بدأت الحياة تعود للأحساء وتنتعش بعد ما كادت أن تلفظ أنفاسها الأخيرة وتصبح نسيا منسيا بفضل إصرار أهلها على عدم هجرة منطقتهم التاريخية العريقة، أرض الواحة الزراعية وحقول النفط، والحضارات والثقافة المتعددة والمتجددة، إلى المدن الحديثة المتطورة.
عادت لتتصدر المشهد في وسائل الإعلام بتسجيل «واحة الأحساء» ضمن قائمة التراث الإنساني العالمي في اليونسكو، ثم اختيارها عاصمة للسياحة العربية لعام 2019 بعد أن استوفت كل الشروط واعتمدها مجلس وزراء السياحة العرب، في أعمال دورته الـ 21 التي عقدت في مدينة الإسكندرية. وقبل ذلك دخلت في مسابقة عجائب الدنيا الطبيعية ووصلت إلى مراكز متقدمة، يأتي ذلك لرد الاعتبار لمنطقة تمثل حضارة إنسانية عريقة تعود لنحو 6000 سنة قبل الميلاد، وقد ذكرت في الكثير من كتب المؤرخين والمستكشفين.
الأحساء اسم إقليم يطلق على الساحل الشرقي من الجزيرة العربية التابع لولاية البصرة خلال الحكم العثماني، واستمر الاسم بعد سيطرة قوات ابن سعود التي اخضعت المنطقة للحكم السعودي عام 1913. وبعد عام 1950 أمر الملك سعود بنقل العاصمة الإدارية من مدينة الهفوف في الأحساء إلى المدينة الحديثة الدمام وإطلاق اسم جديد على المنطقة وهو الشرقية، ولكن اسم الأحساء استمر موجودا يمثل الثقل التاريخي والإنساني والثقافي ولو أطلق على الجزء الأكبر من المنطقة اسم منطقة ومحافظة ومدينة.
والأحساء جزء من البحرين الكبرى، الاسم القديم لمنطقة الساحل الشرقي من الجزيرة العربية، فالبحرين التاريخية اسم يشمل أهم الحواضر في المنطقة وهي هجر (الأحساء حاليا) والخط (القطيف حاليا) واوال (جزيرة البحرين حاليا) وأهل المنطقة الأصليين يطلق عليهم اسم البحارنة، نسبة للمنطقة، وهم من قبائل عربية أصيلة تعود معظمها إلى قبيلة عبد القيس وتميم وبكر ابن وائل.
«واحة الأحساء» ضمن قائمة التراث الإنساني العالمي في اليونيسكو
اريخها وحضارتها التي هي جزء من تاريخ وحضارة البحرين الكبرى التاريخية، يمتد لأكثر من 6000 سنة قبل الميلاد. والكنعانيون هم أول قوم يذكرهم التاريخ كسكان فيها، ثم سكنها الفينيقيون والكلدانيون والبابليون والفرس. فهي محطة جذب لوفرة المياه العذبة والتربة الزراعية، أهم مقومات الحياة والاستقرار والتطور والازدهار والتحضر لأي أمة. نزحت للمنطقة بعض القبائل العربية ومنها عبد القيس التي استوطنتها قبل الإسلام. وبعد أن دخلت الإسلام أقيم في المنطقة وبالتحديد في جواثا مسجد هو ثاني مسجد اقيمت فيه صلاة الجمعة بعد مسجد رسول الله (ص) في المدينة المنورة، وما يزال موجودا لغاية اليوم كموقع ديني وتراثي وإنساني سياحي ضمن الكثير من المواقع التاريخية.
هجر
هجر – الاسم القديم للأحساء – وهي عاصمة البحرين التاريخية في العهد الإسلامي، دفعت ضريبة موقفها، فأصبح ذلك هوية لها منذ بداية التاريخ الإسلامي. فولاية البحرين ومنطقة هجر البعيدة عن عواصم الدولة الأموية والعباسية تحولت إلى ملجأ للمعارضين لتلك الدول، ففيها نشأت دول كثيرة، منها دولة القرامطة بزعامة أبي سعيد الجنابي سنة (286 هـ) واستمرت إلى ( 465 هـ) أي نحو 180 سنة واتخذت من هجر عاصمة لها، وقام الزعيم القرمطي ابو طاهر الجنابي ببناء مدينة جديدة باسم الأحساء ليجعل منها مقراً لحكمه، ثم أخذت تنمو وتزدهر وتتوسع فكثر النازحون إليها، حتى اشتهرت وطغى اسمها على جميع المدن التي كانت قائمة في المنطقة آنذاك، ثم أصبحت المنطقة بأسرها تدعى إقليم الأحساء. وفيها لغاية اليوم آثار للقرامطة، تلك الدولة التي امتدت وتوسعت وسيطرت على أجزاء من الشام واليمن والحجاز وعمان، ثم جاءت الدولة العيونية التي اتخذت من البطالية عاصمة لها وتوجد بعض آثارها والقصور والمساجد، ثم الدولة العصفورية وال زامل وغيرها مثل البرتغاليون والدولة العثمانية انتهاء بسيطرة عائلة ال سعود.
معركة كنزان
عند جبل كنزان الشعبة وقعت معركة سميت نسبة للجبل بين جيش الملك عبد العزيز وقبائل العجمان، في عام 1915 وتعرض جيش ابن سعود لهزيمة قاسية حيث جرح الملك عبد العزيز وقتل اخوه سعد بن عبد الرحمن ثم لجأ عبد العزيز وهو ينزف إلى النخيل في القرى القريبة فتم انقاذه من قبل أهالي الأحساء. بعد شهر رمضان وصل جيش من الرياض لمساعدة عبد العزيز مع أسلحة حديثة حيث اتخذ عبد العزيز جبل القارة مركزا لقصف العجمان وهزيمتهم.
مقصد الغزاة والمحتلين
وبسبب موقع الأحساء الاستراتيجي والوضع الاقتصادي المزدهر، كانت دائما مقصد الغزاة والمحتلين، فقد كانت أحد الخيارات المقترحة من قبل اليهود لإقامة وطن لهم. فحسب الوثائق التي نشرتها المكتبة البريطانية، أرسل السفير البريطاني في باريس خطابا إلى وزير الخارجية البريطاني بلفور، ينقل له اقتراحا يهوديا روسيا بالاستيلاء على الأحساء وجعلها وطنا لليهود، وذلك في عام 1917 قبل أن يختار بلفور أرض فلسطين لتكون أرض الميعاد لليهود. اختيار اليهود للأحساء لم يكن اعتباطيا، بل قائما على دراسات وتخطيط، لما تملكه من خيرات، قبل اكتشاف النفط في باطن أرضها. فالأحساء كانت محل اهتمام كبير لكل الحكومات والقوى السياسية، ولهذا سعى الملك عبد العزيز آل سعود للسيطرة على الأحساء لضمان أكبر مصدر اقتصادي لحكمه، فهي أكبر سلة اقتصادية في الجزيرة العربية حينها.
بسبب موقع الأحساء الاستراتيجي والوضع الاقتصادي المزدهر، كانت دائما مقصد الغزاة والمحتلين
الآن الأحساء رسميا هي أكبر محافظة في السعودية تقدر مساحتها (379,000 كم²) نحو 21 في المئة من إجمالي مساحة السعودية، وتتكون من عدة مدن أهمها الهفوف والمبرز وأكثر من 50 قرية وأكثر من 100 هجرة. تقع على ساحل الخليج وأهم الموانئ فيها، العقير وتشرف على حدود خارجية مع قطر والإمارات وعمان واليمن. وهي تشكل سلة اقتصادية مهمة في المنطقة لوفرة المياه ففيها تنبع عشرات العيون التي تشكل انهارا ثم بحيرات كبحيرة الأصفر، وأرضها خصبة للزراعة توجد فيها أكثر من ثلاثة ملايين نخلة وتزرع فيها الفواكه والخضروات والرز الحساوي المشهور، ولهذا كانت محل أطماع الغزاة والمستعمرين. والأحساء مشهورة بكونها مهد الصناعات اليدوية التقليدية المعروفة كصناعة النسيج والبشوت، والحدادة والنجارة والخزف وفنون العمارة، كما أنها أرض العلم والمعرفة والثقافة والأدب.
تحتضن أرضها معظم حقول النفط في البلاد، ففيها حقل غوار الأكبر في العالم وتقع ضمن حدودها الإدارية في منطقة شيبة وحرض والعثمانية وشدقم وخريص وغيرها. وفي الأحساء محطة قطار منذ الأربعينيات من القرن الماضي ومطار باسم الهفوف من حقبة الأربعينيات مع تأسيس شركة أرامكو.
وهي منطقة الفنون والأدب والعلم والتنوع الثقافي، ففيها تأسست أول جمعية الثقافة والفنون في السعودية، وتمثل أفضل منطقة للتعايش السلمي.
البحر الأصفر
المنطقة غنية بالمواقع التاريخية والتراثية والمناظر الطبيعية الجميلة والساحرة، فهي تطل على ساحل مياه الخليج، شواطئ نظيفة وبكر وبالخصوص النسافة في العقير مرورا بسلوى عند حدود قطر إلى أبو قميص عند الحدود الإمارتية، وبالقرب من الساحل جزر رائعة. وفيها عشرات العيون التي تروي أكبر واحة زراعية خضراء تزرع فيها ملايين أشجار النخيل والفواكه والخضروات والرز، وحول الواحة سياج من رمال الصحراء الناعمة الذهبية.
في الأحساء بحيرة تسمى الأصفر، وتعتبر أكبر تجمع مائي في منطقة الخليج، وهي الوحيدة من نوعها في السعودية وتعيش فيها حياة فطرية متكاملة. كانت البحيرة تسمى سابقاً ببحيرة هجر وتعتبر بيئة طبيعية حاضنة لكثير من الحيوانات والطيور المقيمة والمهاجرة.
متحف إقليمي
يوجد في الأحساء أكثر من متحف ومعظمها أهلية، ولكن المتحف الرئيسي هو متحف الأحساء الإقليمي في مدينة الهفوف. يحتوي على عدد من القاعات تحكي تاريخ المنطقة منذ العصر الحجري لغاية الآن، وفيها مركز النخلة وهو أول مركز في البلاد للمحافظة والتدريب على الحرف اليدوية التقليدية.
جبل القارة (الشبعان)
جبل القارة من أبرز المعالم السياحية الطبيعية في الأحساء، ينام وسط واحة من النخيل الباسقات، بالقرب من العديد من القرى التي اتخذت منه مصدر قوة ودرعا حاميا من الهجمات ومتنفسا طبيعيا للأهالي، كما اتخذته الأمهات وسيلة لتخويف الأطفال مما ينسج عما في داخله من أساطير. ومن الميزات الفريدة للجبل أن سطحه مستو مع وجود بعض التجاويف المطلة على بعض المغارات المختلفة الأحجام، والتي تتميز بكونها باردة في الصيف ودافئة شتاء.
هي منطقة الفنون والأدب والعلم والتنوع الثقافي، ففيها تأسست أول جمعية الثقافة والفنون في السعودية
و معجزة طبيعية خلابة، وقد عرف منذ تاريخ قديم بجبل الشبعان يقع بين قريتي التويثير والقارة، وحاليا يطلق عليه جبل القارة. يبعد عن الهفوف حوالي 12 كلم، ويقع وسط الواحة الخضراء ومساحة قاعدته 1400 هكتار وتتميز الأرض المحيطة به ببعض المنحدرات والمرتفعات تبعا لاتصالها بالجبل. وسط الواحة الخضراء صخور رسوبية يعود عمرها الجيولوجي إلى الحقبة الثالثة، وهي جيرية رملية تتميز بكهوفها ذات الطبيعة المناخية المتميزة فهي ليست مجرد تكوين صخري فريد، بل تخالف الطقس السائد، فالكهوف باردة صيفاً ودافئة شتاء. ويشتهر الجبل بوجود عدة كهوف داخلية تختلف في مساحاتها ولكن أكبرها يقع في الوسط الشرقي منه، وبالقرب من الجبل رأس يقع في بلدة القارة اسمه راس أبو جيص. وفي بلدة التوثير على سفح الجبل تقع صخور ضخمة جدا تشكل منظرا ساحرا، ومن فوق الجبل الشامخ يمكن للمرء مشاهدة منظر طبيعي خلاب لبساط أخضر على مدى البصر هو غابة من النخيل.
سوق القيصرية
سوق القيصرية له مكانة كبيرة عند الأحسائيين، فهو كان أضخم مجمع تجاري في منطقة الخليج قديما، حيث يحتوي على أكثر من مئة محل في سوق واحد، والقيصرية عبارة عن مبني طيني مطلي بمادة الجص البيضاء اللون يقع في أهم شارع في وسط مدينة الهفوف بالقرب من قصر إبراهيم التاريخي والإمارة وهو مجمع لمجموعة من المحلات صغيرة الحجم تفصلها ممرات ضيقة مغطاة بالجذوع وحصيرة سعف النخيل ومواد طينية تساهم في حماية الأسقف من تسرب المياه والوقاية من الحرارة العالية، وينقسم السوق إلى تفرعات منها قسم الأثاث وقسم العطور والساعات وقسم الأحذية وقسم الشرقيات والصناعات النحاسية والفخار وقسم المشالح والعباءات النسائية وقسم الصرافين وقسم العطارين وسوق البدو والملابس والمواد الغذائية والمكسرات، فمحلاته المتراصة الصغيرة تتكدس فيها جميع أنواع البضائع التي يحتاج إليها المتسوق، وغالبا ما تكون ممراتها الضيقة مزدحمة بالمتسوقين من رجال ونساء ومن أبناء الدول المجاورة من جميع الجنسيات، إذ تجذبهم رائحة التراث الأصيل والعطور الشرقية. والقيصرية هي مقصد كل زائر، ولعل أهل دولة قطر هم أكثر رواد الأسواق الشعبية في الأحساء وبالخصوص القيصرية.
قصر إبراهيم
شيد قصر إبراهيم مع مسجد القبة في عام 978هـ، الموافق 1571م، في عهد الدولة العثمانية، وخلال القرن التالي توسع ليضم القلعة، وسجنًا، وحمامات تركية. ويقع القصر في حي الكوت في مدينة الهفوف ويجمع القصر بين الطراز الحربي والمدني وبه عدة قباب ومئذنة ذات طراز جميل وهو مفتوح حيث تقام في داخل حرامه بعض الفعاليات خلال فترة المهرجانات. وهناك قصر حزام في جنوب الهفوف، وقصر صاهود في مدينة المبرز إضافة إلى قلاع كثيرة.
ميناء العقير (العجير) التاريخي
شاطئ العقير من أهم المواقع السياحية والتراثية الساحلية في الأحساء، ويحتفظ بسجل حافل في أمهات الكتب التاريخية والسياسية كميناء تجاري رئيسي للأحساء والمناطق الوسطى في الجزيرة العربية على ساحل الخليج. كما أنه من أجمل سواحل السعودية المطلة على الخليج العربي من حيث الطبيعة ووجود آبار المياه العذبة التي تنبع بجوار الساحل والمباني القديمة، وقربه من عدة جزر.
وفقد العقير الأهمية الاستراتيجية والقيمة التجارية والحيوية والنشاط مع اكتشاف النفط في المنطقة، حيث تم بناء موانئ ومرافئ بديلة وإنشاء شواطئ وكورنيشات حديثة.
جبل القارة من أبرز المعالم السياحية الطبيعية في الأحساء
قد سمي بالعقير أو العجير كما يسميه أهالي الأحساء من اسم قبيلة عجير التي سكنت المنطقة خلال الألف الأول قبل الميلاد. وورد في «معجم البلدان» لياقوت الحموي أن العقر كل فرصة بين شيئين وتصغيرها عقير. كان العقير يشكل قبل النفط الميناء الرئيسي للأحساء وللمناطق الداخلية من الجزيرة العربية، ووسيلة الاتصال بالعالم الخارجي وما وراء البحار الهند والصين، وسوقاً مهما ورئيسيا من الأسواق التجارية القديمة المطلة على الخليج. من الأحداث المهمة والمؤثرة التي شهدها الميناء في تاريخ السعودية والجزيرة العربية الحديث اجتماع الملك عبد العزيز ال سعود مع المسؤول البريطاني للتاج الملكي البريطاني في الهند ومنطقة الخليج كوكس الذي اعترف فيه الإنكليز بتبعية نجد والأحساء والقطيف والجبيل لحكم آل سعود وكذلك رسم الحدود مع العديد من الدول المجاورة التي كانت خاضعة للاستعمار البريطاني.
اكتشاف النفط
الأحساء التاريخية عانت كثيرا بعد اكتشاف النفط وكادت أن تندثر بسبب تأسيس مدن جديدة على الساحل الشرقي منها الظهران والخبر والدمام، ونقل العاصمة الإدارية للمنطقة من الهفوف إلى الدمام وإغلاق ميناء العقير التاريخي وافتتاح ميناء الملك عبد العزيز في الدمام ليواكب مرحلة التحضر والتطور.