الأدب المغربي: من المعيارية إلي الجمالية

حجم الخط
0

أحمد المديني

نلتقيہ حول موضوع قد نخاف أو نرتبك إذ نسميه، ثم نصفه، ثم نعود فنؤطره زمنيا، لكي يتأتي لنا أن نصنفه، ونلحقه أخيرا، حسب أي منهج متبع، بتاريخ الأدب ارتباكنا الأولي مصدره الأول إحساس عميق بمسؤولية ما نود درسه، والمغامرة عبر تسميته بتوصيفه وتقويمه وتأويله، وهو ما تنجم عنه تبعات لا يستهان بها. إننا لا نجتمع لنغتبط بأدبنا وهو حق، ولا لنؤكد حضوره، لا ولا لنخلع عليه لبوسا جديدا هو الأجدر بأن يخلعه علينا، ولكن لكي نقرنه، أولا، بزمنية حتمية باتت ملكه، طبعته وطبعها فصارا كلا ّ، لغة لواحد، وعاءا مفردا وتعبيرا لمتعدد. ولكي نربطه، بل نثبته إلي أهم خاصية نحتت ملامح عصره، فلا يكون شيئا، لا لغة ولا خطابا وبلا رؤية إن لم تحتوه وتنقله تلك التيمة التي ذاع صيتها اليوم؛ نعني تيمة التحديث، قبل أن يرطن كل عابر فكروأدب بأبجدية الحداثة، دعك بما بعد.! خمسون عاما تمضي علي استرجاع المغرب حقوق السيادة الوطنية، ومن غير أن ندخل في تفاصيل أي تحقيب من أي نوع، ولا منهجية وحتي إيديولوجية وضعه، فإن هذا التاريخ ذاته هو عمر الأدب المغربي الحديث. ما من شك أن يعد أكبر أو أصغر، أطول أو أقصر، حسب استخدام هذا المقياس أوالمقاس أو ذاك، ولكننا، نحن معشر الدارسين، نتوافق، لابد أن نتوافق في ما بيننا علي مواقيت ومحطات نتخذها منطلقا ضروريا لضبط رقاص الساعة التاريخية إجمالاـ عوض السوسيوـ/تاريخية ـ علي مواضيع وأساليب وأجناس وتجارب وأحداث، أيضا، وما شاكل، مما يؤلف تربة التجربة الأدبية وسماءها. ثم لنا أن نختلف، بعد ذلك في الفروع التي تحولت، في الحقيقة اليوم، إلي أصول للدرس الأدبي بعد أن بات الحديث عن التاريخ الأدبي والتصنيفات الكرونولوجية والتيمية، عند البعض، لا يزيد عن اعتباره معادا من القول مكرورا. لا نقول بهذا الرأي، فكل أدب فتي، وأدبنا الحديث، في المغرب والعالم العربي علي السواء، هو من هذا الطراز، ولذلك سنحتاج إلي إبقاء زمنيته المخصوصة بالنشأة فالترعرع إلي النضج المأمول تسبح في أفق مفتوح، أو علي الأقل أن تنضوي في أطر ذات طبيعة توافقية متشاركة. الشيء الذي يساعدنا علي إعادة النظر في بعض التصورات والتصنيفات وأنماط التقويم المختلفة كلما استدعي الأمر ذلك، وما أكثر ما يستدعي ذلك فهم الأدب ووعي مراحل تكوينه ونوع تجربته الخصوصية.

وترانا نقول بشيء آخر، أيضا، منطوقه أن تجربة الأدب الحديث في المغرب بمنازعها المختلفة، تؤهله لأن يتمرد علي النسق الزمني المغلق ويصنع له النسق المترجم والراسم، فعلا، لموضوعه ومسار تشكله. ومن غير أن نربط الثقافي بالسياسي ربطا حتميا ـ متعسفا يري غيرنا ـ علينا أن نفهم أنه بمقدار ما يرجع انتزاع المغرب لاستقلاله إلي انطلاق إرادة التحرير، كذلك يعود انتقال أدبنا من إهاباته ومدامكه القديمة إلي اكتساب عبارة ورؤية زمن جديد، أو اجتراح تجربة الحديث، كما يقال بلغة هذه الأيام؛ كذلك يعود إلي الإرتعاشات الأولي والرجفات الخفيفة لأقوال وصور وتصورات ومفاهيم ومنظورات روحها كمنطقها تجديد الصلة بالحياة، وبالمجتمع، وبالمشاعرأو الذات ما أمكن، بواسطة عبارة أخري. إن هناك فاعلا واحدا في الحالتين، وهو قام بدور مزدوج أو مضاعف: فمن حيث اتخذ قراره بكسر قيود الإستعمار ليتنفس في مناخ الحرية، فمارس لهذه الغاية النضال والسياسة، هو، أيضا، قرّرــ في مقام الفقيه، الأديب، الموهوب والوطني، أيضا، بكل تأكيد؛ لا يزيغ عن هذا الهوي إلا هالكــ أن يكسرمن حول معصمه أغلال التقليد فيسلك دروبا ويطرق فنونا مستجدة أقرب إلي شجون نفسه وشواغل زمانه، بمقتضيات عسيرة بلا شك وإن من أجل غاية الحرية السامية. وفي النضال كما في الأدب لا حرية مع الركون إلي الجمود، وإنما هي مرادف الحديث والجديد دائما.

هكذا تلاحظون أننا نرتقي بأدبنا عموما، وبموضوعنا خصوصا، ونحن ننقله من صعيد الوجود البدهي إلي مستوي الحدوث الكيفي، التخصيصي. بعبارة أخري إن القول بصفة الحديث هو حكم قيمة مضمونه فيه، ويملي علي الدارس وبواسطته ما بعده. وفي هذه العجالة نضطرإلي كثيرمن الطي والضم لنذهب مباشرة إلي وضع مقولة التحديث في إطارها الواسع االجهير، والمقرون بالإشــــتراطات الموضوعية لمجتمع ما، والثقـــافية، والأدبيـة التي هي من جنس الموضـــــوع الأصلي، أولا وأخيرا. فهل من الضروري لفت النظرإلي أن الحديث محصلة وغاية ومنال، وهو كذلك مرتــبة تستحق، أي طريق تحفر وتعبّد وتحتاج إلي زمن وتراكم وخصائص كيفـــــية، هي في النهاية ما يحسم لصالحه؛ إن الحديـــــث لا يتأتي في النهاية إلا بتوفر مكوناته وأسبابه، السابقة عليه، الممهدة والمنتجة له. التحديث باختصار صيرورة، هي بالضبط ما انخرط فيها الأدب المغربي منذ ستة عقــود ونيف ووضع خلالها أبناؤه النصوص المؤسسة له، والمكـرسة، بعد ئذ، لأبنيته ومضامينه. هذه التي سيأتي مؤرخ الأدب ودارسه ليحصر متنها، وينظم طرقها وشعابها، ويعين أجناسها، ويعنون دلالاتها. لا غرو أن الأستاذ أحمد اليبوري في طليعة من تصدوا لهذا العمل، الذي هو في الآن عينه رسالة ثقافية وطنية، في بحثه الجامعي الرائد عن فن القصة القصيرة بالمغرب، شق الطريق لرسائل وأبحاث نهضت بهندسة بناء الأدب الحديث عندنا.

