الأدب والمؤسسة لسعيد يقطين: ضرورة تطوير الذهنيات والارتقاء بالقيمة الثقافية

حجم الخط
0

الأدب والمؤسسة لسعيد يقطين: ضرورة تطوير الذهنيات والارتقاء بالقيمة الثقافية

الطاهر الطويل الأدب والمؤسسة لسعيد يقطين: ضرورة تطوير الذهنيات والارتقاء بالقيمة الثقافيةيري الناقد المغربي سعيد يقطين أن المشكلة الجوهرية التي يعاني منها الأدب المغربي تكمن في عدم ارتهانه الي مؤسسة . ويوضح قائلا: ليس معني ذلك أنه لا ينطلق من تصور للمؤسسة، ولكن المؤسسات التي ظل يرتهن اليها كانت في مجملها برّانية عنه، توجهه وتؤثر فيه ايجابا وسلبا وبصورة لا تجعله يضطلع بدوره علي أتم وجه.في كتابه الأدب والمؤسسة الصادر ضمن منشورات الزمن بالرباط، يلاحظ سعيد يقطين أن الأدب المغربي القديم ظلت تحكمه، علي الصعيد الفني، مؤسسة التقاليد الأدبية المتشكلة في المشرق والأندلس، كما أن الأدب العربي في الأندلس ظل مشدودا بدوره الي الأدب العربي في المشرق. ويتابع المؤلف: لقد كان هذا الانتاج، لأسباب تاريخية، يمارس سلطته علي الابداع الذي ينتج في المغرب، واستمر ذلك الي العصر الحديث، بل الي وقتنا هذا. وعلي عكس ما يذهب اليه البعض، لا يري يقطين غضاضة في ذلك، مؤكدًا أن الأدب العربي في المغرب وليد الاتصال بالأدب العربي، وهو امتداده الطبيعي، مثله في ذلك مثل الأدب الأندلسي قديما.ومن جهة أخري، يعتبر المؤلف أنه، منذ بداية احتكاكنا بالغرب، علي الصعيد الأدبي، ونحن لا نأخذ من النظريات والاتجاهات المختلفة سوي نتائجها، وما فكّرنا قط في استلهام الروح العلمية التي يشتغل بها أصحاب تلك النظريات. وبالتالي ـ حسب المؤلف دائما ـ لم يؤد التعامل بالنتائج المستخلصة هناك في الغرب الي تبلور أي تصور علمي للأدب لدي الذين استلهموا سوسيولوجيا الأدب أو علم النفس الأدبي أو اللسانيات، لا يتعدي اسقاط نتائج علي الموضوعات التي اشتغلوا بها.ومن أجل تحقيق ممارسة ثقافية جديدة، يذهب الكاتب الي أن التفكير بممارسة جماعية منظمة ومسؤولة في مجمل القضايا الثقافية والاجتماعية ضرورة قصوي. كما يشير الي أن التحولات الجديدة التي شهدها الواقع المغربي منذ الثمانينيات، فرضت عدة خطابات بدأت تنشط من خلال وسائطها التعبيرية الخاصة، ويحدد تلك الخطابات في: الخطاب الفرنكفوني، الخطاب الخصوصي (الأمازيغي) والشعبوي (صحافة الفضائح)، الخطاب الديني (الأصولي ـ التصوفي)، الخطاب النسائي، مؤكدا أن هذه الخطابات نشطت علي اثر تراجع الخطاب القومي والاشتراكي.ويمضي محللا تأثير هذه التحولات الثقافية علي الأدب، مبيّنًا أن هذا الأخير انطبع بتنويعات جديدة حملت تسميات وتصنيفات مختلفة: أدب الشباب، الأدب النسائي، الأدب الاسلامي، الأدب الأمازيغي؛ ملاحظا أن الصنفين الأول والثاني يتأسسان ـ بالتوالي ـ علي معياريْ السن والجنس، بينما يقوم التمييز في الصنفين الآخرين علي أساس العقيدة واللغة، مما يعني أننا أمام معايير لا علاقة لها بنظريات الأجناس والأنواع الأدبية. ورغم أن المؤلف لا يعترض علي أيٍّ من هذه التصنيفات، ويشدد علي حرية كل كاتب في اختيار التصنيف الذي يروقه ما دام يتحقق وفق زاوية فنية وجمالية، فانه يثير الانتباه الي قضية أساسية يلخصها كالآتي: عندما نكون في مضمار الأدب، اما أن يكون ما نقدمه أدبا جديرا بهذه الصفة أو لا يكون، بصرف النظر عن الكاتب وانتمائه وجنسه ولغة ابداعه.بعد ذلك، يوجه الكاتب نقده لما يسميه الحذلقة (كمقابل لكلمة Bricolage في اللغة الفرنسية) التي يعتبرها هي السائدة علي الصعيد الأدبي. ويقول بهذا الخصوص: عندما ننظر في تجليات هذه الحذلقة سواء في الصحافة الأدبية العربية أو في البحث الجامعي، نجدها وليدة وعي تقليدي تراكم منذ عصر النهضة؛ مفاده أن أي عمل لا ينشد التأثير في وجدان المتلقي لا قيمة له. ويستدل علي ذلك بما هو موجود في كليات الآداب، حيث يلاحظ نفور الطلاب من تحليل النص مهما كان بسيطا وواضحا، ويفضلون الكتابة في الموضوعات العامة. والسبب ـ كما يقول المؤلف ـ يعود الي كون أولئك الطلبة لا يمتلكون العدّة الضرورية للتحليل، وهم عندما يتلقون النظريات النقدية الأدبية، يتعاملون معها علي أنها معلومات للحفظ والاستظهار. والمسؤول عن هذا الواقع هو الوعي التقليدي الذي تراكم في شروط سابقة. فكثير من القراء يصادرون كتبا وأعمالا أدبية مهمة، فقط من خلال ما يُكتب عنها من دراسات غير علمية. وكثيرا ما تتدخل الأهواء والنزعات والعلاقات في الحكم علي الأعمال الأدبية، فتحدد قيما سلبية في التعامل مع النص والأدب. ويوضح المؤلف أن هيمنة الطابع الانشائي في تدريس الأدب بمدارسنا وجامعاتنا تأسس منذ ظهور كليات الآداب العربية، ولم يتم تعديله أو تحويره لفائدة التحليل مع مرور الزمان.والحال أن علاقة الجامعة بالأدب ـ مثلما يبين المؤلف ـ هي علاقة تلقٍّ وبحث لا علاقة انتاج، ومعني ذلك أن ليس علي عاتق الجامعة تخريج أفواج من الشعراء والكتاب والمسرحيين والروائيين… انها تهتم علي نحو خاص بـ النص الأدبي باعتباره ظاهرة ثقافية ـ اجتماعية، سواء في الزمان أو المكان، أي أنها تعالجه من حيث تكوّنه وصيرورته وتطوره. وتبعا لذلك، ترتبط الجامعة بالأدب من خلال ما يسمي المعرفة الأدبية تمييزًا لها عن باقي أنواع المعارف التي تضطلع بها الجامعة في تخصصات أخري ومجالات مغايرة. ويلاحظ أن التطور الذي تحقق علي صعيد المعرفة الأدبية وما تحبل به من ارهاصات قابلة للتحول بناء علي ما يتراكم، يقابله تدن علي مستوي الطالب العلمي، وتدهور في قدراته الشرائية، وعزوف عن التحصيل بسبب غياب الحوافز المادية والمعنوية. ويضيف أن هذا التدهــــور وذاك العزوف لم يقفا عند حدّ الطالب، بل تعدياه الي الأستاذ الباحث الذي يري انسداد الآفاق أمامه.ثم ينتقل الي الحديث عما ينعته بـ الحقيقة المرة ، والمتعلقة بواقع المخطوطات العربية، فيقول: هناك عدد هائل من النصوص التي لا تدخل في نطاق ما يعرف بـ الثقافة العالمة ظلت مغيَّبة ومهمشة، وكثير منها ما زال اما حبيس الخزانات العامة أو الخاصة، وأغلبها ما زال موجودا في المكتبات الأوروبية. ومن العجب أن من يريد البحث الجاد والعلمي الرصين في التراث العربي، عليه أن يكون مقيما باحدي العواصم الغربية، أو عليه أن يتوجه اليها حيث ذخائر من التراث العربي، لا يعرف عنها العربي شيئا. ومن الأعجب أن نطلع علي جزء هام من التراث مترجما الي الفرنسية مثلا، ولا نعثر عليه بالعربية. ويدعو الي تجاوز ما يسميه الوعي التقليدي ازاء التراث، وذلك بالتعرف عليه ودراسته وليس بالمصادرة المسبقة والجازمة، مؤكدا أن هذا الوعي هو الكفيل بجعل المحقق يضطلع بدوره الكامل، ولاسيما اذا تم اعداد المحققين اعدادا جيدا، وتجاوز العمل الفردي في التحقيق حتي لا يبقي نزوة خاصة بالمحقق، وتشكيل لجان للعمل الجماعي تقوم علي الدراية والتخصص، وتضع لنفسها جدولا للعمل، ونصوصا محددة تقوم بترتيبها وتتولي تحقيقها في آجال محددة.وعند تطرقه الي أهمية الترجمة المتمثلة في جعل الشعوب تتفاعل مع ثقافة غيرها ابداعا ونقدا وبحثا، يسجل أن عملية الترجمة في المغرب تتقدم ويضطلع بها باحثون ودارسون قدموا نماذج مهمة من التراث الأدبي النقدي الفرنسي خاصة والانكليزي بدرجة ثانية، ويستدل علي ذلك بتجارب كل من: ابراهيم الخطيب ومحمد البكري ورشيد بنحدو ومحمد معتصم وعبد الكبير الشرقاوي ولحسن حمامة. لكنه يستطرد بالقول ان المشاكل المشار اليها في التحقيق هي عينها التي نجدها في الترجمة، ذلك أن هذه الأخيرة ما زالت هواية مشتغلين بالأدب، وليست عمل متخصصين في مجالات محددة، يترجمون بناء علي خطة محكمة تنطلق من تحديد القيمة التاريخية للنص المترجم ومن ريادته في مجال اختصاص محدد.وعلي العموم، يؤكد سعيد يقطين أن المسألة الثقافية ظلت مغيّبة أو موجهة لغايات سياسية ما، ولم يتم التعامل معها قط باعتبارها قضية انسانية تتعلق بالانسان المغربي أو العربي في حد ذاته. ويقول موضحا: لا يمكن أن تقاس درجات ومراتب المجتمعات فقط بحسب امكاناتها الاقتصادية، وبدون اعتبار رأسمالها البشري. ان العمل الذي يبذله الانسان ليس فقط مجهودا عضليا يساهم في تطوير وتيرة الانتاج أو تسريعها، ولكنه أيضا ـ وقبل ذلك ـ قيمة ثقافية ، وتعبير عن ذهنية. ومن ثمة، يستنتج المؤلف أنه لا يمكن الارتقاء بالذهنية أو تطوير القيمة الثقافية للمجتمع دون ايلاء القضية الثقافية ما تستحق في مختلف المشاريع أو الاصلاحات المختلفة الممكنة أو المحتملة. كاتب من المغربQMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية