عندما أغلقت مصر معبر رفح بينها وبين قطاع غزة أثار ذلك قلقا كبيرا، ولم يكن من الصعوبة توصل الكثيرين إلى الأسباب الحقيقية، ذلك أن الاعتقاد الذي ساد هو أن موقف الحكومة المصرية استند إلى أن قطاع غزة الذي كانت تسيطر عليه حماس كان امتدادا لنفوذ الإخوان المسلمين، وكان من التهم التي وجهت للرئيس محمد مرسي تعامله مع حركة حماس، ولكن مع الضغط على الحركة من جانب إسرائيل من جهة ومصر من جهة أخرى، فكر قادتها على الفور في عقد المصالحة مع فتح والخروج من النفق المظلم الذي ظلت الحركة محاصرة فيه.
وتمت عملية المصالحة التي أثارت وجهات نظر مختلفة سواء بين مكونات القيادة الفلسطينية أو بين القيادة الإسرائيلية والرأي العربي العام بصفة خاصة.
ونلاحظ في البداية أن صحيفة عكاظ السعودية أشارت في افتتاحيتها إلى أنه على الرغم من أهمية المصالحة التي تمت بين الطرفين فإن الأهم هو كيفية مواجهة التحديات التي تأتي بعد هذه المصالحة، وأهمها إنجاح الانتخابات النيابية المقبلة وتأليف حكومة شراكة وطنية من أجل تأمين الحراك الدولي، وكسب تأييد سياسي قوي للحكومة الفلسطينية، وترى الافتتاحية أن التراكمات التي حدثت في السنوات الماضية قد تكون من العقبات التي تواجهها المصالحة، ويحتم ذلك اختيار قيادات ذات كفاءات عالية يتم بينها التفاهم وروح العمل المشترك. ويجب أن تكون هذه الكفاءات ممثلة لجميع فصائل العمل الوطني الفلسطيني حتى لا تحدث انتكاسات كتلك التي شهدتها السنوات السابقة.
وأشارت صحيفة ‘البيان’ ‘الاماراتية’ إلى أن هذه المصالحة ربما تكون نقطة فاصلة وأملا في تحقيق المصالحة الشاملة رغم كل التحديات. وترى الصحيفة أن التوافق بين فتح وحماس ليس هو مجرد مطلب شعبي بل هو ضرورة مصيرية يستلزمها الوضع الفلسطيني الذي يواجه دائما تحديات إسرائيلية ودولية.
وبعد أن تحققت المصالحة بين فتح وحماس راجت إشاعات بأن حماس سوف تقوم بالاعتراف بإسرائيل وفق هذه المصالحة على اعتبار أن فتح فتحت بابا للمفاوضات بين الطرفين، ولكن مستشار رئيس وزراء غزة ‘طاهر النونو’ أنكر أن تكون منظمة حماس على استعداد للاعتراف بإسرائيل. وكانت صحيفة ‘الواشنطن بوست’ قد نشرت تصريحا في هذا المضمون ولكن ‘النونو’ قال إن ذلك تحريف لما ذكره لأن المنظمة وحدها لا يمكنها أن تعترف بإسرائيل.
ونسبت صحيفة ‘هآرتس’ الإسرائيلية للرئيس محمود عباس قوله إن حكومة الوحدة الوطنية ستعترف بإسرائيل وأما المحادثات فستقوم بها منظمة التحرير الفلسطينية وحدها وليس حكومة الوحدة الوطنية. وقال ‘باسم نعيم’ مستشار ‘هنية’ إنه ليس من مهمة حكومة الوحدة الوطنية أن تعالج القضايا السياسية.
وبحسب ‘هآرتس’ فإن أمام هذه الحكومة ثلاثة أهداف هي توحيد المنظمات الفلسطينبة، والتحضير للانتخابات العامة وإعادة بناء قطاع غزة.
ومن جانب آخر فإن إيران أبدت رضاها عن التوافق بين فتح وحماس، ولكنها لم تبد رأيها بشأن حكومة الوحدة الوطنية، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الإيرانية ‘مارزيه أفخام’ إن بلادها تؤيد أي توافق بين الفصائل الفلسطينية في مواجهة الاحتلال الصهيوني، وقال محللون سياسيون إن المصالحة بين فتح وحماس ستلقى دعما كبيرا من مصر لأنها ستكون من وجهة النظر المصرية سببا في انهاء التوتر في منطقة سيناء.
وقال محللون سياسيون إن وجود الرئيس محمود عباس على رأس حكومة وحدة وطنية سيكون سببا أساسيا في دعم مصر لهذه الحكومة، وقال هؤلاء إن مصر تستهدف التهدئة مع حركة حماس، وتجاوز الإحراج الدولي الذي حدث بعد قرارها إغلاق معبر رفح.
وقال المحلل ‘فايز أبوشمالة’ إن سماح مصر بإدخال عضو المكتب السياسي ‘موسى أبو مرزوق’ عبر معبر رفح يؤكد رغبتها في إنهاء الإنقسام.
وينتظر أن تقوم مصر بدور عربي من أجل حشد التأييد لعملية المصالحة.
وقال ‘رون بن يشاي’ من وجهة النظر الإسرائيلية إن ما يمنح الاتفاق الحالي شيئا من الجدية هو الجدول الزمني الذي حدد لتشكيل حكومة مؤقتة وانتخابات عامة، ومن وجهة نظره فإن اتفاقات مماثلة حدثت من قبل، ولكنها لم تطبق وهذا هو التحدي الذي يقف أمام الاتفاق الجديد، وقال ‘بن يشاي’ ما يدل على أن المصالحة مجرد خطوة تكتيكية عدم تعرضها لإطلاق سراح المعتقلين لدى كلا الجانبين.
وبصرف النظر عن هذه الآراء الفردية فقد انقسمت الآراء في داخل الحكومة الإسرائيلية حول تأثيرات هذه المصالحة على عملية السلام، ومن جانبه وجه رئيس الوزراء ‘بنيامين نتنياهو’ انتقادا لهذا الاتفاق قائلا إن حماس لا تعمل من أجل السلام وهي تدعو إلى تدمير إسرائيل، ولا تعترف بالمحرقة النازية ضد اليهود في ألمانيا، ولم يحدد رئيس الوزراء الإسرائيلي نوع السلام الذي يعنيه خاصة أن المباحثات بين إسرائيل والمنظمة استمرت سنين طويلة دون جدوى، وذلك ما أدى إلى وقفها. وفي جميع الظروف قالت وزيرة العدل وكبيرة المفاوضين الإسرائيليين ‘تسيبي ليفني’ إن إسرائيل لا تملك خيارا غير الانتظار من أجل أن ترى ما تتمخض عنه الحكومة الفلسطينية المقبلة.
ومن جانبه أكد وزير الخارجية الأمريكي ‘جون كيري’موقفا أمريكيا جديدا يتركز حول أن إسرائيل لم تبذل محاولة من أجل اقتناص فرصة السلام، ويخشى أن تتحول من وجهة النظر الأمريكية إلى دولة فصل عنصري كتلك التي كانت قائمة في جنوب أفريقيا.
وفي جميع الأحوال فلا شك أن الالتقاء بين فتح وحماس يعتبر تطورا مهما في المواجهة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي، ذلك أن الالتقاء يقرأ قراءة جيدة التحولات الحادثة في المنطقة وهي التي تحتم أن يكون هناك موقف فلسطيني موحد من أجل استخلاص الحقوق.
‘ كاتب من السودان