الأثر المعرفي … الإنتاج والاستهلاك

يقول مؤلفا كتاب «نظرية الأدب» رينيه ويليك وأوستن وراين في مستهل حديثهما عن طبيعة الأدب، بأن هنالك من عرّف الأدب بأنه «كل شيء قيد الطبع»، وبناء عليه، فيمكن أن نعدّ كتب الطب والفيزياء والسحر، وما إلى ذلك من الأدب. ولعل هذا الحديث يعدّ مدخلا للتمييز بين المقاربة الحضارية، لأي مظهر من مظاهر التعبير عن الوجود، والأدب الذي ينظر له على أنه أيضاً مظهر تعبير حضاري، غير أن هذا التعميم يجهز على التخصص النوعي. في حين أن الأدب ربما يعني الكتب العظيمة ذات الأسلوب الرفيع، كما يذكر الكتاب، أو لعله الكتابة القائمة على التخيل والإبداع، وزادها الأساس اللغة، ولاسيما من حيث تمايزها النوعي عن لغة أي قطاعات أخرى من الاستعمال اللغوي، ومع ذلك، فإن هذا العصر بات فاقداً للتمايزات والحدود التقييمية بين الفنون والخطابات، ما يعني أن التكهن بمعنى الكتابة، وهنا أعني كل ما يتصل بالأدب والنقد أو الفنون قد أمسى شكلاً من أشكال الاجتهاد الذاتي وبوجه خاص، في غياب أي مرجعية يمكن أن تصطنع حدودا للتمايزات النوعية، ولكن الأهم من ذلك تحديد معيار القيمة، ونعني أثر الكتاب الذي ينشر، ويحمل عنوانا ما، واسم مؤلف، ويصدر عن دار نشر ما.
لقد باتت آليات الترويج الإعلامي للكتاب مسلكاً شديد السهولة، خاصة في ظل القدرة على الإفادة من قنوات الترويج، ومن ذلك المسلك التقليدي، كأن يتناول كاتب أو صحافي كتابا ما، من خلال مقالة تعريفية تنشر في صحيفة، وربما يصاحب ذلك إعلان عن الكتاب في الإذاعة والتلفزيون، نظراً لتوفر صلات اجتماعية مع أحد العاملين في هذا القطاع، وربما يكون للمؤلف «لوبي» ينهض بوظيفة التعريف بكتابه، ومدحه، كما ثمة أيضا القنوات الجديدة، أو التي تعدّ الأكثر سهولة، والأقل تكلفة، ونعني استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من خلال الإعلان عن الكتاب مرارا وتكراراً، مع متابعة كل ما ينشر عنه في الصحف والمجلات، وإعادة بثه من جديد. غير أن الملاحظ أن متابعة تأثير الكتاب، لا يبدو أمراً بسيطا أو ساذجا، كما نعتقد، فثمة تفسيرات تبدو ذات وجاهة في معـــــرفة أو تفسير أسباب انتشار كتاب ما، أو تحقق معنى التأثـــــير الذي يمكن أن نراه ماثلا عبر تعدد الطبعات، أو تواتر الاطلاع عليه، والاعتماد عليه بوصـــفه مرجعاً للباحثـــين من حيث نســـبه الاقتباس، أو أن يكـــون هذا الكـــتاب مستهلكا، وذا مقــروئية عالية كما يتضح من خلال الأرقام والإحصاءات التي تقــــدمها مؤسسات النشر، أو الصحـف.. إن كافة هذه الجوانب لا تبدو منطقية، بل إنها تكاد تخضع لعـــوامل أو ســـياقات لا يمكن أن نفهمها أو نفســـرها، كونها ترتبط بسياقات حضارية تتصل بانهدام الذائقــــة الفنية، أو القدرة على التمييز، وعـــدم الخضوع لوهم الترويج الإعلامي.

على الرغم من الترويج للكتاب في الكثير من المحافل والمنصات الراقية، غير أن مردوده المعرفي، أو الجمالي يبقى في حدود الزمن الذي استهلك فيه، أو ضمن الآلة التي أنتجها من أجل رفع العمل.

على الرغم من الترويج للكتاب في الكثير من المحافل والمنصات الراقية، غير أن مردوده المعرفي، أو الجمالي يبقى في حدود الزمن الذي استهلك فيه، أو ضمن الآلة التي أنتجها من أجل رفع العمل، بحيث لا يكاد يتجاوزها، على الرغم من كافة الجهود. ولعل أشد ما نعاني منه شيوع الروايات السطحية والساذجة التي تصدر على شكل طبعات متعددة؛ نظرا للإقبال عليها، وهنا لا يمكن أن ننكر أن بعض هذه الأعمال ربما تلقى رواجا قرائياً، ولكن الفئة المستهلكة لهذا النوع، تبقى في حدود القراء من المراهقين، أو الذين يبحثون عن قيم ودلالات معلبة جاهزة، فضلا عن افتقارهم لتربية أدبية تمكنهم من التمييز بين الأدب الحقيقي والأدب الذي يلجأ إلى مناقشة قضايا بسيطة وساذجة، كأن ينهض على تخليق العاطفة المباشرة، أو في الحديث عن تجارب ذاتية، حيث تبدو هذه الروايات أقرب إلى كتب التنمية الذاتية، فهذه النماذج سرعان ما تزول، ولا يبقى لها أثر في الذاكرة الثقافية، أو وعي أمة ما، بل أنه لا يكاد يعترف بها.
إن محاولة تفسير الرواج القرائي، أو ذلك الأثر الوهمي يبدو عسيراً، إذ يحتاج إلى الكثير من المقاربات بُغية الإمساك في الآلية أو الفلسفة التي تحكم علمية التلقي، والاستهلاك، ومن ثم الإنتاج، إننا لا نختلف هنا على تعدد الأذواق، ولكننا نختلف على ما يمكن أن نعدّه كتاباً ناجحاً، فثمة كتب عظيمة لا يتفق عليها الجميع، بيد أنها تدرج في خانة الكتب العظيمة والمؤثرة، ولكن ثمة كماً كبيراً من الكتب التي لا تتجاوز قيمتها الورق الذي طبعت عليه، على الرغم من كافة محاولات الترويج لها، وهنا لا ننكر أن ثمة كتباً تحمل قدرا ثوريا ًمن الأفكار أو الأسلوب، وربما يعاد اكتشافها بعد حين، وهذا ما يجعلها خارج نطاق نقدنا. إن الإيمان بأن فعل الترويج يمكن أن يتيح لكتاب ما حضورا حقيقيا، يبدو من وجهة نظري نوعاً من العبث… هناك يرى بأن الكتابة أو تأليف الكتب وترويجها، يمكن أن يُمارس بوصفه نوعاً من أنواع الصّناعة الثقافية، وهذا مفهوم غربي شاع نتيجة التكوين الحضاري القائم على فلسفة، أن أيّ فعل يعدّ شكلاً من أشكال الصناعة، وهذا يطال كافة مستويات الوجود، فهذا النهج ما زال يُمارس يوميا عند إصدار كتاب جديد، بيد أن السّياق الحضاري الحاضن لهذا الفعل في الغرب يختلف عن واقعنا، فاستهلاك الكتاب في العالم العربي لا يمتلك القوة التي نراها في الغرب، كونه أقرب إلى أمر فردي موسمي، ربما يشتدّ مع وجود المعرض السّنوي للكتاب، في حين أن الغرب يمتلك نظاماً معرفياً للكتابة، والنشر والترويج، والاستهلاك؛ نظرا لوجود قارئ حقيقي دائم، بالإضافة إلى كون المؤلف ينال عائدا مادياً، وربما هناك وكيل أعمال يقوم بمهمة الترويج لكتاب، ولكن ليس هنالك من وكيل أعمال غربي يمكن أن يراهن على كاتب أو كتاب فاشل، في حين أن بعض الكتّاب أو المؤلفين العرب يعتقدون بأنهم كتاب رائعون، وأن كتبهم – مع شيء من الترويج – يمكن أن تنال تقديرا واسعاً، ولكنه لا يدرك أن كتابه لم يتجاوز تأثيره بعض أصدقائه ومعارفه، أو ربما من شاهد إعلان كتابه على صفحات التواصل الاجتماعي نتيجة القراءة الحتمية لكافة المنشورات.
إن الكتاب الحقيقي ربما مع شيء من الترويج، يمكن أن يتجاوز حدوده، غير أن هذا الأمر لا يمكن أن نراهن عليه في العالم العربي، من منطلق أن عالمنا محكوم بالصدفة، وبالعامل الموسمي، كما التزييف، حيث إن الأعمال الحقيقية غالباً ما تضلّ طريقها، وهذا يعني أن فعل إنتاج الكتاب يمكن أن يوصف بأنه مقامرة، ولاسيما في وضع عربي يفتقر إلى السّياقات الحضارية لإنتاج المعرفة، واستهلاكها، فنحن ما زلنا نرى فيها أمراً فائضا عن الحاجة، وهذا نتج بفعل المؤسسة السلطوية التي لم تتمكن من إنتاج نظام معرفي وثقافي، فالسلطات أبقت العقل العربي جائعا، ولكن ليس للمعرفة إنما للخبز، في حين جعلت الثقافة برمتها مظهراً من مظاهر فساد مؤسساتها بالتعاون مع نخبة من أنصاف المثقفين.

٭ كاتب فلسطيني أردني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية