أتذكر تلك الحادثة التي مرت عليها سوات طوال حين زار مغني الراي مدينتنا ليُحيي حفلا فنيّا ساهرا. دفعني الفضول إلى أن أتسلل بين الحاضرين لأشاهد كيف يتفاعل الشباب والشابات مع مختلف أغانيه. أجساد تتحرك مع عود الثِّقاب تُشعل فتيل الرغبة والهوس بالخيالات التي ترسمها الأغاني البذيئة والصاخبة. قلت في نفسي هكذا يُحوِّلُ الرَّيع الشَّباب إلى مجرد فائض للرأسمال في حساب مغني الراي، وتأكدت أن هذا المغني استطاع في ظرف وجيز تكوين دوائر من المتعاطفين مع تجربته الفنية، تُحرِّك قلوب الشباب إليه وتدافع عنه، تلك الظاهرة وسمتها بظاهرة الأثاث الثقافي وهم يشبهون الحريم والغلمنة الثقافية، كما في ألف ليلة و ليلة لتزيين بلاط السلطان، وفهمت أن القاعدة الاقتصادية التي تقول؛ إن صناعة القارئ تجر معها صناعة العصبية لدى الجمهور، وهو ليس جمهورا بمعنى الكتلة القارئة، وإنما بمعنى «بريستيج» الكاتب؛ يشبه تماما «حريم السلطان»، يدور حول الكاتب الكبير جدا، وكأنهم حريمه ينتقيهم بعناية تامة، والغريب أن هذه الصناعة السائلة تجرُّ معها من نُسمِّيهُم بالذكران الثقافي، وهم كذلك الطبقة الثانية ممن يدورون في فلك الروائي الكبير أو روائية كبيرة، يؤثثون بلاط البيع بالتوقيع..
إن معمارية القصر الثقافي تحتاج إلى هذا النوع من الأثاث الثقافي؛ إلى الجواري والمحظيات ممن يروجون لسلعة السلطان، يعلنون الحرب ضد بعضهن البعض حين تدخل جناح الحريم الثقافي جارية جديدة تُهدِّدُ عرش الجواري. هكذا هي لعبة جواري الرواية أو حريم الكاتب، أي كاتب أو كاتبة سواء في الغرب أو الشرق، خصوصا مع ذلك التَّعميم الرهيب لقيم الرسملة، تتغير الأدوار بين لعبة الحريم إلى لعبة الغلمان.
لطالما طرحت على نفسي لماذا كل هذا التعصب لروائي أو روائية ما؟ فبمجرد أن كتبت مقالا نقديا صغيرا عن كاتبهم المحبوب سارعت تلك المحظيات وأولئك الغلمان إلى اتهامي بالحسد واحتقار البضاعة الوطنية. تلك العصبية التي تنتج قبيلة من المتابعين لا تبصر الجمال، بقدر ما تضع التَّاج على رأس كاتب، قد لا يستحق كل تلك النُّعوت التي تُطرح عليه وكأنها أقمشة الهند التي تتزين بها الحريم في مخادع الولاء. من الطيب أن يلتف القراء حول أديب ما، ولكن من البلاهة أن تتحول المحبة إلى خلايا نائمة تستعملها الحاجة كقوة تزييف تبني وعيا مغشوشا بنصوص أقل ما يقال عنها أنها بلهاء تنتج شقاء وسقوطا جماليا غريبا. إن الرواية القوية لا تحتاج إلى كل ذلك التَّقوُل والهجوم على النقد بقدر ما تحتاج إلى فتح كل ذرائع النقاش واسعا، لبحث الظاهرة بكل سماحة ومحبة، أما أن تتحول دوائر المحبين إلى خلايا نائمة يستعملها أديب ما في صراعاته مع خصومه فهذه تؤدي إلى سقوط مدوٍ للأدب برمته. سيتحول هؤلاء مع مرور الوقت إلى جنود في ثكنة خارج النَّص تحرس أسوار الكاتب أو لنقل السلطان الثقافي، أو بمعنى أدق وبلغة مغايرة؛ يصبح هؤلاء «كارد كور garde du corps « يحمون السلطان الثقافي من أي هجوم نقدي، وفي غالب الأحيان لا يتحرج الروائي من النقد، بقدر ما تنتقل إليه حساسية اهتزاز العرش الأدبي من طرف هؤلاء الحريم أو الذكران الثقافي الذين يلتفون حوله، أو حولها في شكل حُرَّاس نوايا، يزينون ديكور هذه السلطة الثقافية.
