الأدب في خطر للناقد الفرنسي تودوروف: مات الأدب… عاش الأدب!

حجم الخط
0

الأدب في خطر للناقد الفرنسي تودوروف: مات الأدب… عاش الأدب!

أحمد الويزي الأدب في خطر للناقد الفرنسي تودوروف: مات الأدب… عاش الأدب!مع مطلع السنة الحالية، صدر للناقد الفرنسي ذي الأصول البلغارية تزيفيطان تودوروف (1939)، كتاب مهم بعنوان الأدب في خطر ، يقع في حجم صغير لا يربو عدد صفحاته عن خمس وتسعين صفحة. ومع ذلك، فقد أحدث هذا الكتاب ضجة ورجة معرفيتين وإعلاميتين كُبريين، وأفرز ضمن الأوساط الثقافية والنقدية والمكلفة بإعداد وتنظيم البرامج التعليمية الفرنسية، سجالا معرفياً وثقافياً قلّ نظيره في الآونة الأخيرة، لما تضمنه من تأملات نقدية في مسار عملية تدريس الأدب في مؤسسات التعليم الثانوية والجامعية.وإذا كان كتاب الأدب في خطر لتودوروف، يهتم أساساً بالشأن التعليمي العام في فرنسا علي وجه الخصوص، لكونه ينطلق أولا وقبل كل شيء من رصد حال ومآل الأدب في المؤسسة الفرنسية، من خلال منظور بانورامي عابر للأزمنة والأجناس الأدبية والشجون النقدية؛ فإن الأفكار والتأملات التي كَوّنها الكاتب عن واقع وموقع الأدب في المدارس الإعدادية والثانوية، لكفيلة بأن تدفعنا إلي استحضارها والاستفادة منها، في رصد ما يحصل ضمن مؤسساتنا التعليمية، ويتسبب لدينا في خلق أجيال من المتمدرسين المُغَربين والمغتربين، بمختلف شرائحهم وفئاتهم العمرية والاجتماعية، مِمن لا تربطهم بالآداب الوطنية ولا القومية ولا الكونية، أية رابطة معرفية أو ذوقية حقيقية تذكر. ينطلق تودوروف في كتابه الآنف الذكر، من رصد للملامح العامة للدراسة النقدية في المؤسسة التعليمية، والكيفية التي يتلقي بها التلاميذ والطلبة النصوص الأدبية، مؤكداً علي أنها مقاربات صورية مغرقة في التسطيح، تنشغل أساساً برصد بعض التقنيات اللغوية والأسلوبية، بمعزل عن أولوية المعني. وفي معرض تحليله لأسباب هذه الظاهرة، يرجع تودوروف جذورها إلي هيمنة المناهج البنيوية والسيميائية والشكلانية علي الدرس الأدبي، وذلك منذ ستينيات القرن الماضي، وتأثر خريجي الجامعات والمدارس العليا بتلك المناهج. إن هؤلاء وبعدما انخرطوا في أسلاك التدريس المتنوعة، صاروا بفعل تأثرهم بموجات النقد الجديد التي كانت تقليعة معرفية وقتئذ، يهمشون النصوص الأدبية لفائدة غاية منهجية بحتة، وهي التدليل علي صحة ومعقولية المصطلحات والمفاهيم النظرية التي يشتغلون بها علي تلك النصوص الأدبية. وبهذه الكيفية، صار كل من الأستاذ والتلميذ والطالب الجامعي، ينشغلون بالعناصر الشكلية/الشكلانية للنص الأدبي فحسب، بقطع النظر عن النص في ذاته كعالم من المعني، وفي معزل عن كل ما يمكن أن يفضي به إلي الانفتاح إما علي الإنسان أو علي العالم. يقول تودوروف في هذا السياق: يتشبّع التلاميذ في الثانوية بنظرة معيارية مفادها أن الأدب منقطع الصلة ببقية العالم، مكتفين بدراسة العلاقات التي تقيمها عناصر المؤلف الأدبي فيما بينها وحسب. وهو الأمر الذي ـ وما ينبغي لنا أن نشك فيه ـ يساهم في خلق حالة من عدم الاهتمام واللامبالاة المتزايدة، التي يُبديها هؤلاء التلاميذ إزاء المسلك الأدبي في اختياراتهم الدراسية: إذ تقلص عدد المترشحين لهذا المسلك في غضون العقود الأخيرة، من نسبة 33% إلي نسبة 10% من مجموع التلاميذ المسجلين بالشعبة الأدبية برسم الثانوية العامة! وعليه، يغدو من الحري بنا التساؤل عن الفائدة المتوخاة من تدريس الأدب، إن كان هذا الأخير مجرد مادة لإبراز فعالية ونجاعة أدوات التحليل؟! . إن فداحة المعضلة التي يطرحها تودوروف اليوم للنقاش العام، ظلت وما تزال موضوع حديث ذي شجون، تتجاذب أطرافه مجموعة من المثقفين والآباء المتعلمين في فرنسا، منذ ما يربو عن عقود طويلة، مثلما يشير إلي ذلك العدد من المتتبعين، وذلك نظراً لما صار يلمسه هؤلاء الأخيرون من نفور كاسح لدي أبنائهم، إزاء التراث الأدبي الفرنسي والعالمي من جهة، ولما يلح علي تسجيله أولئك المثقفون من غياب كلي لبعض الإضافات الإبداعية الحقيقية القمينة بأن تضاهي المنجز الأدبي للقرن التاسع عشر وبداية العشرين في عمقه وقوته وامتداده الكوني، سواء أكان إبداعاً فرنسياً محضاً أم عالمياً، وهو الشيء الذي يشهد عليه فقر الأدب الفرنسي من حيث الاعتراف العالمي (علي مستوي الجوائز الكبري علي الخصوص، كجائزة نوبل مثلاً!).والملفت للنظر دائماً بشأن الموضوع المطروق اليوم، أنه ظل يستقطب اهتمام المثقفين والمنشغلين بالشأن الأكاديمي في الستينيات، منذ حركة الاحتجاج العارمة التي انتابت الجامعة الفرنسية بعد شهر ايار (مايو) 1968، والتي خلخلت مجموعة من التصورات والمفاهيم والرؤي الفكرية والتربوية السائدة، وأطاحت برئيس الجمهورية آنذاك. ولا بد من الإشارة في هذا المقام إلي طبيعة الندوة العلمية الكبيرة، التي عُقدت بالمركز الثقافي العالمي بسيريزي Cerisy سنة 1969 تحت يافطة دالة هي: تدريس الأدب ، والتي أدار أشغالها يومئذ الناقدان المحسوبان علي ما سُمي في تلك الأثناء بفرنسا، بموجة النقد الجديد La nouvelle critique، وهما: سيرج دوبروفسكي Serge Doubrovsky وتزيفيطان تودوروف نفسه(2).غير أن الجديد اليوم تحديداً، يكمن في أن الذي صدح بفداحة ما حصل في مناهج الدرس الأدبي، ودق علي مسمع العموم ناقوس الخطر المحدق بالأدب، قصد تشريح معضلة التعليم بكيفية عامة، وتفكيك أبعاد الممارسة المنهجية في المؤسسات التعليمية علي وجه الخصوص، وما أودت به من إعراض حقيقي عن الأدب، في أفق تدارك ما يمكن تداركه؛ كان في وقت من الأوقات مسؤولاً بكيفية مباشرة، صحبة ثلة من نقاد فرنسا البنيويين (نذكر منهم: رولان بارث Roland Barthes، وجيرار جينيت Gژrard Genee، خصوصاً)؛ علي بلورة وإذاعة المنهج البنيوي وفلسفته العامة، في دراسة النصوص الأدبية علي المستوي الأكاديمي أولاً، ثم ضمن المؤسسات التعليمية الإعدادية والثانوية لاحقاً؛ وهو المنهج الذي كان يحتفي مثلما هو معروف، بمبني النص الأدبي الدال في معزل مطلق عن أي معني يمكن أن يحيل علي التاريخ أو الإنسان. لكن ماذا وقع بالضبط، حتي داهمت الرجل صحوةُ ضمير مفاجئةٌ، وخرج علي الناس بكتاب ينذر بالخطر المحدق بالأدب، باعتباره ثروة رمزية فاعلة ومنتجة لدي الإنسان، هو الذي إزاء اشتغاله النقدي البنيوي، كان مسؤولا عن وضع البرامج التعليمية من خلال المسؤولية التي اضطلع بها ما يقارب عشرة أعوام، ضمن المجلس الوطني للمقررات التعليمية؟لا بد من الإشارة في متن هذا السياق، الي أن مسار تودوروف الفكري لم يكن نسخة وفية ومتطابقة أصلاً وفصلاً مع مسار المشروع النقدي البنيوي، في لحظات إشعاعه القوية أو الضعيفة، إذ المعروف علي مسار الرجل الفكري والمنهجي، كونه مسار انفصال وتجدد، وليس مسار تحجر وتخشب. فبعد ترجمته الفرنسية لنصوص الشكلانيين الروس في إطار كتاب نظرية الأدب (منشورات السوي Seuil، سنة 1966)، ومساهماته النشيطة في تأسيس وتأصيل المنهج البنيوي، سواء من خلال التأليف أو الإشراف علي أعمال الترجمة في إطار سلسلة الشعرية Poژtique (الصادرة عن منشورات السوي، دائماً) إلي حدود سنة 1979؛ شرع تودوروف يؤسس منذ مطلع الثمانينيات، للخروج من بوتقة البنية المغلقة التي فرضها عليه وفاؤه المؤقت للمنهج البنيوي، من خلال الانفتاح أولا علي بنيوية حوارية تحتفي بعلاقات النصوص الأدبية بالتنوع اللغوي والتفاعل المجتمعي والتاريخي في النص واللغة، وذلك ضمن الكتاب الذي خصصه لدراسة المنجز النقدي الحواري للناقد الروسي ميخائيل باختين ثم بعد هذه اللحظة الحاسمة في التحول الفكري والمنهجي للرجل، يُصدر تودوروف مباشرة سنة 1984، كتابه الموسوم بعنوان نقد النقد ، وبعنوان فرعي آخر هو: رواية في التعلّم ، يعلن فيه ضمنياً عن انفصاله الفكري عن التمثل البنيوي الضيق، ويهيئ من خلاله لفتح فكري غير مسبوق في مساره، هو الاشتغال في الحفر الفكري علي موضوع الغيرية Altژritژ، خصوصاً علاقة الـ نحن (والمقصود بها المركزية الغربية)، بالـ آخرين (والمقصود بهم السكان الأصليون للقارة الأمريكية)؛ لكي تتوالي بعد ذلك اهتماماته المنصبة علي دراسة وتحليل الخطاب الفلسفي والسياسي من منظورات أنثروبولوجية وسوسيولوجية وتحليل نفسية (من خلال كتاباته عن هوبز Hobbes، وميكيافليي Machiavelli ، وغيرهما).إن ما يستفاد من كل هذا الجرد البانورامي السريع، هو أن تزيفيطان تودوروف ظل ناقداً مرناً غير دوغمائي بالمرة، ينبض فكره ومنهجه معاً بروح المغامرة المنفتحة دواماً علي التجديد والاجتهاد، منصتاً لنبض اللغة والمجتمع والتاريخ والإنسان، مساهماً في تجديد الحركية الفكرية للمجتمع الفرنسي والعالمي (إذ لا ينبغي لنا أن نغفل عن كونه قد ساهم بمجموعة من المحاضرات، التي ألقاها في أهم وأكبر الجامعات الأمريكية، وفي بعض المعاهد والمراكز الثقافية العالمية!)، من خلال الانفتاح علي بعض المناهج والأفكار والرؤي الجديدة.وبناء علي ذلك، يمكن تصنيف مشروع تودوروف الفكري والمنهجي باعتباره مشروعاً يحيا ضمن الصيرورة، بمعني أنه يراهن علي التحقق ضمن التحول، وليس علي المنجز الثابت. إنه مشروع يساير نبض التاريخ باعتباره سيرورة في اتجاه التغير، يتميز صاحبه بكونه يمتلك حدساً قوياً وبداهة عقلانية كبري، يمنحانه الكفاءة والقدرة علي التنبؤ والاستباق. ومن هنا فقط، يمكن لنا أن نفهم السياق الفكري الذي قاد الرجل إلي أن يصدع بصيحته المدوية في مسمع الملأ، قارعاً جرس الخطر الذي يتهدد مستقبل الأدب، من جراء العسف الذي يطاله داخل مؤسسات التعليم الفرنسية، التي لا تكترث بالأدب سوي من خلال مقاربات بنيوية وسيميائية وشكلانية مغرقة في التقعُّر، تهتم بالبرهنة علي صدقية ومعقولية بعض التمثلات النظرية ، ذات البعد التقني اللغوي والأسلوبي، بمعزل عن أولوية المعني.لكن هل سيتوفق هذا المشروع المتعدد المشارب والمشارف في مهمة إنقاذ الدرس الأدبي بالمؤسسة التعليمية؟ وهل سيتمكن صاحبه من تقديم قيمة مضافة، يستطيع المدرس والطالب والتلميذ استثمارها عملياً في قراءة الأدب، لتعميق معرفة الإنسان بالوجود؟ ثم ما طبيعة الملاحظات التي قدمها صاحب هذا المشروع الفذ، في شأن الدرس الأدبي في المؤسسات التعليمية الفرنسية اليوم؟لقد انطلق تودوروف في مرافعته التي يتضمنها كتاب الأدب في خطر ، من معاينات وملاحظات ذاتية صرفة، ليعرج بعد ذلك إلي ما هو موضوعي شائع ومشترك. فقد سجل في بداية الكتاب علي شكل صك اعتراف شخصي، بما ظل يعانيه مع أبنائه من معضلات الدرس الأدبي في المؤسسة التعليمية، ما يلي: إنني لم أعمل بالتدريس في السلك الثانوي الفرنسي، كما أن اشتغالي في الجامعة كان عابراً؛ غير أني وبعدما صرتُ أباً، لم أعد أطيق المكوث جامداً وفاقداً للحس، أمام طلبات المساعدة والعون التي كان أطفالي يلتمسونها مني، كلما كانوا مقبلين علي امتحان، أو كانوا مضطرين لتسليم فروضهم المنزلية إلي الأساتذة. والحال أني بدأت أشعر في قرارة نفسي ببعض الخيبة والنَّكد، حتي ولو لم أكن أراهن بطموحي كله في ذلك، بعدما صرتُ أري أن نصائحي وتدخلاتي التي كانت تروم تقديم العون والمساعدة للأبناء، صارت تفضي بهم في نهاية المطاف، إلي نيلهم لعلامات ناقصة، عوض أن تجعلهم يستحقون بالأحري علامات جيدة .لا تؤشر هذه الملاحظة إلا علي طبيعة التعامل البراغماتي والتجزيئي، التي صارت المؤسسة التعليمية تتعامل به مع النص الأدبي. فعوض أن يتم التفاعل مع النصوص باعتبارها عوالم أدبية ثرة، تحمل مضامين فكرية كونية زاخرة بهموم إنسانية كبري، وبانشغالات عميقة في فهم تجربة الوجود في مناحيها المتنوعة؛ يتم بنوع من البراغماتية المدروسة، اجتزاء هذه المؤلفات واتخاذها مجرد مطايا منهجية للبرهنة علي صلابة ومعقولية بعض التمثلات المنهجية، من خلال تجريب مقولات وخطاطات نقدية عليها، وإخضاعها لغايات انتهازية منهجية بحتة، وهو الشيء الذي ولّد لدي عينات من المتمدرسين، نفوراً وإعراضاً واضحين حيال الدرس الأدبي بشكل خاص، وإزاء النصوص الأدبية بشكل عام. وقد عزا تودوروف أصل ظاهرة الإعراض عن النصوص الأدبية، إلي هيمنة النزعة الشكلانية le formalisme، التي صارت تهتم علي الخصوص بنسق اصطلاحي مغرق في المفهمة trop conceptuelle، بحيث يتم إجهاد ذهن المتعلم في عمليات صورية محضة، يتم التنصيص من خلالها مثلا، علي التمييز بين الكناية والمجاز المرسل ، من دون أن يكون باستطاعة ذلك المتعلم، معرفة ولو معني كلمة واحدة من النصوص الشعرية الأساسية، التي يضمها ديوان أزهار الشر لبودلير مثلا. وهكذا يتقلص الأدب في نظر المتمدرسين، في مجرد لعب يتخذ صبغة إجرائية شكلانية صرفة! ، وهو الأمر الذي ساهم وما يزال يساهم في تقديم الصورة المبتسرة والفقيرة وضيقة الأفق عن الأدب، وترويجها علي مستوي المؤسسة التعليمية، الشيء الذي أفضي الي التعجيل بنفور الكثير من التلاميذ والطلبة، وإعراضهم عن المسارات الأدبية في الثانويات والجامعات. يقول تودوروف: … إذا كان الجاهل في درس الفيزياء هو من لا يعرف قانون الجاذبية، فإن الجاهل في درس الفرنسية هو مَن لم يقرأ ديوان بودلير: أزهار الشر . ويمكننا أن نراهن علي أن اسماء كل من روسو وستاندال وبروست، ستبقي مألوفة لدي القراء زمناً طويلاً، بعدما يتم تناسي أسماء منظري النقد الحاليين، مثلما ستتناسي أبنيتهم المفاهيمية . لقد غدت المدرسة إذن، ومن دون أن يعلم المدرسون، المساهم الأساسي والمباشر في قتل الأدب. ففي المدرسة،مثلما يكتب تودوروف، لا نتعلم ما تقوله المؤلفات الأدبية، ولكن ما تنص عليه الفعاليات النقدية . وقد ترتب علي ذلك، ما حصل فعلا ضمن حظيرة الأدب الفرنسي، من فك للارتباط القائم بين الأدب والتاريخ، لفائدة تقوقع هذا الأدب علي عزلته التخييلية المغرقة في الذاتية، وغير العابئة بالتفاعل مع الوضع الإنساني العام في الآن/الهنا (وهو ما تؤشر عليه طبيعة النصوص السردية الفرنسية الطافحة بالانشغال الذاتي، التي سادت منذ ستينيات القرن العشرين والي الآن، والتي تدخل في نطاق نمط سردي يوسم بالتسريد الذاتي auto-fiction) (3).ليست النزعة المغرقة في الشكلانية وحدها هي المسؤولة عن خنق فاعلية وحيوية الأدب مثلما يسجل تودوروف، ولكننا نجد أيضاً نزعة العدمية nihilisme ، وما يسميه تودوروف بنزعة أحادية الأنا Solipsisme ، أي التصوّر الأحادي الذي يري أن الأشياء توجد لذاتها . هذا الثلاثي يهيمن علي المقاربة الأدبية الفرنسية، ويساهم بقدر كبير في التبخيس من قيمة العالم الخارجي بالنسبة للنصوص الأدبية، ويمارس هيمنته علي مستوي مجموعة من المؤسسات، لأن المروجين له يحتلون مواقع مهمة ضمن الأجهزة الإيديولوجية للدولة. فبالإضافة إلي تأثيره علي المدرسة، وعلي مؤسسة الكتابة ذاتها، نجده حاضراً بثقله علي مستوي مؤسسة الصحافة الأدبية ذاتها، حيث لا يتم الاهتمام سوي بالمثالب التقنية للكتابة التي يختارها المبدع فقط ، هذا الأخير الذي يعتبر أن العالم غير مهم بالنسبة إليه، ولا قيمة له فنياً، لأنه بشع وشرير! بيد أن الأدب مثلما يعترض علي ذلك تودوروف، ليس لعباً أجوف بالكلمات، وليس وصفاً لأدق تفاصيل الانفعالات والاضطرابات الخاصة، ولا نعتاً للتجارب الجنسية الخاصة التي لا معني لها ، وإنما هو كشف للعالم . الهوامش:(1) الأدب في خطر La Liژrature en pژril ، تزيفيطان تودوروف، الطبعة الأولي، سلسلة مقهي فولتير، منشورات فلاماريون Flammarion، سنة 2007.(2) تدريس الأدب L’Enseignement de la liژrature ، ندوة عقدها المركز الثقافي العالمي سيريزي Cerisy ما بين 21 و31 تموز/ يوليو1969، منشورات بلون Plon الطبعة الأولي سنة 1979؛ وقد صدرت طبعة ثانية من الندوة مجتزأة ضمن منشورات بويك ديكيلو Boeck-Duculo، سنة 1981.(3) التسريد الذاتي (l’auto-fiction) نمط من الكتابة السردية يعتمد فيه الكاتب/السارد علي لعبة المراوحة بين كتابة السيرة الذاتية والتخييل، الاستذكار والإبداع المتخيل، واعتبار أنا الكاتب/السارد آخر، في بُعد يراهن علي الكوني من خلال جعل الذات جسرا نحو ما هو أوسع؛ من أهم ممثليه في الأدب الفرنسي الراهن: سيرج دوبروفسكي، مارغريت دوراس Marguerite Duras، ميشيل هويلبيك Michel Houellebecq، وغيرهم كثيرون. QMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية