الأبعاد السياسية للبطل وتداعي مفهوم السلسلة في عالم السينما

هل نجاح أفلام الهيروز إلى يومنا هذا في شباك التذاكر في أغلب دول العالم وفي المواقع الإلكترونية وبقية الوسائل تعني أن العالم بحاجة إليها؟ أم تعني العكس من ذلك تماما، بمعنى أن العالم خصوصا في الدول المتقدمة تجاوز مرحلة الاتكاء والانتظار المتمثل بالجموع المظلومة لبطل ينقذها من خانة الظلم والطغيان، فذهبت لاستذكاره واستحضاره كإرث ينتمي إلى ثقافة العالم؟ حتى لا يفوتنا ذكر ذلك، هل يمكن اعتبار السينما المنتجة لأفلام الهيروز، تحقيقا لحاجة بشرية ملِحة؟ ولهذا السبب مثلا هي تتكرر في كل عصر وفي كل حقبة؟
حيث تتخذ أشكالا ثيمية فيها من التقابل والتناظر على مستوى التأسيس والمتن، وتتضاد في التفاتات لامعة تتخلل التفاصيل المسرودة بكيفيات مختلفة. ولعله السبب الأهم في القبول المزدحم الذي تلاقيه معظم الأفكار المعاد إنتاجها في أزمنة مختلفة، وكذلك معظم المسلسلات، أو لنذهب أبعد من ذلك ونفترض وجود علاقة متينة تخفيها ألوان الشاشة البراقة بين عالمي الأبطال وعالم السياسة؟ هل أبطال هوليوود أبطال سياسيون؟
باتمان، زورو، سبايدرمان، أيرون مان، أنتي مان، ثور، والمنتقمون أفينجرز، وغيرها الكثير، كما يعرف القراء بأن هذه الأفلام هي عبارة عن سلسلة لكل واحدة منها، ومن لطائف السينما أن جمعت أبطالها في سلسلة أفلام متناغمة إلى حد ما في توريط المشاهد إلى إكمالها بل وانتظارها، فدائما الهدف المادي هو الأساس في مثل هذه الأفلام الرائجة التي صنعت المتلقي الذي تريده منذ عقود، ثم راحت تجوعه حينا وتطعمه حينا، فلا هو مصاب بالشبع والملل ولا هو منتفض عليها.
نحن اليوم أزاء أعمال فنية، تتداخل فيها الجهود من كافة المجالات لإظهار الفيلم في أفضل صورة ممكنة، لكن الذي يحتاج إلى الإشارة في خضم هذه الفوضى الجاذبة، تدّخل العامل الاقتصادي وتحقيق واردات خيالية، في كتابة السيناريو، وإذا شئنا افتراض جملة مسببات لظهور فكرة السلسلة في السينما اليوم، فهي قائمة بالدرجة الأساس على الغرض المادي، حيث أن نجاح فكرة معينة لفيلم ما، يضعه في خانة الاستهداف في جعله بداية لسلسلة، حيث ينتهي الفيلم والمشاهد لم يزل بعد في حالة جوع متفاقم لإكمال قصة ثانية، «القصة الفخ « لو صح التعبير، في ظل القصة المنغمس في مشاهدتها، وهكذا يظل المشاهد يعيش انتظارا محسوبا ومشكّلا، بحسب رغبة القائمين على هذه الصناعة. فالحاجة إلى إخراج فيلم وكتابة سيناريو محسوب الحركات واللقطات بدقة عالية، ثم إيصاله إلى تلك النقطة التي يبدو معها أن القصة توشك على الانتهاء، لكنها سرعان ما تبدأ بزرع ملامح ضبابية تصنع ثلمًا كان في السابق هذا الثلم غير متوقع، أما اليوم فهو راكز في حسبان المتلقي، ومثل قطع الليغو تبدأ الحلقة الثانية من السلسلة مكملةً ذلك الجزء الناقص، المصنوع بدراية وخبرة سنين لصنع غرف الانتظار وسبائك الترقب المصقولة بالتعطش، وبالآلية نفسها يتم دفع السلسلة إلى الختام. هذا التدخل هو من جانب يشير، بل يؤكد أن الغرضية تعلو فوق الصالح الإبداعي، ويضع الأعمال الفنية بعد أن تم تحريرها عبر نظريات مختلفة طوال عقود، من الوظيفة والأدلجة وجعلها حجرا ثانويا في اللعب السياسي والديني، إلى تدجين وأدلجة من نوع ثان تقوّض فيه القيم وتتداعى، خصوصا أنها تصدر عن شركات ومؤسسات تضع شرفةً على جبين العالم بأكمله، تنظر إليه وينظر إليها، وهي مؤسسات فاعلة ومؤثرة، ولاعبة أساس في الثقافة العالمية.

في فيلم «الماتريكس» مثلا كان الجزء الأول منه أشبه بصاروخ في عالم السينما، في الجزء الثاني احترقت الفكرة وأصبح المشاهد بانتظار إكمالها، فهي لا تزال عالقة ولم تستولد أفكارا جديدة بالاستناد إلى فكرة الجزء الأول بل بقيت تستمد طاقتها من الفكرة نفسها حتى أصيبت بالوهن

وحدة الفكرة

عادةً الأفكار المدهشة تصدمك في المرة الأولى، بل إنها تشير إلى ذلك الإدهاش من تلك المرة الأولى التي تترك انطباعا فيها على المتلقي، غير المألوف والصادم ممتزجا بخبرات المتلقي وعدم جهوزيته في الوقت ذاته، يضاف إلى ذلك عدم قدرته على استيعابها بشكل متكامل، يترك فيها شيئا من الغموض العابث، الذي يشبه الطفل، يركض هنا ويركض هناك قليلا على سطح العمل الفني، مانحًا قراءات مختلفة وعديدة تزيد من اللذاذة والتأمل. لكن لو أخذنا هذه الفكرة نفسها كمثال، واطلعنا عليها مرة ثانية، ستخبو هذه الشعلة، في المرة الثالثة، ستصبح أقل، في المرة الرابعة ستتحول إلى شيء جميل يوضع في قائمة المفضلات، وقد تميل إلى تذكره أكثر من الاطلاع عليه من جديد. هذا مع الفكرة الواحدة المستقلة، لكن ماذا لو تحولت هذه الفكرة إلى فكرة توأم، بجزأين؟ أحيانا في هذه المنطقة بالذات، يكون الجزء الثاني متممًا جيدا لإشباع فكرة عميقة وضاربة وتحتاج إلى فرصة أخرى لجعلها أكثر استرخاءً في أخذ نصيبها، فتكون هناك أفلام مؤلفة من جزأين أو ثلاثة أجزاء موفقة إلى حد ما، ومع ذلك كله، عندما نشاهد بقية الأجزاء تكون الفكرة الأساس قد احترقت، ودخلنا مرحلة جديدة من الأحداث، وهذه الأحداث لا تقوم على الجديد والمختلف وغير المألوف الذي وضعت فيه المشاهد/ المتلقي في البداية، فتبدأ معها سلسلة من الارتفاعات والانخفاضات المفروضة في سد وحشو المتبقي، ومن النادر جدا نجاح الجزء الثالث بالقدر نفسه الذي حظي به الجزآن الأول والثاني على المستوى الفني في التلقي والمشاهدة لا على حصيلة شباك التذاكر.
في فيلم «الماتريكس» مثلا كان الجزء الأول منه أشبه بصاروخ في عالم السينما، في الجزء الثاني احترقت الفكرة وأصبح المشاهد بانتظار إكمالها، فهي لا تزال عالقة ولم تستولد أفكارا جديدة بالاستناد إلى فكرة الجزء الأول بل بقيت تستمد طاقتها من الفكرة نفسها حتى أصيبت بالوهن، في الجزء الثالث أصيبت بالعجز، وما أضاف إلى انحساره التدريجي هو تغيير بعض الممثلين بآخرين للشخصيات نفسها التي ظلت حاضرة في كل الأجزاء. بينما لو أخذنا «العراب» كمثال ناجح عن الأفلام متعددة الأجزاء، سنجد واحدا من أسباب نجاحه (أجزاء أو سلسلة ) هو الفترات الزمنية المتباعدة بين جزء وآخر، والذي صاحب هذه المسافات الزمنية الكثير من التحولات اللاحقة على مستويات اجتماعية وثقافية وتكنولوجية وبيولوجية على مستوى اختلاف عمر الممثل وتغير هيأته، ما أعطى مصداقا وثبوتات جوهرية ناصعة تتماشى مع قصة الفيلم، ولم تحتج إلى التلفيق. موضوع الفيلم المتعلق بالمافيا ساعد أيضا على استيلاد أفكار مكملة تحمل طاقتها الشخصية، وتمد حبلا رفيعا إلى الفكرة الرئيسية، يشير إلى كونها فكرة متممة، وهي بذلك يمكن مشاهدتها بطريقتين كأجزاء مستقلة وسلسلة أحيانا، ولابد من الالتفات إلى أن الفكرة كانت تستدعي فكرة أخرى تسند القصة وتُشبعها، أي أنها لم تتعرض لعملية الإقحام كما يحصل في كثير من الأفلام وهذا الحديث ينطبق على الأعمال الفنية في مجالات أخرى، ذلك لاعتبارات قائمة على تشابهات جوهرية تتخذ من الفكرة والتفكير والرؤية والرؤيا مزيجا سحريا يوضع في آلات إخراج العمل الفني فنقول هذا فيلم وهذا رسم وذاك شعر.
«سيد الخواتم» مثال على نوعية الأفلام الرائعة التي تعرضت للظلم بفعل الدافع الربحي، على الرغم من كونه ينتهي في ثلاثة أجزاء بشكل تام عند أي مشاهد، ولكننا فوجئنا بأجزاء لاحقة اتخذت من زوايا هامشية في القصة الأساس مادة لها، تملؤها الثغرات وكثرة الحشو والتكرار، هذا غير الأفلام التي تبدأ جادةً وتعلوها الصرامة والحدة ثم تتحول بلا مبرر في أجزاء لاحقة إلى أفلام تحمل طابعا كوميديا يتخلل المشاهد والحوارات.

بالنسبة للبطل والمتلقي، فالمجتمعات المتقدمة لا تحتاج في ظل الثورة التكنولوجية والميول نحو الفردانية وصناعة العيش بشكل يتناسب عموديا مع الفرد أكثر من كونها أفقية كما في السابق إلى الأبطال والمنقذين

البطل والمتلقي

نحن أمام مظلومية كبرى تتعرض لها الأفلام ذات الأفكار الثمينة، انتهاك مبرمج يوما بعد يوم من قبل الشركات المصنّعة، مرة في إعادة إنتاج أعمال سينمائية قديمة، ومرة في مطّ القصص والأفكار خارج حدود قدرتها على الإضاءة وتوليد الإشارات، بحجة السلسلة.
أما بالنسبة للبطل والمتلقي، فالمجتمعات المتقدمة لا تحتاج في ظل الثورة التكنولوجية والميول نحو الفردانية وصناعة العيش بشكل يتناسب عموديا مع الفرد أكثر من كونها أفقية كما في السابق إلى الأبطال والمنقذين، فنجد أن المنتمي لتلك البلدان يشاهد أفلام «البطل»، كقصص متعالقة مع سرديات تاريخية وأخرى ميثولوجية، تبعث المتعة والراحة وكسر رتابة وصلادة الحياة وقسوتها ذات المنطق الدسم الذي هو واحد من إفرازات الفلسفة المادية التي تنخر المجتمعات الغربية. بينما قبالة هذا المتلقي/ المشاهد، يوجد المشاهد المنتمي لدولة منسحقة وشعب متأخر في ظل منعرجات سياسية خائضة ومولّدة للخراب، لا يحظى بأبسط حقوقه، ولا يوجد من يعوض ويسد حاجته النفسية والعضوية والروحية أيضا، فيلتجأ ويميل إلى الشخصيات المقدسة، ويتخذ من صورة المنقذ والبطل التي تتشكل وتتفرع في حياة مجتمعات بأكملها طلبا للحياة، ومحاولة في تخليق الأمل، فيبدو المنقذ الهوليوودي منقذا مألوفا وصديقا قيّما، حيث ثمة علاقة حميمة تربط بينهما، فهذا المتلقي رأى ويرى ويعيش مع أبطاله المقدسين المتوارثين منذ ولادته، وحاجته إلى البطل والمنقذ تجذّرت بفعل الثقافة الشعبية والشفاهية المحكية المتصدرة لسلوك الفرد، المساعِدة في إنتاج القيم بدورها. وبذلك نحن أمام نوعين من التلقي يُحسم من خلال ثقافة المجتمع ومدى تطوره وعلاقتهما بالسياسة.
في الحقيقة أن القضية برمتها فيها شيء من الظرافة، فنحن اليوم أزاء أبطال يمتلكون قدرات خارقة ويمثلون مجموع القيم والأحلام غير المتحققة بما فيها من نقص إنساني يبتغي تحقيق حاجات نفسية وترويحية، لكن هؤلاء الأبطال يتقاضون أجورا عالية لتحقيق رغبة المشاهد! أبطال صنيعة شركات ما تزال تعزز هذه الأفكار المستهلكة بتغليفها وطرحها بشكل مختلف، يشبه تبادلا للحاجات، إلا أنه يحدث على ضفتين، يمنحون المشاهد حاجته المعنوية التي هيئوا لها مسبقا، ويتقاضون قبالتها حاجتهم المادية.
احتلت أمريكا العالم عبر الاقتصاد القوي، وصناعة السينما، خصوصا وهي تصدّر الثقافة الأمريكية بكل أطيافها وجماعاتها إلى العالم، واضعةً المتلقي في حالة تنميط مركّزة، يسعفها التكرار والانتشار، ومع مرور الوقت يجد نفسه مخترقا ومتآلفاً مع أبطال أمريكيين ينقذون الكوكب من الدمار، وهم المعادل الموضوعي لكفة الخراب التي تتسبب بها الحكومات الأمريكية المتعاقبة، فحتى في حروبها الماضية كانت السينما تعرض لنا الجيش الأمريكي كجيش بطولي ومنقذ لم ينتهك ثقافات ومجتمعات وثروات ولم يقتل مئات الآلاف من الناس، ومثل ذلك إظهار السياسيين والقادة في برامج كوميدية، تقرّبهم وتجعلهم محبوبين من الجماهير، وهم بذلك يزيحون الخوف والارتباك من خلال هذه اللعبة، التي يظهر فيها من يمتلك بحركة من إصبعه تدمير العالم، وكأنه إنسان بسيط واعتيادي يمكنك أن تأخذ معه سيلفي، وتحاوره وتطلب منه في برنامج ما أن يؤدي خدعةً أو يقول نكتةً. قبل مدة قصيرة أدّت سكارليت جوهانسون دور وزيرة للخارجية الأمريكية مع الممثــــل سيث روغن في فيلم « long shot»، وظهرت فيه جوانب إنسانية عميقة واحتياجات عاطفية تم التعبير عنها من خلال علاقة حب حدثت بين الشخصيتين داخل الفيلم، وفي أحد حوارات الفيلم هناك مشهد تعبّر فيه وزيرة الخارجية الأمريكية وهي تحدث حبيبها عن الحب والخوف الذي تحسّه من الحب، رغم أنها كانت مع صدام حسين في مصعد واحد ذات يوم ولم تشعر بمثل هذا الخوف، إنه أمر مضحك صراحةً، كيف يتم إرسال الرسائل الملونة والمدسوسة من خلال القصص الغارقة بالإنسانية والحب والرومانسية الحالمة، هذا التآلف مع العالم عبر السينما وقربهم من الناس في كل مكان عبر أدوار مختلفة تشتغل في المنطقة نفسها، يجعل المشاهد يشعر بشيء من الأمان والطمأنينة، بل سيرى بالتأكيد أن أمريكا صديقة الشعوب لا عدوتها، وإن الحروب هي حروب إنقاذ، وإن الحكومات التي كانت سببا في إسقاطها لم تكن لمصالح اقتصادية وسياسية في المنطقة، بل بهدف إزالة السلطات الديكتاتورية وأحيانا لاستهداف شخصيات دينية متطرفة مثل ابن لادن وصدام حسين وغيرهم، بل إنهم يتعكزون على مثل هذه الشخصيات المتطرفة أو الديكتاتورية ليظهروا بهيئة الحمل. لعل ارتباط السياسة الاستحواذية وطبائع الهيمنة الاقتصادية على مقدرات الشعوب بصناعة السينما، وتصدير أبطال أسطوريين وأبطال يمثلون الحياة اليومية، بوجود رؤية سياسية أكبر هو أسوأ ما يمكن أن يتعرض له عالم السينما.

٭ كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية