الاقتراع في الرئاسيات الاخيرة، وعاد اليمين الحاكم من خلال تنظيمه اتحادا من اجل حركة شعبية ليصبغ باللون الازرق غالبية الدوائر السياسية، الا ان ما ظل يطلق عليه الموجة الزرقاء طيلة الحملة الانتخابية، في اشارة الي مد الحزب الحاكم، أخفقت في ان تغمر الحيز الاكبر من الخريطة الانتخابية، عكس انتظارات الكثير من الملاحظين.
وضمنت نتائج هذه التشريعيات اغلبية مريحة لساركوزي، واكدت ان الغالبية من الفرنسيين يرون فيه الرجل السياسي الوحيد الذي بامكانه ان يفتح بابا علي الامل لمواطنيه، باختلاف انتماءاتهم الشرائحية. وحصول سيد الاليزي الجديد علي اغلبية يمينية، ستسعفه في تعبيد الطريق له، للدخول العاجل في تنفيذ برنامجه الاصلاحي الذي شكل قاعدة في استقطاب الناخبين لصفه السياسي، مستغلا ترهل المعارضة وعلي راسها الحزب الاشتراكي، الذي وإن كان الدور الثاني من هذه الانتخابات، صان له كبرياءه بحصوله علي عدد مقاعد يفوق ما جناه سنة 2002، امام اغلبية لا تفوت الفرص عليها لاحتقاراسلوبه، والتنقيص من قيمة افكاره، فالحروب الصغيرة تنظيميا نالت من قواه كثيرا. واكبر خسارة لحقت باليمين الحاكم، كانت هي عدم تجديد سكان بوردو الثقة في الرجل الثاني في حكومة فيو الان جيبي، الذي عينه ساركوزي وهو في اوج نشوة الفوز بالرئاسيات، كرجل ثان في الحكومة، بوصفه وزير دولة، مكلفا بحقيبة البيئة والتنمية والتهيئة المستديمة، طبقا لما وعد به الرئيس المنتخب نشطاء العمل البيئي، بتوقيعه لما سمي بالعقد الايكولوجي، ايام حملته الانتخابية، والذي تمحورت بنوده حول ادراج سياسة واضحة تجاه الشأن البيئي بما يمكنه ان يخدم مستقبل هذا الكون، وكانت الشخصية السياسية التي تزن كثيرا يمينا، والمؤهلة لشغل هكذا منصب هو الان جيبي، الا ان عجزه في اجتياز عقبة التشريعيات جرده من كل شرعية شعبية، مما ارغمه في اعقابها علي تقديم الاستقالة من الحكومة، انسجاما مع روح الديمقراطية، وكذا الشرط الذي حدده رئيس الجمهورية لوزراء حكومته لضمان بقائهم علي كراسيهم الحكومية.
واجبار صناديق الاقتراع الان جيبي، كأحد صقور حكومة بداية الولاية الساركوزية علي الرحيل المبكر من المسؤولية الحكومية، اربك حسابات الرئيس المنتخب، الذي كان يعول علي الوزير الاول السابق كثيرا، كرجل سياسة له تجربة كبيرة في تسيير الشأن العام، واحد المعروفين بتكوينهم العالي في العمل السياسي، حتي ان جاك شيراك قال في حقه يوما، انه اكبر عباقرة الصف اليميني، الا ان ساركوزي عمل كل ما في مقدوره كي لا يظهر تأثره بهزيمة جيبي في عقر داره، كي لا يعطي الانطباع انه في صورة الرئيس الذي تلقي اولي الصفعات الشعبية. واستدعي الي مكتبه بالاليزي ممثلي الصحافة، وحاول ان يبدو في حالة استرخاء غير معني بما جري، حيث تحدث لرجال الصحافة، وهو يدخن سيجارة من النوع الكوبي. وعلي طريقته، سعي ان يمرر خطابا علي لسانه، يفيد انه في وضعية نفسية مريحة، علي الرغم من ان نتائج الانتخابات التي لم تكن في مستوي تطلعات مناضلي حزبه، التي اتت علي جيبي كأحد اهم فيلة الاتحاد من اجل حركة شعبية.
وتعويض جيبي في الحكومة اليمينية لم يكن بالامرالهين علي ساركوزي ووزيره الاول فيو، وتردد اسم شخصية سياسية وحيدة لها من الوزن الشعبي ما يمكنه ان يشغل ثمة فراغا تركه الرحيل النهائي لوزير البيئة عن الحكومة المشكلة حديثا، وهو وزير الاقتصاد بوغلو الذي عين بهذا المنصب قبل ما يزيد عن الشهر، ولو انه وضع الرئيس المتنخب وزملاءه من مناضلي الحزب في موقف صعب، عندما اطلق تصريحات بخصوص الرفع من الضريبة علي القيمة المضافة قبيل الدور الثاني، مما لم يستحسنه، ليس زملاء له فقط من المرشحين للتشريعيات، بل ساركوزي شخصيا، اذ اعاب عليه عدم اتقانه للرد علي الوزير الاول السابق، ووزير الاقتصاد في حكومة جوسبان، الان فابيوس، في مواجهة تلفزيونية بشأن هذا الموضوع. ومع ذلك بقي المرشح الوحيد المؤهل، كما تاكد من خلال اختيارالرئيس، لخلافة جيبي. ولم تفرز هذه التشريعيات وجوها متحدرة من الاقليات المغاربية وحتي الافريقية، وانتقد بشدة عزوز بقاق احد وزراء حكومة شيراك، والذي دخل في مواجهة مع ساركوزي، عندما كان وزيرا للداخلية، علي خلفية ما صدر من هذا الاخير في حق شباب احد الاحياء الشعبية، التصويت الاشقر، الذي لا يؤمن حتي الآن بتمثيلية ملونة بالجمعية الوطنية، ويعطي الامتياز في كل المحطات السياسية للفرنسيين من اصول فرنسية. وتعيين رشيدة داتي، وهي من اصل مغربي علي راس وزارة العدل، علي الرغم من المهام الصعبة التي تنتظرها، وزميلتها ميا، وهي من اصل سنغالي ككاتبة الدولة مكلفة بحقوق الانسان، ثم فضيلة عمارة مؤسسة جمعية ليست بعاهرات ولا خاضعات ككاتبة الدولة مكلفة بسياسة المدينة، جاء ليضمن وجود هذه الاقليات في تسيير الشأن السياسي بباريس، ومحاولة من الرئيس المنتخب لتجسيد شعار حملته الانتخابية الذي دعا الي العيش الجماعي بمنأي عن اي انتماء كيفما كان شكله، ومحاولة منه للحفاظ علي جسور التواصل مع الفرنسيين من اصول مغاربية او افريقية، التي ظلت شبه مقطوعة بفعل سياسته الامنية الصارمة التي انتهجها، لما كان الشرطي الاول بفرنسا، وسببت في مناسبات مختلفة في اصطدامات مع شباب الاحياء الشعبية المتحدرين من اصول افريقية او مغاربية، كما عرفت انحرافات بوليسية.
ونجح نيكولا ساكوزي في نخر احزاب المعارضة من الداخل بتبنيه لما سمي بسياسة الانفتاح، حيث استقطب اليه ما يزيد عن عشرين برلمانيا من حزب الوسط، منح لبعض منهم حقائب وزارية اهمها وزارة الدفاع، كما تسلل لصفوفه قياديون من الحزب الاشتراكي وفي مقدمتهم برنار كوشنير، وزير الصحة السابق في الحكومة الاشتراكية، واحد مؤسسي منظمة اطباء بلا حدود. وبالاضافة الي نجاحه المزدوج في محطتين سياسيتين، الرئاسيات والتشريعيات، فرئيس الجمهورية المنتخب بنهجه لما اطلق عليه الانفتاح نجح في هد حزبين كبيرين، الحزب الاشتراكي والاتحاد الديمقراطي، اللذين كان ممكنا ان يفسدا عليه الحصول علي اغلبية آمنة، وتكبح من طاقته في اطلاق مشاريعه الاصلاحية الذي ما فتيء يلوح بها لما كان مجرد وزير في حكومتي شيراك، ثم طيلة حملته الانتخابية، اصلاحات مهما اختلفت قطاعاتها، فهي تروم القطيعة مع السياسة المعهودة في باريس، مما يتفهم التخوفات التي تسربت الي الكثير من الملاحظين علي مستقبل التوازن السياسي في المشهد السياسي الفرنسي، باعتبارالحزب الحاكم اصبح قوة ضاربة لا يضاهيها اي من التنظيمات السياسية، مما دفع ببعض الملاحظين وكذا سياسيين من المعارضة، الي وصف النظام السياسي الفرنسي بتركيبته الحالية، علي انه يسير في اتجاه نظام الحزب الوحيد.