محمد بسام قباني طرح علي أحدهم قبل بضعة أيام سؤالا لست أدري إذا كان يمكن وصفه بالساذج أو بالواقعي أم بالمحير أوحتى بالصعب جدا، قال لي هل ما يحدث في سوريا فعلا ثورة أم أنه تدخلات خارجية؟ ولست أدري إذا كان من الممكن الإجابة على مثل هذا السؤال في مقال بسيط في بضع صفحات، ولكني سأجرب جمع بعض الأفكار التي قدمْتها لمُسائِلي علَّها تجيب عن بعض أجزاء أو تداعيات مثل هذا التساؤل.تبدأ القصة بالمكان، من تونس الخضراء ومن مدينة بوزيد المناضلة ومهد الربيع العربي، وتبدأ بالزمان، يوم أشعل البوعزيزي رحمات الله عليه ثأرا لكرامة مهدورة وإنتقاما لكبرياء مألومة، فالذي حدث في تونس لايمكن أن يكون بتخطيط خارجي، ولكن المفاجأة الكبرى فيه كانت في إستشعار المواطن التونسي هشاشة النظام الأمني الذي كان يؤرق نوم كل تونسي، كما هو الشأن في بقية دول العروبة، وفي الإحساس الكبير بالثقة في النفس بقوة الشعب وفي فعالية الحراك الجماهيري، أدى هذا بعد بضعة أسابيع إلى رحيل بن علي غير مأسوف عليه وإلى إنتصار ثورة تونس بأقل الأثمان والحمد لله، هل يمكن التحدث في هذا عن مؤامرة غربية أو كونية على حليف الغرب في تونس والحارس الأمين لمصالحه وعلى أعتى النظم البوليسية في المنطقة؟تتابعت الأمور بسرعة ووصلت رياح هذا الربيع إلى كل من مصر وليبيا واليمن والبحرين ومن ثـــم إلى سوريا، هذا ما يسميه علماء السياسة والإجتماع والمؤرخون عدوى الثورات، والذي يريد أن يعرف أكثر عن ذلك سيجد ضالته في الثورات القومية منتصف القرن التاسع عشر في أوربا التي حدثت في سنوات متقاربة، وفي تحرر البلدان العربية من الإستعمار الأوروبي في أواسط القرن العشرين، وفي تحول بلدان أوروبا الشرقية من الشيوعية إلى الليبرالية عقب إنهيار جدار برلين في تسعينيات القرن الفائت.النظام السوري ممثلا بقمة هرمه لم يرَ فيما يحدث في غير سوريا من دول المنطقة أية مؤامرة، كما أنه لم يرَ أية دافعية للبحث المتعمق عن أسباب ذلك، المصيبة التي ترتبت على هذا الإستسهال أنه لم يرَ أية مناسبة للتحرك والتغيير ومبادرة التحركات بإصلاحات حقيقية، إذ عبَّر الرئيس السوري في لقائه مع صحيفة وال ستريت جورنال عن حقانية ما كان يجري يومئذ في كل من تونس ومصر ورأى أن سوريا بمنأى عن مثل هذه الأحداث لأن سوريا دولة ممانعة، وهذه هي – ليس من مبدئ الحكم على الأمور بأثر رجعي وحسب – الطامة الكبرى التي يمكن لنظام حكم أن يفسر بها أحداثاً بعمق وبزخم الربيع العربي، إذ لم يخرج الثوار لا في تونس ولا في مصر لأن بلدانهم تطبيعية أو لأنها كانت منضوية في محور الإعتدال ولم يعبروا عن ذلك في أي من هتافاتهم أو فيما حملوه من شعارات، خرجوا للتخلص من المذلة ومن الحكم الفاسد ومن الأوليغارشية ومن حكم وسيطرة العائلة، خرجوا لكي يحسوا أنهم بشر مواطنون في أوطانهم، خرجوا لكي تنضم بلدانهم إلى قوافل الحضارة الإنسانية بعد أن قذفها حكامها خارج التاريخ، خرجوا لكي ينقذوا ما تبقى من تاريخهم من الهُوِيِّ السحيق الذي كانت تنحدر به، وهذه نواظم مشتركة بين جميع هذه الدول وبين سوريا أغفلها النظام في سوريا ووجه نظره إلى النواظم المختلفة، وهذه لعمري طريقة جديدة في الإستقراء وفي الإستنتاج العلمي، طبعا ينبغي التأكيد دائما أنه لا توجد في عالم الإجتماع إستنساخات تامة، ولكن توجد تشابهات ومقاربات تحدث هنا وهناك، الأمر المعدي الآخر الذي أغفله النظام السوري يكمن في إستكانته إلى صلابة قبضته الأمنية على مفاصل البلاد وبذلك عدم توارد فكرة ثورة في سوريا بحال من الأحوال لا على باله ولربما ولا حتى على بال من إنخرطوا في هذه الثورة من الأيام الأولى وحتى يوم الناس هذا، إذ تهيأ للنظام ولأجهزته المخابراتية أنه لن يخطر على بال أي مواطن سوري أن يسمح لأحد أن يراه ولو حتى في المنام يعبرعن تبرمه من أيٍّ من الأوضاع البائسة التي تسود البلاد من عقود والتي كانت تدل جميع المؤشرات على تفاقمها، أي أن كل العوامل الداخلية للثوران على الوضع كانت متوفرة، عندما حانت اللحظة التاريخية إغتنمها السوريون المسحوقون وثاروا كما إستفاد أعداء سوريا من الأمر لإنجاز مخططاتهم التي تنحصر في إضعاف جميع دول المنطقة كيفما تيسر ذلك. فعندما وصلت التحركات الشعبية إلى سوريا كانت الطامة الكبرى تكمن في النظام الذي قدم بردة فعله الغبية والإجرامية الذرائع لكل ما يحصل اليوم، كل هذا تم في آن واحد، وهكذا يصير تلخيص الأمر بأن ما يحدث في سوريا هو مؤامرة يريدها أعداؤنا لسوريا مبرَّرا، كما يصير الكلام عن أن المنفذ الوحيد لهذه المؤامرة هو المتآمر الأكبر على سوريا وعلى شعبها وعلى مقدراتها أي ما يقوم به النظام من أعمال إنتقامية وإجرامية خالية من أي معنى عسكري، ألا يمكن تصنيف الهجمة البربرية على المناطق السكنية بأنه مؤامرة الهدف منها أن يرمي البسطاء باللائمة على الثورة وعلى الثوار؟ وبذلك يغيب المجرم الحقيقي عن قفص الإتهام.الجدير بالذكر أن الرئيس بإشارته إلى موضوعة الممانعة وضع منذ اليوم الأول المواطنين السوريين بين خيارين لم يكن للمواطن السوري لا العادي ولا المُسَيَّس أن يراهما – وهذا مازال ساريا حتى اليوم – موضع إختيار ألا وهما كون سوريا بلدَ ممانعةٍ ولا تريد التنازل عن الثوابــــت بخصوص الإحتلال الإسرائيلي وعودة الحقوق إلى أصحابها وكون المواطن السوري يريد أن يشعر بالكرامة في بلده وألا تبقى لقمة العيش والركض وراءها شغلَه الشاغل على مدى اليوم بساعاته الأربع والعشرين، الأمر الثابت في هذه المفاضلة الفجة وبين كل ماقام به النــظام منذ إندلاع شرارتها الأولى من درعا وحتى اليوم يمكن نظمه في تحويل النظر عن الأمور الأساسية وتوجيه الأنظار إلى أمور تشتيتية، فمثلا مطالب الناس المحقة بالحرية سيقابلها من وجهة نظر النظام إنتشار الخوف وشيوع عدم الأمان وهذا ما عمل عليه النظام من اليوم الأول عبر شبيحته المتجردين من كل المعاني والأخلاق والقيم الإنسانية، لست أدري كيف يمكن الربط بين هذه القيم المتناقضة ليتم بذلك إخضاع المواطن العادي بتهديده بأعز ما يملك ألا وهو الأمان؟في أثناء الحديث سألني محدثي عن تفاؤلي الكبير ومن أين آتي به، فقلت له بداءة أن الذي ينبغي أن يقال عما يحدث في سوريا وفي المنطقة ليس لماذا يحدث أساساً أو لماذا يحدث الآن؟ بل هو لماذا تأخر حدوث ذلك كل هذه الأمداء؟ لماذا كان علينا أن ننتظر كل ماجرى كي نشعر أخيرا بالمذلة والهوان وبالفقر وبالإنحلال الذي ينهش مكونات مجتمعاتنا؟ لماذا كان ينبغي لأمتنا أن تتأخر كل هذا التأخر عن الركب الإنساني الحضاري بجميع أبعاده حتى نحس بضرورة التغيير وبأن الأمور لا يمكن أن تبقى على ماهي عليه؟ وهنا أيضا تدخل أساليب النظام في لفت النظر عن الأساسي والتوجه إلى الأمور الجانبية، وطبعا الإتهامات جاهزة لقوى خارجية لاتريد بسوريا ولا لسوريا خيرا.السؤال الثالث كان من متضمنات السؤال الأساسي ألا وهو أثمة مؤامرة على سوريا؟ وللجواب على ذلك ينبغي علي أن أقدم مقدمة بسيطة لن تسعد أغلبنا للأسف ألا وهي أننا العربَ أكثر الأمم على وجه البسيطة التي ترمي بأكثر ما يحدث عندها ولها على عوامل خارجية وتدخلات أجنبية بحيث يصبح مجال الفعل الذاتي عملة نادرة وتصبح مغالبة الأقدار أمرا شبه مستحيل، جوابي كان بأن ليس من أحد من أعداء سوريا يسره أن تكون سوريا قوية يعيش مواطنوها على إختلاف مكوناتهم عيشة رخاء وسخاء، وأن سوريا مهلهلة ومفككة هي من أكثر ما يساعد على راحة الأطراف التي يمكن أن ترى في سوريا قوية منافسا أو خصما أو معاندا لها، ولكن هل يمكن لأحد أن يخبرنا عمن أضعف سوريا ويسهم في تفكيكها وفي الإتيان على ما تبقى لها من مقومات البقاء ناهيك عن السؤدد؟ أليست ردة فعل النظام فوق العنفية وفوق الإجرامية هي السبب الأساسي فيما وصلت إليه البلاد اليوم؟ أليست رغبة النظام الخروج من هذه الأزمة دون التقدم ولا بأية خطوة نحو سوريا ديمقراطية ومدنية ودولة مواطن – وهذ ما يمكن إستنتاجه من كل الإصلاحات التي يحاول التسويق لها – هي ما دفع بالأحداث في هذا المنحى؟ أليست التدخلات الأجنبية التي فتح لها النظام أبواب البلاد على مصراعيها جزءا من المشاكل التي تعاني سوريا منها اليوم؟ ألن يؤدي إنهاك الجيش السوري في معركة خاسرة بكل المقاييـــس ضد شعبه إلى إنهاء ســـوريا الممــــانعة إلى أجل أرجو ألا يكون بعيدا؟ إذ لا ممانعة بدون جيش قوي متماسك على جميع الصعد وأولها على الصعيد الأخلاقي، أظن أنه لا يمكن لعاقل أن يدعي أن خوض حربٍ تدميريةٍ لأي جيش في العالم ضد المدنيين من بني شعبه سيكون بالأمر الأخلاقي الذي يمكن لهذا الجيش تجاوزه بسهولة، هل يظن أحد أنه يمكن لسوريا أن تكون دولة ممانعة وقد تفككت أواصرها الإجتماعية وتهدمت بناها التحتية؟إضافة إلى ما سبق فإنه لايمكن لأحد أن يدعي بأن هؤلاء الذين يخرجون إلى الشوارع ويطالبون بالحرية والذين ربما لا يعرفون شيئا عن السياسات الدولية ناهيك عن أن يكونوا قد تلقوا أوامر من هذا الطرف أو ذاك، على العكس من ذلك ينبغي التنويه والتشديد على أن جميع أسباب الثورة كانت وما تزال متوفرة، والحقيقة التي ينبغي التسليم بها هي أن الظلم والفساد والإستبداد التي يرزح السوريون تحت نيرها منذ عشرات السنين قادرة على إشعال عشرات الثورات وليس ثورة واحدة فقط وإذا كان ثمة مؤامرة تحدث اليوم في سوريا فإن مصداقها الوحيد هو في هذه الردة الإجرامية من النظام والتي تضعف سوريا وتنيل أعدائها بغيتهم منها دون أن يحركوا ساكنا ودون أن يدفعوا قرشا واحدا، إذ إن التقتيل والتدمير على الشاكلة التي تحدث في سوريا ما كان لأي عدوان خارجي أن يُحدِثه مع بقاء العالم يتفرج ويترك المعتدي يصول ويجول كما يشاء، والمشكلة الأساسية أننا لا نميز بأن الغرب الإستعماري مرن بطريقة تجعله يستفيد من جميع الظروف ويستغلها لصالحه بينما نبقى نحن كالخشب المسندة ونتوازع الإتهامات، أليست مرونة أمريكا وبراغماتيتها السياسية هي التي عجلت ترحيل مبارك على الرغم من الخدمات الجليلة التي قدمها لها ولإسرائيل؟ ألم يكن حل ما يحدث في سوريا ومن البداية متجسدا في إعتذار رأس النظام من أهل درعا وأولياء أمور أطفالها الذين كتبوا ما كتبوا على جدران مدرستهم؟ أليست قناعة النظام الخاطئة في نظرته لشعبه والتي تكمن في نظرة المالك للعبيد وبالتالي في إستحالة التنازل لشعبه هي من أوصل الأمور لتأخذ مداها؟’ كاتب سوري