لست ضد الحريم ولا الذكران الثقافي، بل ضد أن تتحول هذه الظاهرة إلى عصبة أو جماعة وظيفية تتحرك بإيعاز. أنا ضد التحيز الثقافي الذي يظهرهم بمظهر المؤمنين بهذا الكاتب الأوحد.. وضد الانغلاق الثقافي على الكاتب الواحد، ومع النقاش والحوار الثقافي، وانفتاح المجال على كل صنَّاع النصوص في تاريخنا الأدبي.
لم أزل أقلب هذه الفكرة جيدا حتى تبادرت إلى مخيلتي صورة ذلك الذكر الثقافي حين عرضت عليه موقفي من كاتبته المفضلة جدا، وقلت إنها مجرد كاتبة لما يطلق عليه «الرواية الوردية» فثارت ثائرته ونعتني بأبشع الأوصاف كالحاسد والحاقد على نجاح الكاتبة الكبيرة جدا في سماء الإبداع، التي لم تعطه يوما شرف شرب كأس قهوة معها. مع أنني لا أنكر أبدا أنها كاتبة متميزة، بل ما فهمته أنه يكتب لها رسائل تشبه التقارير عن أعدائها المحتملين وهي تهدهده مثل ولدها، الذي لم يبلغ رشده بعد، وتشكو إليه عقوق النقاد. إن هؤلاء سيتحوَّلُون مع الوقت إلى مجرَّد بكائين في موكب جنائزي مهيب، لتبدأ فصول النُّواح عن سيرة ذاتية تُحكي بأشكال مختلفة، وتتورط السيرة في أصل هذا الكاتب الذي ينتمي إلى الأشراف أو الأنبياء، حكاية الرجل الأبيض نفسها، التي بنت مجد الغرب الحديث على السيطرة وحب التملك، لكن يتم تغليف الحكاية في إطار تراجيدي، البطل الذي شق له سبيلا جديدا في دروب الكتابة والمعنى.
لست ضد الحريم ولا الذكران الثقافي، بل ضد أن تتحول هذه الظاهرة إلى عصبة أو جماعة وظيفية تتحرك بإيعاز. أنا ضد التحيز الثقافي الذي يظهرهم بمظهر المؤمنين بهذا الكاتب الأوحد.. وضد الانغلاق الثقافي على الكاتب الواحد، ومع النقاش والحوار الثقافي، وانفتاح المجال على كل صنَّاع النصوص في تاريخنا الأدبي.
تساهم ظاهرة الغلمنة والحريم الثقافية في تقزيم دور الجيل الجديد من الكتاب والروائيين، الذين يعملون تحت سلطة هذا الريع الثقافي للحصول على اعتراف من السلطة الثقافية المكرسة، وبالتالي يتحولون بشكل ما إلى طبقة من طبقات الريع، هذا النسق الثقافي يستلب ويُفرغ العملية الإبداعية من خصوصيتها الإجناسية، ليتم تحويل رهيب تحت عنوان الإخصاء الثقافي، الذي يتعرض له كل من يشتغل في فلك كاتب كبير أو كاتبة كبيرة، وبالتالي يتميع الحقل الثقافي، بل تضيع مهمة الكتابة والتجايل ككل، ويتم تحويل الأدب إلى مجرد حقل سائل يعج بالنفاق وصناعة السيولة الثقافية التي تؤسس لأخلاق الرسملة الجديدة، وهي أخلاق بعيدة عن الأخلاق الفطرية للمجتمع، ليصبح الكاتب الكبير جزءاً من نظام الرسملة والتعويم الثقافي، وكذلك يتحول الحريم والغلمان إلى قيم رأسمالية تتحرك داخل فضاء هذا الكاتب أو ذاك. على الحريم والغلمان أن يتحرروا من تاريخ العبودية لما هو مكرس وسائد، عليهم أن يرسموا مسارا جديدا للجمالي والأدبي، وأن يساهموا في خلق نوع من الاقتدار الثقافي ليخرجوا من زمرة هذا الإسمية المقيتة «حريم وغلمان» التي تحمل في عمقها مدلولات سلبية تحيل على الخضوع والخنوع، وعلى كل ما من شأنه أن يجعل الجمالي والأدبي يسقط في الابتذال، ويجعل ما هو أدبي في أيدي غير مسؤولة، وفي يد طبقة تتحرك داخل لغة الأمر، لأن هذه الطبقة لا تملك حرية الفعل والكتابة إلا تحت لغة التقليد وحذو النَّعل بالنَّعل، تلك العبودية الثقافية لا يمكنها أن تمنحهم القوة والصلابة. ويمكنها أن ترهن تاريخ الكتابة الأدبية الوطنية لتعيش التكرار الأبله للنموذج.
كاتب جزائري