القاهرة ـ «القدس العربي»: بدت مصر في صحف أهلها أمس الاثنين 18 يناير/كانون الثاني.. كعكة يريد الأثرياء التهامها، فنجيب ساويرس رجل الأعمال الأكثر ثراءً عاتب السلطة، لأن القطار السريع المقرر تدشينه بميزانية تقدر بـ360مليار جنيه لن يمر أولاً بالغردقة، حيث “الجونة” المدينة التي يمتلكها شقيقه سميح ساويرس، والتي تعد ملاذ الأثرياء، أولئك الذين يعيشون خلف الأسوار الشاهقة، فيما مصر الشعبية تواصل البكاء على “تركة” عبد الناصر التي تلاشت، وأبرزها شركة الحديد والصلب، التي تقرر تفكيكها بعد تفاقم خسائرها.
وأمس الاثنين اتحد كتاب يمقتون الاشتراكية مع خصومهم الذين يعتنقون مبادئ ثورة يوليو/تموز إذ ندد الجميع بالتخلي عن ذلك الصرح، وأمس أيضا أغلق وزير قطاع الأعمال أي باب للأمل في التصدي لمشروع إغلاق شركة الحديد والصلب، ما أسفر عن موجة من الهجوم تتعرض له الحكومة التي تزعم دعم القطاع العام أمام الكاميرات، وفي الصحف، بينما في الحقيقة ماضية بإصرار يثير الريبة على تفكيك كل الصروح المملوكة للدولة تباعاً، حسب رأي قوى المعارضة، إذ قال الدكتور هشام توفيق وزير قطاع الأعمال العام، أن خسائر شركة الحديد والصلب مستمرة منذ 23 عاما، وحسم الوزيرالأمر، «قولاواحدًا لا يوجد بديل لتصفية شركة الحديد والصلب». وأضاف توفيق، تم تقسيم الشركة، حيث أن المناجم سوف تستمر في عملها، بينما مصانع الشركة سيتم إغلاقها وتعويض العمال. من جانبه أعرب مصطفى بكري، عضو مجلس النواب، عن أسفه بشأن تصفية شركة الحديد والصلب قائلا، أن الدكتور هشام توفيق وزير قطاع الأعمال العام، لا يتحدث بحسابات مجردة، إضافة إلى أنه لا يمتلك معلومات حقيقية، وأوضح أن المديونات البالغة تسعة مليارات جنيه، التي يتحدث عنها وزير قطاع الأعمال، قديمة وليست جديدة، مضيفًا أن وزارة قطاع الأعمال لم تحاول إيجاد حل لهذا الموضوع. وأكد بكري على أن وزير قطاع الأعمال، لم يزر الشركة ولم يرها، وله توجهات مسبقة بتصفية شركات قطاع الأعمال العام، معقبًا: «رجل له توجهات بهذا الشكل أتوقع منه أيه». ولفت إلى تصريح وزير قطاع الأعمال «شركة الحديد والصلب ماتساويش 10 صاغ»، مستنكرًا: «ده تصريح وزير يقوله؟ هذا الرجل يصرح حسب توجهاته السياسية».
ومن أبرز الأخبار: قال رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، خلال جلسة مجلس النواب، إنه تم خفض معدل الفقر في مصر لأول مرة منذ 20 عاما، حيث كانت نسبة الفقر في ارتفاع مستمر، حتى سجلت أعلى مستوى لها ووصلت إلى 32.5% في عام 2017/2018، ثم انخفضت لتصل إلى 29.7% خلال عام 2019/2020، لافتاً إلى أن جميع المناطق على مستوى الجمهورية شهدت انخفاضاً في نسبة الفقراء، لكن الانخفاض الأكبر كان في ريف الوجه البحري بنسبة 4.73%، يليه ريف الوجه القبلي 3.79%. ومن التقارير التي احتفت بها الصحف: غادرت صباح الاثنين أولى رحلات شركة مصر للطيران متجهة إلى العاصمة القطرية الدوحة، بعد توقف ما يقارب الثلاثة أعوام ونصف العام، وفي ضوء قرار الدولة المصرية بإعادة فتح المجال الجوي لتسيير رحلات من وإلى دولة قطر.
جدير بنا الحزن
ليس من تعليق على قرار تصفية شركة الحديد والصلب قطاع عام.. سوى الشعور بالحزن. باعتبار أن هذه الشركة كما اعترف جلال دويدار في “الأخبار” جزء من تاريخ كفاح ونضال مصر المحروسة، بعد ثورة 1952. كانت إحدى ركائز التطلع للنهوض والتقدم، تفعيلاً للآمال العريضة التي تبنتها ثورة 23 يوليو/تموز 1952 لتوطين الصناعات الثقيلة. هذه الشركة تأسست عام 1954 استناداً إلى العلاقات الوثيقة مع الاتحاد السوفييتي من هذا المنطلق اعتمدت معدات الشركة على التكنولوجيا الروسية. كانت ثروة مصر من الفحم وسيلتها لتوفير الطاقة اللازمة لتشغيل أفرانها. ظلت الشركة تقوم بمهامها بكفاءة عالية في وقت لم يكن فيه على الساحة غيرها. استطاعت على مدى هذه السنوات خلق أجيال من الصناع المهرة للحديد والصلب، إلى جانب توفير احتياجاتنا من هذا الإنتاج. مثل الكثير من المشروعات تعرضت الشركة للإهمال والتناسي. هذا الأمر انعكس على عدم الرعاية وتلبية احتياجاتها من التجديد والتطوير، حدث ذلك في وقت تأسست فيه شركات تعتمد على التكنولوجيا الحديثة التي جعلتها تتفوق إنتاجاً وتكلفة. ضاعف من مشكلة شركة الحديد والصلب تراكم الديون مع إنتاج متخلف، وبالتالي لم يتوافر لها أي دخل لسد أجور العمالة المتضخمة والمصاريف الأخرى، بما في ذلك عوائد أصحاب الأسهم. من هنا المؤكد أنه كان صعباً للغاية اتخاذ قرار التصفية. هذا القرار استهدف الخلاص من الخسائر الفادحة، التي تصاعدت وتفاقمت على مرّ السنين. اعتقادي أن الدراسات المستفيضة انتهت إلى أن التصرف في ما تملكه الشركة من أراضٍ وعقارات في مواقع مميزة، سوف تكفي عوائدها لسداد جانب من الخسائر وأعباء تعويضات العمالة والمساهمين. الشيء المؤكد الذي يجب أن يكون درساً للدولة، هو أن انهيار هذا الكيان العملاق كان نتيجة سوء الاختيار المتواصل للعناصر التي تولت إدارته.
فلتبحثوا عن حل
رغم تأكيده على أنه ليس اشتراكيا، إلا أن مصطفى عبيد كان أحد الباكين على تفكيك الشركة العملاقة متابعاً في “الوفد”: “عن الحديد والصلب أتحدث، ذلك الصرح الصناعي الضخم الذي قررت الجمعية العمومية للشركة قبل أيام اتخاذ قرار تصفيته، بعد اثنين وستين عاما من العمل والإنتاج والتشغيل. قالوا إن خسائر الشركة المتراكمة تزايدت ووصلت حتى 9.5 مليار جنيه، وإن الحكومة عاجزة عن سداد مديونيات الشركة، وإن الحل هو التصفية، وبيع المعدات خردة، وبيع الأرض تجارياً، وتعويض العمالة، لأن الإصلاح هنا بلا جدوى، وإن التطوير يستلزم ضخ أموال كبيرة ليس في مقدور أحد تحملها. وتلك الرؤية في حد ذاتها رؤية قاصرة، محبطة، وموجعة للقلوب، وتعميمها يعني أننا لن نتطور ولن نتقدم ولن نعالج ما حولنا من مشكلات، فالإصلاح لا يعني أبداً الهروب، لا يعني التصفية، وإنما دوما هناك حلول، وهناك طرق غير تقليدية، وهناك خيال إبداعي، وهناك إرادة تغلب أي شيء، وتقر بما تشاء، خاصة أن كان الأمر يرتبط بمشكلات اجتماعية وبتاريخ طويل. أن أسوأ ما التصق بمنظومة الإدارة الحكومية في مصر عبر تاريخها الطويل هو الهروب من الأزمة بترحيلها أو تأجيلها، وفي كثير من الأحيان كان يتفتق ذهن المسؤول عن قول إن الحل هو الحل، وإن أي قطاع يُسبب أرقاً وصداعاً، فالأولى إغلاقه. بل إن الأمر وصل في بعض الأحيان إلى إغلاق مؤسسات كبرى مثل الرقابة الإدارية، بسبب شكاوى البعض منها. تتكرر الفكرة بسيناريوهات مختلفة، وفي أزمنة متعددة، وتمتد ببطء إلى صروح صناعية كبرى كانت يوماً ملء السمع والبصر. صحيح أن هناك مشكلات متراكمة صنعتها حكومات سابقة، وصحيح أن هناك إهمالاً وتجاهلاً لمشكلات صغيرة في الماضي كان يمكن حلها بيسر وبتكلفة منخفضة، وصحيح أن هناك أوجه خلل عديدة في منظومة العمالة في شركات قطاع الأعمال العام، وهي بالطبع تحتاج لإدارات احترافية، وأنظمة عمل حديثة تكافئ المحسن، وتجازي المُسيء، لكن كل ذلك يعني ألا نتخذ بجرة قلم قرار إنهاء تاريخ صرح صناعي عظيم وضخم وكانت له أوقات تألق وأيام نجاح”.
كنز فلا تبددوه
أعرب عبدالغني عجاج عن صدمته لقرار تصفية الصرح الصناعي الكبير متسائلاً في “المشهد”: “لماذا وصلت شركة حديد وصلب حلوان، التي ساهمت بقدر في بناء السد العالي وحائط الصواريخ وهناجر وملاجئ الطائرات المقاتلة، التي فتحت أبواب النصر في حرب أكتوبر/تشرين الأول إلى هذه المرحلة؟ ومن المسؤول عن تدهور الشركة، ولماذا سمحت الحكومة بأن تصل الشركة إلى ما وصلت إليه من ضعف وتهالك وخسائر؟
كيف تخسر الشركة الحكومية المنتجة للحديد والصلب مع حركة البناء والتعمير الجبارة، التي تشهدها مصر والتي لا ينكرها إلا جاحد.. آلاف المنازل بنيت.. مئات الكباري شيدت.. مئات الكيلومترات من الطرق أصبحت واقعا.. مدن جديدة تشهد بطفرة البناء والعمران، يكفي مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، على سبيل المثال لا الحصر.. ويكفى البرج الأيقوني الأطول في افريقيا.. وتكفي أكبر كنيسة في افريقيا والشرق الأوسط وأكبر مسجد. من أين وفرت الحكومة الحديد اللازم لكل هذه المشاريع؟ هل طلبت الحكومة من حديد وصلب حلوان وشجعتها على توفير الحديد اللازم لهذه المشاريع؟ اعتقد أن شركة حديد وصلب حلوان لو وفرت نصف أو حتى ربع الحديد الذي استخدم في هذه المشاريع لحققت أرباحا خيالية.. بالطبع أفهم أن الحكومة عليها أيضا تشجيع القطاع الخاص، ولكن والأهم عليها ألا تنسى شركة تعتبر من أبنائها وبناتها وتدير لها ظهرها”.
فلنتريث قليلاً
تابع عبد الغني عجاج: “زاد تفكيري في مصير حديد وصلب حلوان عندما سمعت وشاهدت في التلفزيون المصري الاتفاق مع شركة سيمنز الألمانية على إنشاء خط القطار الكهربائي فائق السرعة بمسافة 1000 كيلومتر وبتكلفة 360 مليار جنيه، المشروع عملاق ويستحق أن نفرح به، غير أنني توقفت كثيرا أمام ضخامة مبلغ 360 مليار جنيه وقلت لنفسي إذا كان القطار الكهربائي يستحق هذا المبلغ، ألا تستحق شركة حديد وصلب حلوان عشر هذا المبلغ لإقالتها من عثرتها، والإبقاء عليها كواحدة من عناصر الأمن القومي المصري.. غير أنني عدت وقلت لنفسي، لماذا نكلف الحكومة فوق طاقتها، وتمنيت أن تتيح الحكومة لشعب مصر مهمة إنقاذ حديد وصلب حلوان بطرح الشركة للاكتتاب العام، أو بطرح شهادات استثمارية باسم شهادات حديد وصلب مصر، على غرار شهادات قناة السويس الجديدة التي تبارى أبناء مصر لتوفير ما يزيد على 50 مليار جنيه في بضعة أيام ووضعها تحت إمرة الدولة والحكومة، لتنفيذ القناة التي حفرت وشقت في عام واحد في عمل أقرب للمعجزات.. ودعا الكاتب الرئيس السيسي إعادة النظر في تصفية وبيع شركة حديد وصلب حلوان، وتكليف مجموعة خبراء على أعلى مستوى، لدراسة كيفية إقالة الشركة من عثرتها وإعادتها إلى سيرتها الأولى كشركة استراتيجية من مقومات قوة مصر الصلبة والناعمة في آن.. وأدعو الله أن يوفق الجميع لما فيه خير مصر وصناعة مصر وعمال مصر”.
قطار للمحظوظين
منذ أن تم الإعلان عن قرار إنشاء القطار فائق السرعة الذي سيربط بين العين السخنة ومدينة العلمين الجديدة بتكلفة تبلغ (360) مليار جنيه، وأثيرت حالة من الجدل على وسائل التواصل الاجتماعي، وكعادة البعض والكلام لصلاح حسب الله في “الوطن”، تألق في المزايدة على هذا المشروع والحديث عن مدى الحاجة إليه، خصوصاً في ظل ضخامة المبلغ المخصص للمشروع، وكشف الكاتب عن أن المشروع يضم شبكة خطوط سكك حديدية تبدأ بخط طوله 460 كيلومتراً مربعاً، تربط بين العين السخنة وتصل إلى مدينة العلمين الجديدة مروراً بالعاصمة الإدارية الجديدة والقاهرة الجديدة، ثم وسط القاهرة ثم الجيزة، ثم أكتوبر، فمدينة السادات والنوبارية والإسكندرية، وصولاً إلى العلمين الجديدة كمرحلة أولى، تليها المرحلة الثانية بطول (200) كيلومتر تصل إلى محافظة مطروح. أن الخط قائم على فكرة (النقل الأخضر)، أي القطارات صديقة البيئة المعتمدة على الطاقة الكهربائية.. شبكة القطارات الجديدة لن تكون لنقل الركاب فقط، بل ستنقل أيضاً البضائع من الموانئ والمصانع، ولكم أن تتصوروا المردود الاقتصادي لهذه الشبكة على قطاع الصناعة، وحجم فرص العمل التي ستنتج بعد تحقيق سهولة نقل البضائع التي ستشجع المستثمرين على إنشاء المزيد من المصانع في المدن الصناعية في مختلف المناطق التي ستمر بها شبكة القطارات الجديدة، وفي رأيي أن هذه الشبكة ستكون بمثابة قناة سويس برية، تزيد وتجذب مزيداً من الفرص الاستثمارية للدولة المصرية.. وشدد الكاتب على أن ما تردد عن أن المشروع ستنفذه شركة سيمنس الألمانية منفردة غير صحيح بالمرة، حيث ستتشارك معها في التنفيذ شركات مصرية، كالمقاولون العرب وأوراسكوم وغيرهما.
لو عاش لفعل
قال وائل لطفي في “الوطن”: “إن أحد جوانب الاحتفاء بجمال عبدالناصر هو الزمن.. أو الحقائق التي يجعلها الزمن واضحة جلية، إحدى هذه الحقائق أن النكسة وقعت لأن هذا هو الإمكان المصري وقتها في مواجهة إسرائيل، أخطأ عبدالناصر بكل تأكيد في إدارة الأزمة، لكن جزءاً من الصدمة كان إحساس المصريين بأن إسرائيل عبارة عن (شوية يهود مهاجرين).. بعد كل هذه السنوات يتضح أن إسرائيل جزء أساسي من العالم الغربي، وأنها تفوق بعض دوله الكبرى في التطور العلمي إلخ، وبالتالي يتقبّل العقل العادي والمنصف فكرة الهزيمة، باعتبارها بنت الظرف الحضاري والسياسي أيضاً، يساعد على هذا التقبّل أنه مرت سنوات كثيرة وقامت الثورة الإسلامية في إيران.. ولم تُهزم إسرائيل، وحكم حزب إسلامي تركيا منذ 2002، ولم يفكر حتى في إجراء خشن ضد إسرائيل، جمال عبدالناصر هو رجل الدولة المصرية، الذي اتبع نظام التجربة والخطأ، والحقيقة أن العمر لو امتد بجمال عبدالناصر، فإنه كان سيُجري عدداً من التحولات التي أجراها خلفاؤه، لكن الأكيد أنه كان سيجري هذه التحولات بأكبر قدر من الكفاءة والنزاهة والوطنية.. كان يمكن لعبدالناصر أن يعقد سلاماً مع إسرائيل، لكنه لم يكن أبداً ليكون بكل هذا القدر من الاستعراض، والتساهل في التفاصيل، والاصطدام بالمشاعر العاطفية للمصريين. وتابع الكاتب: كان يمكن لعبدالناصر أن يصالح الإخوان المسلمين، لكنهم كانوا سيبقون في مساحة محدودة يُحدّدها لهم، لا يستطيعون بمقتضاها أن يحكموا الشارع المصري ويستولوا عليه كما فعلوا خلال خمسين عاماً، كان يمكن لعبدالناصر أيضاً أن يُفسح مساحة أكبر للقطاع الخاص، لكن ذلك كان سيتم بدون فساد أو إفساد، وبما يُحقّق مصلحة مصر وليس أي أحد آخر.. من أجل هذا يحب المصريون جمال عبدالناصر”.
فيها حاجه حلوة
حوار دار بين الأديب المغربي فؤاد زويريق وأحد الأصدقاء وكتب عنه محمد مهاود في “الوفد”: “سألني صديق: «لماذا القاهرة بالذات؟ لماذا القاهرة دون غيرها؟»، سأجيبك هنا باختصار: عليك أن تعرف صديقي أن زيارتي للقاهرة لا أصنفها ضمن الرحلات السياحية، ولا أحب ذلك، فرحلتي إليها هي روحية وعاطفية بالأساس، هي رحلة بحث عن جزء من شخصيتي المصرية الكامنة في داخلي، رحلة تلاقح وتماهٍ مع الروح المصرية الخالصة، لا أنظر إلى القاهرة كمدينة، بل أومن بها كفكر، «فكر قاهري» له أبجديات ومناهج وآليات ومبادئ عليك أن تتبناها وتتشبع بها، وستجد نفسك في النهاية ليس عاشقاً لها فحسب، بل ستكون مُنظّراً لفكرها ومدافعاً عنه حد التطرف، القاهرة أكبر من أن تُصنف كمدينة، حتى ذاك الذي يقطن بها ويعيش داخلها لا يتعامل معها كمجموعة من البنايات يقطعها نهر، بل كفكر يحمله معه أينما حل وارتحل، ومهما زار من البلدان والمدن تبقى القاهرة بالنسبة له تلك المدرسة التي لقّنته معنى الحياة، وجعلته يتذوق طعمها ويتعايش مع متناقضاتها، القاهرة نافذة تطل منها على مصر كلها، وإذا أردت أن تفهم المجتمع المصري، فعليك أن تمرّ أولاً عبر بوابة القاهرة، فحتى لو فكرتَ في زيارتها زيارة سياحية فستجد حتماً روح سعد زغلول تحوم حولك، وقلم نجيب محفوظ يسطر ذكرياتك، وأم كلثوم تتغنى بليلتك، وصلاح جاهين يسخر من دهشتك، وأحمد شوقي يُلقي أشعاره بين يديك، ويوسف إدريس يشاركك قهوتك.. باختصار ستنسى زمانك لتعانق الزمن القاهري الجميل الممتلئ جمالاً وفناً وثقافة وأدباً. هذا الكلام موجّه للشخص المصري الذي قال لي إنني أمجّد في «سندويتش الفول المعفن الذي يباع على عربية الفول المعفنة»، حسب وصفه، \هنا على هذه «العربية» تعانقك ابتسامة الناس البسطاء، ولا شيء غير مصر، هنا على هذه «العربية» تنتفي حدود الطبقية، فلا فرق بين غني وفقير، فالكل يتذوق اللقمة نفسها ويشرب من الماء نفسه ويتنفس الهواء نفسه”.
جراحه ستبقى
اتفق عبدالله عبدالسلام في “الأهرام” مع القاعدة التي تقول: “الصحافة ليست محايدة لكنها يجب أن تكون موضوعية. بمعنى أن الصحافيين لديهم مواقف وتوجهات يعبرون عنها، وهذا حقهم، إلا أنه لابد من تقديم كل المعلومات الخاصة بالقضية التي يتناولونها، سواء كانوا مؤيدين لها أو معارضين، وعرض وجهات النظر المختلفة معهم. والشاهد أن الصحافة استأثرت بنصيبها فقط، فلم تتحل بالحياد لكنها أيضا تراجعت في الموضوعية. قسمة غير عادلة. من أن لآخر، يظهر شخص مثير للجدل والاستفزاز، محليا أو دوليا. البعض يتقي شره فلا يكتب عنه بالحق أو الباطل، آخرون يأخذون موقفا حديا منه.. معه أو ضده. نادرا ما تجد نقدا له بالإعلام المؤيد له أو نقاشا موضوعيا لمواقفه بالإعلام الرافض. النموذج الأوضح، ترامب، لم يكن هناك انقسام واستقطاب في أمريكا والعالم حول رئيس أو سياسي، كما بالنسبة له. حطم القواعد السياسية والأخلاقية منذ ظهوره على الساحة عام 2016، اعتبر الصحافة عدوا لا يقل عن خصومه السياسيين. هاجم الصحافيين وشبكات التلفزيون بالاسم وأهانهم وحرّض عليهم. بادله الصحافيون الصاع صاعين خلال رئاسته، لكن كانت هناك بقية احترام باعتباره الرئيس. لم يعد الاحترام موجودا بعد اقتحام الغوغاء الكونغرس في 6 يناير/كانون الثاني الحالي. تحول الصحافيون، خاصة المحسوبين على التيار الليبرالي، لملاكمين يستخدمون كل وسيلة للإيقاع به. صُعقت قبل يومين، عندما شاهدت برنامجا إخباريا على «سي أن أن» المذيع الشهير جاك تابر لم يترك لفظا في قاموس الانتقادات والشتائم إلا وجهه لترامب وللغوغاء. أصدر حكما بأنه مذنب، جزم بأن الغوغاء إرهابيون. تغطية القناة لنشاط ترامب يكاد يختفي. حملات التهييج والتخويف مما سيحدث يوم تنصيب بايدن، متواصلة. صوت العقل تلاشى. بالتأكيد ترامب أخطأ، لكن ثقافة الإلغاء التي تمارسها الصحافة تضر بها كثيرا.. الثقة فيها تنهار. ترامب سيذهب لكن الجراح التي أصابتها من هذا الانحياز الفاضح لن تندمل سريعا.
الشر الإثيوبي
تتعرض العلاقات السودانية الإثيوبية لاختبار كبير، فالتهديدات بالحرب والمواجهة العسكرية وحشد القوات على الحدود الشرقية للسودان، باتت كما أوضح حسن أبوطالب في “الأهرام” جزءا من المناخ السائد بين البلدين، إضافة إلى الخلاف المتصاعد بشأن مفاوضات السد الإثيوبي، رغم أن متحدثين رسميين من كلا الجانبين يخرجان أحيانا للتخفيف من حدة التوتر بالتأكيد على أن لا رغبة في المواجهة العسكرية، وأن الحلول السلمية هي الخيار الأفضل. السؤال الذي يفرض نفسه بين البلدين وفي مجمل الإقليم يتعلق بماذا تريد إثيوبيا من سياستها الساعية إلى فرض أمر واقع ليس فقط بالنسبة للسد، وما يرتبط به من كبح تدفق مياه النيل إلى دولتي المصب، وإنما أيضا بالنسبة للحدود مع السودان، البالغ طولها أكثر من 725 كم؟ المُعلن من المصادر الإثيوبية بشأن الحدود مع السودان يتناقض إلى حد كبير مع ميثاق الاتحاد الافريقي الذي تستضيف أديس أبابا مقره منذ نشأته قبل ستة عقود، وهنا تبرز معضلة سياسية واستراتيجية بالنسبة للقارة الافريقية كلها، ويتضح ذلك في أكثر من موقف. فالتوتر المتصاعد بين السودان وإثيوبيا والمتعلق بالحدود يصطدم ويناقض اعتراف أديس أبابا بالاتفاقية الموقعة في 1902 بين بريطانيا، كممثلة عن السودان آنذاك، والملك الإثيوبى مينليك، وما تلاها من ترسيم الحدود ووضع العلامات على الأرض، وتوقيع مينليك على وثائق الترسيم وإحداثياتها في العام التالي، ونسخة منها موجودة في الأرشيف البريطاني لوزارة الخارجية، وكذلك الإعلان المشترك بين السودان وإثيوبيا عام 1975 بين الرئيس السوداني آنذاك جعفر النميري والإمبراطور هيلاسلاسي، اللذين أكدا فيه احترام البلدين لاتفاقية 1902 الحدودية ومحاضر الترسيم.
تبرير أعمى
انتهى حسن أبوطالب في “الأهرام” إلى أن الموقف الإثيوبى يناقض ميثاق الاتحاد الإفريقى الذي ينص على احترام الحدود التاريخية لكل البلدان الافريقية عند إعلان الاستقلال، وأن لا شرعية لتغييرها تحت أي سبب أو ذريعة. ومجمل الموقف الإثيوبي الساعي إلى إعادة التفاوض على الحدود مع السودان يضرب في الصميم الأمن الافريقي كله، فإذا كانت دولة المقر، التي يُفترض فيها أن تكون أكثر حرصا على احترام الميثاق، وأن تكون قدوة في حمايته وعدم العبث به، فإذا بها تفعل العكس، وتثير لأحد أبرز جيرانها مشكلة سيادية وإنسانية، وتتدخل في أراضيه وتسمح لميليشيات عرقية وقبلية من الأمهرا مسلحة تسليحا ثقيلا، وتحت حماية الجيش الإثيوبي نفسه، بتجاوز الحدود وتهديد المزارعين السودانيين وقتلهم وطرد الكثيرين منهم والاستيلاء على أراضيهم.. الأكثر من ذلك، تأتي المواقف الإثيوبية المُعلنة زاعمة أن هناك طرفا ثالثا يحرض السودان، أو جزءاَ من نخبته الحاكمة ليعادى إثيوبيا. ولا يخفى عن ذوى العقول الراجحة أن تلك حجة خائبة، والقصد منها توجيه الاتهام بطريقة خبيثة إلى المجلس السيادي والحكومة السودانية أنهما واقعان تحت تأثير خارجى بغرض معاداة إثيوبيا، فضلا عن زرع الانقسام بين مكونات النخبة السودانية الحاكمة.
لن يقسو علينا
يبدو عبد القادر شهيب كما كشف في “فيتو” على يقين بأن العلاقات المصرية الأمريكية في ظل إدارة بايدن سوف تختلف عنها في ظل إدارة ترامب.. ومع ذلك لا يوافق الكاتب من يروّجون أن الرئيس الامريكي الجديد سوف يكون من أولوياته استهداف مصر ونظام الحكم الحالي فيها.. أي سوف يتبنى سياسة تغيير الأنظمة السياسية من الخارج، وسيقوم بتنفيذ هذه السياسات في منطقتنا تحديدا. وحجتي في ذلك أن بايدن اعترض أيام أوباما على ممارسة ضغط على الرئيس الأسبق مبارك لكي يتنحى فورا بعد انتفاضة يناير/كانون الثاني.. وهذا يعني إنه لم يكن يشارك أوباما حماسه لسياسة تغيير الأنظمة السياسية من الخارج.. كما أن بايدن لديه ما يشغله من أمور أمريكية داخلية، ومن قضايا خارجية ملحة، سوف تحوز اهتمامه شخصيا هو وإدارته غير قضايا إعادة ترتيب أوضاع منطقتنا على ما يهوى ويرضى.. وفوق ذلك كله أن أوضاع منطقتنا الآن في عام 2021 تختلف كثيرا عن أوضاعها عام 2011، ورغم ما تعانيه من مشاكل إلا أن ظروفها ليست مهيأة لتكرار ما حدث لمنطقتنا من قبل، لذلك لن يحاكي بايدن ما فعلته أمريكا في عهد أوباما بالنسبة لمنطقتنا.. لأنه لا يستطيع تجاهل أوضاعها وظروفها الجديدة، ولأنه خبر نتائج سياسة تغيير الأنظمة السياسية فيها من الخارج، وقبل ذلك لأنه سوف ينشغل بقضايا أخرى قبل الاهتمام بأمور منطقتنا.. فعليه أن يصوغ سياساته الجديدة تجاه الصين وروسيا وأوربا أولا، وعليه متابعة تداعيات هذه السياسات عندما يبدأ في تطبيقها. وحتى عندما يبدأ بايدن بالاهتمام بأمور منطقتنا سيكون مطالبا أولا بأمر البرنامج النووي الإيراني، والعلاقة الأمريكية التركية.. أما بالنسبة لنا فأنا أتوقع أن تُمارس إدارته ضغوطا على بلدنا ونظامها السياسي، لكنه لن يتعامل معنا كعدو، أو لن يستهدفنا بشكل مباشر.
ليس للوجاهة
ما زال الكتاب يواسون رئيس البرلمان السابق علي عبدالعال بسبب فشله في البقاء في منصبه ومن هؤلاء حسن الرشيدي في “روزاليوسف”: “ليس من الحكمة أن يغضب الدكتور علي أو يحزن، لأنه أدى واجبه.. والتغيير سنة الحياة، بل يجب عليه أن يؤدي دوره كنائب برلماني ويستمر في خدمة الشعب والوطن.. فالاسباب التي أتت به لقيادة المجلس السابق ربما تكون هي الأسباب أيضا التي دفعت النواب لانتخاب المستشار الجبالي رئيسا للبرلمان، فلكل إنسان مرحلة يعطى فيها أفضل ماعنده من طاقات وخبرات لخدمة الوطن. مجلس النواب الجديد تنتظره حزمة تحديات، خاصة أن هناك قوانين مهمة تحتاج إلى تعديل، مثل قانون الأحوال الشخصية، وقانون الإيجارات وغيرها.. والمجلس يضم 162 سيدة.. ما يؤكد تعزيز دورها وتمكينها من أداء أكبر، وفي مجالات مختلفة. وأعتقد انها ستلعب دورا محوريا مهما في تعديل قانون الأسرة أو الأحوال الشخصية.. في ظل ارتفاع حالات الطلاق والانفصال، وينبغي عليها ألا تجور على حقوق الرجل، خاصة في ما يتعلق برؤية الطفل أو استضافته.. فأي تعديل في القانون يجب أن يكون منصفا، ويحقق العدالة بين الطرفين، ولكن في المقام الأول مراعاة مصلحة الطفل حتى لا يظل معذبا أو محروما.. فمصلحة الطفل لابد أن تكون في المقدمة. قال لي صديق كان يشغل مركزا مرموقا والدموع تنهمر من عينيه.. أن مطلقة ابنه تسقيه من كأس العذاب لرؤية حفيده.. وترفض إلحاق الطفل بمدرسة أفضل، رغم أننا سنتحمل المصروفات.. وتحرض الطفل على عدم قبول الهدايا التي اشتريها له.. واستطرد، أتحمل الذل لرؤية حفيدي. وقانون الإيجارات أيضا يتطلب تعديلا عاجلا لإنصاف المظلومين. عموما نأمل أن يؤدي النواب الجدد دورهم في الرقابة والتشريع بأمانة وإخلاص.. ولا يتخذوا من العضوية وسيلة لتحقيق منافع خاصة.. أو يعتبرونها مجرد حصانة ووجاهة.
المخاوف من اللقاح
هناك ميزة لكون فيروس كورونا جاء في عصر المعلومات والتدفق والاتصالات، وحسبما يقول أكرم القصاص في “اليوم السابع”، فإن أنباء الفيروس تنتقل بين دول العالم، ويبدو الناس على مسافة متساوية من المعلومات المتاحة، لكن في المقابل فإن التدفق الكثيف للمعلومات حول الفيروس، يمثل نوعا آخر من التزاحم المعلوماتي، خاصة أن هناك تداخلا بين الأنباء الصحيحة، والأخرى المزيفة أو المشكوك فيها. وحتى أنباء اللقاحات بقدر ما تحمل الكثير من الأمل للبشر في التخلص من الفيروس القاتل، فإنها أيضا تحمل بعض المخاوف، وهي مخاوف بعضها طبيعي باعتبار أن اللقاحات في مرحلة التجارب، والآخر ناتج عن مبالغات تفرضها المنافسة التجارية، بل والسياسية أحيانا. فقد تلقى الأوروبيون أنباء لقاح سبوتنيك الروسي، بالكثير من التحفظ، والأمر نفسه مع اللقاح الصيني، حيث أعلنت جهات متعددة عن أن اللقاح الصيني يحمي بنسبة تتراوح فقط بين 50 إلى 70%، وظهرت تقارير عن أعراض جانبية للقاح الصيني في البرازيل وبعض الدول. وقد أعلن العلماء أن الأعراض الجانبية واردة مع كل اللقاحات المنتجة، وأن الجرعات الأولى غالبا ما تكون تحت التجريب والرقابة، للتعرف عما إذا كانت قادرة على منح المناعة، وفي الوقت نفسه لا تزال النتائج النهائية للقاحات مؤجلة، لحين تلقيح عشرات الملايين، وظهور كل الأعراض الجانبية، التي تختلف من شخص لآخر وطبقا للحالة الصحية لمن يتلقى الجرعات. وقد تجددت بعض المخاوف بعد إعلان النرويج عن وفيات من بين 30 ألفا تلقوا لقاح فايزر، وحسب وكالة بلومبرغ سجلت النرويج 29 وفاة بين أشخاص فوق 75 عاما ممن تلقوا الجرعة الأولى للقاح كورونا.. وأفادت وكالة الأنباء الألمانية، بأن خبراء من معهد Paul Ehrlich الفيدرالي لتطوير اللقاحات والأدوية الطبية، يحققون في أسباب وفاة 10 أشخاص بعد مدة من خضوعهم للقاح «فايزر» و«بيونتيك»، مشيرة إلى أن المتوفين كانوا يعانون من أمراض مزمنة وخطيرة، وحدثت الوفيات في غضون أربعة أيام بعد تطعيمهم، وأن الخبراء يستبعدون وجود علاقة بين الوفيات وتطعيمهم. ولهذا دعا خبراء صينيون في مجال الصحة، النرويج وبقية دول العالم إلى تعليق استعمال اللقاحات التي تعتمد على تقنية الـMRNA مثل لقاح «فايزر»، خاصة بالنسبة للمسنين، باعتبار أن اللقاحات المعتمدة على تقنية الـMRNA لم يحظ اختبارها بالوقت الكافي للوقوف على تداعياتها على البشر بمختلف شرائحهم وخصوصياتهم الصحية، ما يجعل سلامتها غير يقينية. لكن خبراء اللقاحات يردون بأن الأعراض الجانبية واردة دائما، وأن الادعاء بالاستعجال يمكن أن يطلق على كل اللقاحات، ولا تزال الدراسات مستمرة للتعرف عما إذا كان هناك ارتباط بين اللقاح والوفاة، خاصة أن هناك أعراضا أخرى كالشلل ظهرت بين إسرائيليين تلقوا اللقاحات، من بين نصف مليون. السؤال الأهم يتعلق بمدى قدرة اللقاحات على تكوين مناعة، وهو أمر يتوقع أن يستغرق وقتا، خاصة وقد أصيب بعض ممن تلقوا اللقاحات بالفيروس، وهو متغير قد يثير المزيد من التساؤلات حول كفاءة اللقاحات، وبشكل عام فقد تراجع الأمل في بناء مناعة كاملة من اللقاحات، والاكتفاء بأن يساعد اللقاح على بناء قدرة مقاومة خاصة لدى المرضى المصابين بأمراض مزمنة وكبار السن، لكن ما زالت هذه التفاصيل تنتظر اختبارا. وبسبب هذه الاختبارات لا يتوقع أن يتم إنتاج وتوزيع مئات الملايين من الجرعات، قبل التأكد من نتيجتها بشكل حاسم.