الأدب: الوعي والفينومنولوجيا

لا يمكن أن ننكر بأي حال من الأحوال بأن مفهوم الوعي قد تجلى بوضوح في فيض من الشروحات، التي تتصل بجملة من العلوم والحقول المعرفية، غير أنه في السياق الفلسفي قد اندرج في خانة النموذج المتعالي، ولكنه سرعان ما عاد إلى تموضعه بين صيغتي الزمن والمكان، تبعاً للتّصورات التي أتى عليها عدد من الفلاسفة بمعزل عن مفهوم الوعي في الدراسات النفسية.
لقد تعرضت الطبيعة المتعالية للوعي إلى انتقادات أهمها من لدن الفيلسوف الألماني إدموند هوسرول (1859ـ 1938) الذي أكدّ على الطبيعة المحايثة للوعي، غير أنه قد أحدث صيغة بدت غامضة – بعض الشيء- عبر تأكيده على مفهومي الظاهرة والقصدية اللتين تأسستا على أن الأشياء لا تحتمل بعدين؛ بمعنى الوجود الظاهر، وما يكمن خلفه. ومع أن هذا التصور بدا قاصراً، حيث تعرّض لجملة من الإضافات والنقد، على يد عدد من الفلاسفة، ولكنه في الآن عينه أطلق فيضاً من نماذج التحليل التي أفادت بعمق من مفهوم الظاهراتية (الفينومنولوجيا) Phenomenology التي أخذت في بعض الأحيان بالانحراف في توجهاتها، ومقاصدها، ولا سيما عما أتى به إدموند هوسرل، حيث بدا الوعي نموذجاً لفهم العالم، وإدراكه؛ مما يجعلنا نقترب من مبدأ التأويل الذي تشكل على يد مجموعة من الفلاسفة منهم هيدغر، وسارتر، وجاك دريدا، وميرلو بونتي، وغيرهم… ففي شروحهم لا نعدم توضيحاً لهذه التحولات والرؤى، كما يوضحها كتاب «مدخل إلى الفلسفة المعاصرة» من تأليف مارك توني، وترجمة الزواوي بغورة.
إن مفهوم الوعي في المتخيل الأدبي يتعلق بقدرتنا على أن ننظر إلى النص بوصفه يحتمل مستويين من الوعي، وهنا لا نريد أن ننساق إلى التوصيف الأفلاطوني، حول ظاهرة الأشياء وحقيقتها، ولكننا معنيون بالنص بوصفه تشكيلاً خطابياً يمتد لنموذج مرجعي، يُعنى بتكوين العالم، ففي النص يتخذ هذا العالم وعي النص المُتخيل، كما يحتشد بالدلالات، ومن هنا، فإننا أمام وعيين، وعي التأويل للعالم وإدراكه، في حين يأتي الوعي الثاني لفهم الصيغة الناشئة من لدن القارئ، الذي يمارس التأويل في مرحلة ثانية، كما يسعى في الآن ذاته إلى التوصل إلى حقيقة هذا العالم المعاين، من قبل الراوي أو الكاتب، أو المبدع عامة، وكلاهما من منطلق التجربة.

إن مفهوم الوعي في المتخيل الأدبي يتعلق بقدرتنا على أن ننظر إلى النص بوصفه يحتمل مستويين من الوعي، وهنا لا نريد أن ننساق إلى التوصيف الأفلاطوني، حول ظاهرة الأشياء وحقيقتها، ولكننا معنيون بالنص بوصفه تشكيلاً خطابياً يمتد لنموذج مرجعي، يُعنى بتكوين العالم.

إن مفهوم الوعي في الصيغ الأدبية أو الإبداعية، يبدو مجالاً حيوياً، وهنا ننطلق من مفهوم الإدراك في مجال النص الأدبي، الذي يتخذ مبدأ التجلي، وعكس الذات في رؤيتها لذاتها، وبناء عليه، فإن النص الأدبي يعدّ وسيطاً يهدف إلى تمثيل فهمنا ضمن نزعة تحليلية للوصول إلى ماهية العالم، ولكن بمعزل عن أن يكون هذا المعنى نهائياً، أو يحدد ماهية الشيء، أو حقيقته المطلقة، وعليه فإن النص يبقى بمعزل عن أي إحالات نهائية أو ثابتة. ربما تأتي مقاربة النص الأدبي بهدف إدراك الوعي المتشكل منه، كي يكون وسيلة تقودنا إلى تمثل نظرتنا إلى ما حولنا، بما في ذلك التاريخ واللحظة الزمنية التي تتجلى فيها خبرتنا وقيمنا؛ كما قدرتنا على التحليل. وهذا يأتي انطلاقاً من هذه الظاهرة التي يمكن أن ننعتها بنصية تتعرض لاختبار الأنا. وبما أن الوعي يتصل بالظاهرة فإنه يقيم وزناً للتجربة، التي يمكن أن نراها في تمثّلات المبدع للعالم، وقدرته على اختزال مفهومه الخاص. ولعل الرواية صيغة فاعلة بوصفها نموذجاً من التّجربة، التي تعكس حقيقة إدراكنا للأشياء، فالحدث السياسي والتّحولات التي نختبرها كالهزيمة، وتبدل المجتمع من صيغة لصيغة كما إدراك الأنا، والهوية، والآخر.. هي ظواهر تتصل بتجربتنا، وبناء عليه، فإن فعل السرد يعدّ القدرة على بناء المعنى، خاصة للوقائع التي نعايشها، مع التأكيد على أنها لا تعني في أي حال من الأحوال قيمة موضوعية مطلقة أو متعالية.
لا يمكن لأي منا أن ينكر بأن قيمتي الزمان والمكان، تعد منطلقاً لتحديد هذه الماهية في النسيج السردي، كونها تشغل حيزاً في توليد الوعي للعالم في سياق التجربة، وبذلك يتصل المكونان، حيث يصبح الإنسان بوصفه الذات، كما الموضوع في المتخيل السردي، ولكننا نعلم بأن ثمة تكويناً وتراكمات من المعاني التي ترى هذا في صيغة أخرى، أو عبر نموذج مؤسلب انطلاقاً من الذات التي تشهد انهيار أحلامها، أو توقعاتها، وتهشّم صورة العالم كما تختزل في المتون السردية التي تعنى بخلق تقاطعها مع العالم على أكثر من مستوى.
لقد قدم الفيلسوف هيدغر نسخة متقدمة من تذليل الفهم الفينومنولوجي، حيث شدد على قيمة المعنى، من منطلق أن الظواهر ليست معطاة أو منجزة، وبناء عليه، فإن قصدية الوعي تتجلى في المعنى، كما يوضح مارك لوني في معرض مساءلته لمقاربة هايدغر، وبناء عليه، يمكن النظر للرواية على أنها مرجل تتفاعل فيه خبرات الذات المبدعة، التي تنشأ من محاولة بناء تجربتها في تكوين صورة العالم، ومنظورها له. إننا نرى هذا على سبيل المثال في شخصية «إلياس نخلة» في رواية عبد الرحمن منيف «الأشجار واغتيال مرزوق» التي تقرأ العالم أو ظاهرة هذا الوجود عبر تجربتها وخبرتها، وما تخلعه عليه من معان تتضامن مع تلك الإضافات التي تأتي من لدن الشخصية الثانية في النص، ونعني «منصور عبد السلام» حيث ينسج العالم بما يتضمنه من خبرات تتصل بالحب، والوطن، والمرأة، والحياة، ومحاولة العيش في تكوين سردي يحتفي بإطلاق نسخة من التأويل لهذا العالم في سرد يتمركز على الوعي الذاتي، وبمعنى آخر (الإنسان) الذي يعدّ مصدر التمثيلات التي تختزل الوجود استجابة لتنظير ميشيل فوكو، الذي يرى أن الإنسان – الكائن التجريبي والمحدود تاريخياً – ربما يعدّ مصدر التمثيلات التي نعرف بها العالم بما في ذلك أنفسنا، وبوصفنا أيضاً كائنات تجريبية.

٭ كاتب أردني فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية