الأجندة السرية لقضية دارفور

حجم الخط
0

د.

يوسف نور عوض

هل هناك حل منظور أو قريب لمشكلة دارفور؟ الجمعية العامة للأمم المتحدة تتحدث عن وجود مشكلة صنفتها علي أنها مشكلة إنسانية، ولكن الجهود التي يبذلها المجتمع الدولي لا تتوازي مع الاهتمامات السياسية بالقضية ما يؤكد أن إثارتها تدخل في إطار المشهد السياسي العام الذي تقوده الولايات المتحدة والذي أصبح في نظر الكثيرين ذا أجندة سرية لا تتناغم مع تلك المعلنة.

ويظهر هذا من خلال الخريطة السياسية الدولية، التي أرتنا من قبل تعارضا بين سياسة الولايات المتحدة وسياسة فرنسا في كثير من القضايا الدولية كما أرتنا في الوقت ذاته توافقا بين سياسة الولايات المتحدة وسياسة بريطانيا في تلك المرحلة التي جاهرت فيها واشنطن بخطوط سياستها العريضة التي تحدت بها في بعض الأحيان إرادة المجتمع الدولي، غير أن الولايات المتحدة بعد ورطتها في العراق بدأت تغير سياستها بحيث بدأنا نري فرنسا تأخذ مكان بريطانيا في تأييد سياسة الولايات المتحدة بينما بدأت بريطانيا توجه نقدا إلي سياسة الولايات المتحدة كما ظهر عند بعض الساسة البريطانيين وهو ما دفع الولايات المتحدة كي تتبع أسلوبا جديدا تستخدمه لتمرير سياساتها القديمة دون تغيير من خلال مسحة تدخل شيئا من العقلانية بينما تركت لفرنسا مهمة الترويج لخط سياستها القديم من أجل أن تبقي علي ما تريده بأسلوب يخفف الضغط الداخلي علي الرئيس بوش دون أن يحدث تغيير في مواقفه السياسية الحقيقية.

وإذا قرأنا المشهد السياسي السوداني من هذا المنظور تبين لنا أنه في الوقت الذي بدا فيه الموقف الأمريكي متغيرا خاصة بعد تصريحات جون نغربونتي في الاجتماع الذي رأسته الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والتي هدد فيها بتوقيع عقوبات علي الفصائل التي تتخلف عن اجتماع طرابلس في السابع والعشرين من الشهر القادم كان موقف فرنسا تقليديا إذ بادرت إلي تقديم مشروع قرار أجازه مجلس الأمن في ما بعد يدعو إلي إرسال قوات حفظ سلام إلي كل من أفريقيا الوسطي وتشاد للحيلولة دون ما سمته فرنسا تسرب المقاتلين من إقليم دارفور إلي هذين البلدين، ولا شك أن إجازة هذا القرار يحبط كل المحاولات السابقة التي أدت إلي تبني مجلس الأمن قرارا سابقا يجعل القوات الأممية في دارفور مكونة فقط من دول أفريقية مع استعانة بخبرات عالمية ويختلف ذلك عما تتضمنه القرار الحالي الذي سوف يتيح تكوين قوة دولية جديدة من أربعة الاف جندي يكون ثلاثة الاف منهم من فرنسا التي هي حليفة لكل من تشاد وأفريقيا الوسطي وهي دون شك ستصعد بهذا القرار المواقف في الحدود السودانية بدخولها طرفا في الصراع لصالح كل من تشاد وأفريقيا الوسطي ولن تكون بذلك عنصر تهدئة ما يثير شكوكا كبيرة حول قرارات مجلس الأمن التي أصبحت مسيسة بدرجة جعلت المجلس يفقد الكثير من احترامه في العالم خاصة في هذه المسألة لأنه بعد أن تبني قرارا يحول دون مجيء قوات غير أفريقية إلي دارفور شرع يلتف حول قراره بإرسال قوات أوروبية إلي الإقليم، ولم ينته الأمر عند ذلك بل وجدنا الإتحاد الاوروبي بتأثير من الولايات المتحدة يثير قضايا أخري لا تساعد علي حل الموقف بل تزيد من تعقيده كما ظهر في التصريحات التي أطلقها أخيرا المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية لويس مورينو أوكامبو الذي قال إن قضية دارفور لن تحل إذا لم تسلم الحكومة السودانية وزير الشؤون الإنسانية احمد هارون إلي محكمة الجنايات الدولية، فما شأن المحكمة بحل قضية دارفور ولماذا تربطها بتسليم أحمد هارون؟ ألا يعلم أوكامبو أن السودان لم يوقع علي اتفاقية المحكمة الدولية وبحسب قانون المحكمة يحق للدول الأعضاء أن تحاكم المجرمين وفقا لقوانيها المحلية ومن ثم لا يشترط أن ترسل مواطنيها إلي محكمة الجنايات الدولية؟ فكيف إذن تترك المحكمة بطريقة غير قانونية تتصرف وفق هواها إذا لم تكن تعمل وفق أجندة سياسية سرية لا علاقة لها بالقضية المطروحة؟

ولم يقف الأمر عند ذلك بل رأينا لجنة من المحققين برئاسة نائبة الرئيس الأفغاني السابقة سيما سامار تقدم إلي مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تقريرا تدعو فيه المجلس إلي حث الحكومة السودانية علي تسليم المتهمين في انتهاكات حقوق الإنسان إلي محكمة الجنايات الدولية، وأيد هذا الموقف مندوب البرتغال في المجلس وكذلك الحكومة النرويجية ما يؤكد تضامن المواقف الأوروبية بينما عارضه مندوب مصر نيابة عن المجموعة العربية وكذلك مندوب باكستان نيابة عن دول المؤتمر الإسلامي. وفي الوقت ذاته تحركت مؤسسة أوكسفام للقول إنها ستنسحب من السودان بسبب الظروف الأمنية كما قالت منظمات أخري إنها ستنسحب بسبب ضعف الإمكانات وهذه مواقف تؤكد أن وجود منظمات الإغاثة في دارفور ليس فقط بسبب أسباب إنسانية بل بكون هذه المنظمات تعمل أيضا وفق أجندة سياسية ما يجعل مواقفها متناغمة مع المواقف السياسية المعلنة للدول الغربية الرئيسية. ويعود الرئيس جورج بوش من جديد في خطابه أمام الأمم المتحدة ليسمي ما يجري في دارفور حرب إبادة ولكنه بالطبع لا يستطيع أن يقول من يبيد من؟ كما يطلب من الرئيس البشير أن يوقف وقف إطلاق النار خلال المباحثات المقبلة في طرابلس، وكذلك يطلب من المتمردين علي الرغم من أن الرئيس البشير أعلن من قبل إنه أمر بوقف إطلاق النار وهو موقف لم يلتزم به خليل إبراهيم ـ من قادة العدل والمساواة ـ الذي قال إنه لن يوقف إطلاق النار خلال المباحثات حتي تتوصل الأطراف إلي تسوية للوضع في دارفور، وقال إنه فصل نائبه بحر إدريس أبو جرده بعد أن اتهمه بإجراء اتصالات سرية مع الحكومة. وإذا نظرنا إلي هذا الموقف برمته وجدنا أن قضية دارفور قد سيست بدرجة أصبح من الصعوبة بمكان أن نعرف معالمها الأساسية وهذا ديدن السياسة الأمريكية، ذلك أن الولايات المتحدة التي تتصرف دائما وفق أجندة سرية تخلط الأمور بدرجة يصعب معها تبين الحقائق، ويتضح ذلك من خلال مواقفها في العراق التي تتكرر مرة أخري في دارفور حيث تدعو إلي سلام ولكنها لا تسهم في عملياته سواء كان ذلك ماديا أم سياسيا، وبالطبع فإن الكثيرين من المستفيدين من مثل هذه الأوضاع يفضلون الأمور علي هذا النحو وهو أمر مضر بمستقبل السودان الذي يواجه مرحلة من أخطر مراحله وهي مرحلة التقسيم الذي لم يعد يثير اهتمام الكثيرين من الذين يفضلون مصالحهم الآنية علي مصالح البلاد المستقبلية بحيث أصبحنا نقرأ في وكالات الأنباء خلافا بين الخبراء في ترسيم خطوط الحدود بين شمال السودان وجنوبه وكأن هؤلاء يتحدثون عن دولتين مختلفتين وهم في الحقيقة يتحدثون عن ذلك لأن معظم الخلافات بين الشمال والجنوب حول الحدود أو المناطق هي في الحقيقة تحضير للحظة مستقبلية إذ لا معني لأن تكون هناك حدود بين الأقاليم في البلد الواحد ولا معني لأن يتحدث الناس عن الثروات الإقليمية وكأنها شيء يخص مجموعات بعينها ولا تشارك فيه بقية المجموعات، ولكن بكل تأكيد فإن مثل هذا الكلام يأتي متأخرا لأن ما حدث حدث والثقافة العرقية والجهوية والعنصرية في السودان أصبحت متأصلة بعد أن غذتها سنوات طويلة من الإهمال في التربية الوطنية السليمة بحيث أصبحت البلاد تجني الآن ثمار الأخطاء القديمة، ولا يمكن في نظري تجاوز هذا الوضع بمجرد أن تجتمع الأطراف أو تلتقي كما سيحدث في محادثات طرابلس المقبلة بكون القضية موضع النقاش لا تتعلق بالأمن أو السلام بل تتعلق بحزمة كبيرة من المطالب أصبحت أكثر تعقيدا بعد أن دولت القضية وأصبح التمرد يلقي دعما قويا من قوي مؤثرة في الخارج لها مصلحة في تقسيم السودان، ويخشي ألا يقف الأمر عند حدود معينة لأن المرجح أن ما يحدث في إقليم دارفور في الوقت الحاضر ـ وهو تكرار لما حدث في جنوب السودان من قبل – سيكون باعثا لتحركات في أقاليم أخري تحيل هذا الوطن الكبير الذي كان الأمل في أن يكون سلة غذاء العالم إلي أقاليم مجزأة تتصارع قبليا وعرقيا دون أن تكون قادرة علي اللحاق بركب التنمية والتقدم والحداثة الذي هو المطلب الاساسي لشعب السودان في مختلف مناطقه. وذلك هو الهدف النهائي للولايات المتحدة خدمة لمصالح اسرائيل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية