عبد الستار قاسم
قال السيد محمود عباس في كلمته التي ألقاها بتاريخ 17تشرين الأول (اكتوبر) 2006 حول الأوضاع الفلسطينية بأن الخبز أهم من الديمقراطية. هذا قول خطير جدا لما ينطوي عليه من استبعاد للذات وفصل الإنسان عن نفسه ونكران قدراته الذاتية وانسحاق شخصيته. إنه قول يعود إلي القرون الوسطي عندما كانت لقمة الخبز وسيلة الأسياد الأولي في سوق العبيد كقطيع من الماشية الدهماء التي لا تعرف سوي طعم البرسيم. إنه قول مرعب يعود بالإنسان الفلسطيني مئات السنين إلي الخلف عندما كان يظن المرء أن التمرد علي تحكم الأمراء بالأرزاق عبارة عن تمرد علي الآلهة، وسيكون الجزاء آلاما في الدنيا وجهنّما مستعرة في الآخرة.
سأقبل هنا مزاوجة الديمقراطية بالحرية علي الرغم من اختلافهما، وقبولي هذا مرتبط بالانطباع الشعبي أن الديمقراطية هي الحرية. وما يعنيه السيد عباس هنا هو خيار الشعب الذي تم التعبير عنه من خلال انتخابات أدت إلي فوز حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي. إنه يريد أن يقول إنه إذا تطلبت مسألة الحصول علي الخبز من الدول التي تفرض علي الشعب الفلســــطيني حصارا ماليا تجاوز الديمقراطية وقرار الشعب الفلسطيني فإنه سيفعل ذلك. أي أنه مستعد للتضحية بالإرادة السياسية الحرة للشعب الفلسطيني من أجل لقمة الخبز التي يقدمها الآخرون.
ظني أن السيد محمود عباس يحمل شهادة الدكتوراة في العلوم السياسية، وبالتالي لا بد أنه يعي بأن كيان الإنسان الحر والمستقل يستحوذ علي اهتمام فلاسفة السياسة علي اعتبار أن لا إبداع بدون حرية، وأن الحر وحده هو الذي يستطيع التعامل مع مختلف الظروف والأحوال من أجل أن يبقي سيد نفسه وغير مستعبد بأي طريقة كانت من قبل أي شخص أو ظرف أو متاع. انهمك فلاسفة الإنسان والسياسية عبر التاريخ وحتي الآن في البحث عن حرية الإنسان لأنها هي أرضية تقدمه وعطائه وقدرته علي المشاركة الحرة في أعمال المجتمع وصناعة الحضارة. وقد انهمك هؤلاء بمحاربة كل أنواع الاستغلال التي تسخّر الإنسان وتلغيه، وتجعله مجرد أداة بيد الآخرين الذين يمنون عليه في عبوديته.
إذا كان أبو مازن لا يدرك هذا فهو بالتأكيد لا يحمل شهادة الدكتوراة في العلوم السياسية، أو أنه يحملها شكلا بدون جوهر، أو ربما قام أحدهم بكتابة رسالة الدكتوراة بالنيابة عنه، ولم يقم هو إلا بمراسيم الحصول علي الشهادة. إذا كنت أنا مخطئا في هذا، فلا بد أنني لم أستمع إلي السيد عباس، أو خانتني قدرتي علي فهم منطقه الخطابي.
يا سيد أبو مازن، يا رئيس دولة فلسطين: كلامك هذا يحفر قبرا جماعيا ليهلك فيه جمهور الفلسطينيين فيصبحوا أثرا بعد عين. أنت تدعو إلي العبودية، إلي استعباد الشعب الفلسطيني، وتدعو إلي نزع الإنسان عن نفسه وتمزيق وهدر كرامته مقابل رغيف الخبز، أنت لا تعتبر الفلسطيني أكثر قيمة من رغيف الخبز، بل أنت تعتبره أقل من الرغيف لأن الرغيف، حسب فلسفتك، هو سر العيش. أنت تري في الفلسطيني كائنا يبحث عن عيش لا عن حياة. ألا تري أن الإنسان عبد لمن يطعمه، وأن العبد مجرد بهيمي لا حقوق له أكثر من نعمة يقدمها له سيده صاحب الفرن؟
هل تشعر بالسعادة يا سيد أبو مازن عندما تقول انك لا تعمل خيرا مع المحتاج عندما تقدم له الخبز أو السمك، وإنما تصنع معه خيرا عندما تعلمه صيد السمك؟ نحن نتعلم يا حضرة السيد أبو مازن ونقرأ الكتب من أجل أن نرتقي لا من أجل أن نحفظ عبارات لا نطبقها علي أرض الواقع. لو كنت حريصا علي هذا الشعب لنزعت لقمة خبزه منذ أن استلمت منصبك من أيدي الأعداء. أبله هو ذلك الذي يعتمد في لقمة خبزه علي عدوه، وإذا أمعن في ذلك فإنه متآمر علي نفسه وعلي كل الذين يعيلهم. الأمم العظيمة تبحث دائما عن أسباب الاعتماد علي الذات، ولا تبحث في جيب إسرائيل وأمريكا من أجل إطعام الأطفال حليب اللئام. لو كنت قائدا حقا، ولو كنت دكتورا في العلوم السياسية، ولو كنت تعلم النزر لما قبلت أصلا أن تبقي لقمة خبزنا بيد أعدائنا. أنت وغيرك تعلمون أن لقمة الخبز الآتية من الغرب لها ثمن، وثمنها الحقوق والكرامة والاستقلال، وأنت تعلم أن لقمة الخبز التي يعتصرها عرق الجبين هي التي تعني الكبرياء والكرامة والتحرير. الأذلاء يا حضرة الرئيس لا يقوون علي التحرير، ولن تكون لهم دولة وعاصمتها القدس الشريف.
الرئيس يدعو أصحاب الخبرة والمعرفة والعلم في كل الأحوال للتداول، فما بالك عندما تحل المحن وتدلهم الخطوب؟ كان من الأجدي أن تدعو علماء فلسطين للتداول في كيفية الاعتماد علي الذات، وعلي الأصدقاء وقت الضرورة الذين يقدمون بدون شروط. كان الأجدي أن نطور نظاما اقتصاديا خاصا بنا لا يربطنا بأهل الغرب ولا بالنظام المالي الأمريكي. كان الأجدي ان تقول لشعب فلسطين ان الأموال التي تأتيهم من الغرب هي ثمن حقوقهم، وأن لا حق لهم سوي طعام دنس يملأ أمعدتهم، وإذا أرادوا لهذا الدنس أن يبقي متدفقا في أمعائهم فما عليهم إلا تقديم السمع والطاعة للرباعية والثلاثية والثنائية وكل البغاة الشياطين.
لا بديل عن الحرية يا سيادة الرئيس لأن الأحرار يصنعون الخبز، ومدّ اليد للآخرين هو صناعة العبيد. لا تكن عبدا يا رئيس فلسطين، ولا تجر الناس إلي العبودية. العبيد لا ذمة لهم ولا ضمير، وهم يسرقون طعام وأرزاق إخوانهم في العبودية، أما الأحرار فلا ينامون وإخوانهم جوعي. الأحرار يزرعون ويصنعون ويأكلون نصف طعام، لكن الأهم أنهم يعرفون كيف يقتسمون الرغيف. الأحرار يبحثون عن الكرامة ويصرون علي الحقوق، ويطورون قدراتهم وطاقاتهم لكي تبقي رؤوسهم مرفوعة، أما العبيد فترتعش أجسادهم كلما ظنوا أن حرية تتسلل إلي أوصالهم.
ما سمعته منك يا رئيس فلسطين عبارة عن كلام رخيص لا يطيب إلا للذين رخصت نفوسهم وقدموا أنفسهم خدما طائعين لأسياد شهواتهم. الكلام الذي صدر عنك هو عيب، وأنا كعربي فلسطيني أخجل من نفسي كلما لامــــست ذهني حقيقة أنك تتحدث باسمي.
ہ كاتب من فلسطين8