إنه بناء كامل حقا ما بتنا نتوفرعليه اليوم، متين، فسيح الأبهاء، مشمس ومقمر وفيه الكثير مما يبهج الخاطر. والأعمال المومأ إليها تسمح بالإطلاع علي المواد التي استخدمت في البناء والفن المعماري لخطته، ويمكن اختصار الأداتين معا: أولا، في الأجناس الأدبية الحديثة القائمة في الأدبين الغربي والروسي، بتقاليدها الطويلة والمتطورة؛ فهي والقوالب الفنية المشخصة والمعاضدة لها، مع الأساليب الناطقة بها، وكذا الرؤي الهاجسة بمضامينها اعتمدت مصدرا وأداة لإحداث النقلة النوعية في الأدب التقليدي، وسوق القول الأدبي نحو أفق التعبير الفني الحديث. ثانيا، في مناخ التغيرالعام الذي راح يطول تدريجيا مرافق الحياة المختلفة، ويضع مياسمه المصطبغة بالتجديد لكيان المجتمع وأنماط العيش الموروثة، مخلخلا ثوابت ومجترحا أسئلة متراوحة بين التشكك في إمكان بقاء أمور الحياة تراوح مكانها وبين الدعوة إلي إعادة النظرفي المسلمات والدفع إلي الأخذ بما في العصر من مستجدات. كلا الأداتين ينضويان في مفهوم ثقافة محدثة، تحديثية، بدأت ترخي ظلالها علي المغرب مع مطالع القرن العشرين تتمازج وتتناوب فيها وارفات الغرب والشرق معا، كما قد تتصادم، وإن حصلت الغلبة لهذا الأخير في الجوانب العقيدية والأدبية والخلقية العامة. ولقد انصرمت عقود الآن علي لحظة انطلاق هذه الثقافة فنما بها تراث نموْنا به وما نفتأ نغنيه: شعر، ونثر، وفكر، وإيديولوجية، وكفاح وطني، ونضال ديموقراطي، وإبداع نأمله دائما مفتوحا علي كل الآفاق. وها نحن نلتقي، وقد بات بوسعنا أن نقول بدون غضاضة إن نصف قرن مضي فعلا علي انخراط أدب بلادنا، العربي فيه، والمكتوب منه بلغات أخري، في مجري التحديث وتغذي من روافده، وبات معلوما بأعلام ومعالم وفنون ومتون ولا يخلو من شجون، أيضا. وقد لا نبالغ إذا ذهبنا إلي القول بأن استكمال دورة زمنية بأقواسها القزحية والمدلهمة في مجتمع ما لا يعدم الصلة باستكمال الدورة نفسها في الإنتاج الثقافي ـ الإبداعي لهذا المجتمع، ما يستوجب، بطبيعة الحال، وقفة تأمل لإعادة النظر في كيفية قراءة هذا الأدب الذي نحيطه اليوم بالرعاية والحفاوة، ما نفعله وحدنا نحن سلالته وأهلوه، غيرة منا علينا، في الوقت الذي لم ترق أداة تدبير الشأن العام بعد إلي رفعة الغيرة علي الإنتاج الرمزي، السامي، للمجتمع. فإن أمكننا بعد إنجاز هذه القراءة فلنصنع، مبدعين أو دارسين، لحظة القطيعة المنتجة، أي بالإنتقال من أدب إلي أدبية أخري؛ لنسمها بتواضع “مغايرة “، كما كان أجود قاص في سردنا، المعلم الراحل محمد زفزاف، يقول بيسر. غرضنا أن نقول بأن الأدب المغربي الموسوم بالحديث ما تم ّ له ذلك إلا لأنه تنضد في قوالب واحتذي تقاليد، واتبع سننا هي لآداب أخري، غربية ومشرقية. فكأنه بذلك انتقل من تقليد إلي آخر، وليس أي تحديث يطوله أو ينزع إليه سوي رؤية سابقة عليه يسعي ما أمكن للإنتساب إلي شجرة أنسا بها التي هي شجرة الحداثة الكبري. ومكونات التحديث، بعد ذلك، عدا المواد والعناصرالمختلفة، الفاعلة في التكوين الجديد، هي قواعد متسقة، وأنساق ممفهمة، وطرائق، رغم تنوعها وتباين وجوهها، مستغرقة في الإحكام والإستواء حتي لا مزيد تقريبا، وإلا فانظرمعي كيف أن قواعد أرسطو في المحاكاة والأنواع الأدبية، مع الضبط المحكم المستخلص من لدن فورستر للوحدات الثلاث في بناء السرد، هي عينها، كل تبدل يتاخمها أويناصبها العداء إنما يؤكد مرجعيتها الأولي بلا منازع؛ من هنا ربما أهمية ورهان أن يكون أو يصبح الأدب كلاسيكيا أو لا يكون. غرضنا أن نستخلص، بعد هذا، أن المعيارية هي التي تحكمت في تبلور مظاهر التحديث في أدب المغرب ــ أحسب أن هذا ينطبق إلي حد بعيد علي الأب العربي كله في مختلف أقطاره، فإن شذ ّ عن ذلك استعصت قراءته علي ذوي الثقافة المعيارية فنبذوه أو استعدوا عليه ــ في الشعر والقص والرواية، وعلي هدي أحكامها غير القابلة للنقض كتب تاريخ الأدب ورصت الإتجاهات والتصنيفات، جاهزة ومنسجمة مع ثقافة نقدية ـ أكاديمية منضبطة ومشذبة حتيالعظم، جاذبيتها إليها لا إلي النص بالضرورة. إن المعيارية بمعني آخرهي النظام، والفن، خلافا لما يتصورالعابثون، المفتقرون إلي ثرّ الموهبة وزادها، هو نظام قبل كل شيء يتشكل من خلائق النص وإواليات تلقيه وذاك ما يصنع التقليد الأدبي، الذي تنضوي فيه، بطريقة ما جميع النصوص، أي في النظام أو تشذ عنه تنزع بالتدريج، ومن باب المفارقة، نحو تقليد مضاد، لكن لا مندوحة له من سلوك هذا الدرب: درب الكلاسيكية الطويل؛ كأنما دون احتذاء خطواته، وركوب أهواله لا يكون الأدب.. أو.. غرضنا، في خاتمة مطاف ما تسمح به المناسبة من طرح وتحليل، أن نقترح عليكم رأينا وملفوظه أن الأدب المغربي، وقد سلخ من عمره ما سلخ، آن له أن يمزق قماط التحديث ليصبح حديثا بذاته، في ذاته، وليحقق تحديثيته، ومنها إلي حداثته، من وحي تجربة خصوصية هي تجربة الجمالية، الإمتحان الضروري لكل أدب كان ليكون، وبعد أن تتلمذ فيه الخلف علي السلف عرفوا كيف يردون الجميل: فبعد إحكام قواعد الإتباع يضعون علي رأس تراثهم تاج الإبداع، وهكذا دواليك. كاتب من المغربهذه الورقة زبدة استهلال ندوة نظمتها رابطة أدباء المغرب في موضوع “مكونات التحديث في الأدب المغربي الحديث”بمشاركة نقاد وباحثين من جامعة محمد الخامس بالرباط، وصدرت أعمالها أخيرا بعنوان:” الأدب المغربي الحديث: معالم ومقاصد” .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية