الأدب والمنفى

حجم الخط
0

ماريو فارغاس يوسا وترجمة: علال بورقيةفي كل محاورة لكاتب من أمريكا اللاتينية مقيم في أوروبا، ينبثق سؤال محتوم: ‘لماذا تكتب خارج بلدك؟’ في أغلب الحالات، لا يرتبط السؤال بفضول عادي، بل ينطوي على خوف أو عتب. بالنسبة للبعض، فالمنفى الفيزيقي للكاتب خطيرقطعا، لأن فقدان التمّاس المباشر مع كيفية أن يكون ويتكلم،( وهما الشيء ذاته تقريبا) أهل بلده، ينتج عنه إفقار في لغته ويُضعف أو يحرّف رؤيته للواقع. أما بالنسبة للبعض الآخر، فالمسألة حمّالة لمستوى أخلاقي: في اختيار الكاتب للمنفى شيء لاأخلاقي، وبمعنى ما هو خيانة للوطن الأصلي. في البلدان الموسومة بحياة ثقافية رثة أو منعدمة، تعتقد هذه الفئة أن على الكاتب واجب المكوث في بلده والنضال من أجل تطوير أدوات المشهد الثقافي والفني، لرفع المستوى الروحي لوسطه، وإذا أحجم عن ممارسة ذلك، وآثر الهجرة إلى الخارج، فهو أناني، عديم المسؤولية أو نذل (أو كل هذه الصفات مجتمعة).إن أجوبة الكتّاب على السؤال المحتوم تكون عادة متنوعة كثيرا: أعيش بعيدا عن بلدي لأن المناخ الثقافي في باريس، لندن أو روما كما يبدو لي أكثر تحفيزا،أو لأن الهجرة ببساطة تُرضيني (نتحدث هنا عن المنفيين الطوعيين، وليس المُبعدين السياسيين). في الحقيقة، إن كل الأجوبة يمكنها أن تؤول إلى رد واحد: لأني أكتب في المنفى بفعالية أكثر. معنى الفعالية، في هذه الحالة يقتضي أن يُفهم ببعده النفسي، وليس الجمالي. ما يعني ‘بِدَعة أكثر’ أو ‘باقتناع أكبر’. بالطبع، لا نعرف أبدا إن كان ما نكتبه في المنفى هو بمستوى أكثر جودة مما ننتجه في بلدنا الأصلي. أما في ما يخص خشية الابتعاد الفيزيقي للكاتب عن واقعه، في أن يكون مُضرّا على المدى البعيد بعمله الأدبي، فإن الكاتب ذا النزعة الغرائبية بوسعه أن يقول إن الواقع الذي تسرده رواياته يرتحل معه في العالم أينما حل، بدعوى أن أبطاله حاملي الرؤوس الثنائية، ووروده اللاحمة، ومدنه الزجاجية، تنشأ من فنتازياته وأحلامه، وليس من من الاستقصاء الدقيق للعالم الخارجي. ويتابع، أن افتقاده للاتصال اليومي مع لغة مواطنيه لا يُضره البتّة: إنه يسعى إلى التعبير بلغة منزوعة من أي لون محلي، مجردة، دخيلة حتى، شخصية قطعا، ومختلفة ومبلورة ابتداءً من قراءاته.بينما يتوجب على الروائي ذي النزوع الواقعي اللجوء إلى الأمثلة. في الأقل، فيما يتعلق بالأدب البيروفي، من الممكن عدّ مجموعة شهيرة من الكتب التي تصف وجه البيرو وروحه بأمانة وجمال، وهي كتب دبّجها أناس عاشوا في المنفى لسنوات طوال. ثلاثون سنة في حالة ‘تعليقات ملكية’ لإنكا كارسيلاسو، أكثر من عشر سنوات في الأقل، بالنسبة لديوان ‘قصائد إنسانية’ لسيزار باييخو. إن المسافة، في الزمان والمكان لا تفتر ولا تحرّف في هاتين الحالتين ــ ربما هما الأكثر ألقا في الأدب البيروفي ــ رؤية واقع ملموس يبدو محمّلا بشكل أساسي في هذين النصين. في الأدب الأمريكي تبدو الأمثلة أكثر تعددا: بالرغم من أن القيمة الفنية لأناشيد أندريس بيلو قابلة للنقاش، فإن وصف عالم الحيوانات والنباتات كما انثال على مخيلته في لندن، أتى متوافقا مع ما هو موجود في أمريكا. وكتب سارميينتو أهم كتبه عن بلده ــ فاكوندو وذكريات الريف ــ بعيدا عن الأرجنتين، ولا أحد يشكّك في الطابع الوطني العميق لأعمال خوسيه مارتي والمكتوب معظمها في المنفى، ومشاهد الأعراف والتقاليد في روايات بليست غانا الأخيرة، صيغت بعد عقود من وصوله إلى باريس. هل هي أقل أمانة للواقع التشيلي من تلك الكتب التي ألّفها في سنتياغو؟ واكتشف ميغيل أستورياس العالم السحري لبلده في أوروبا، وكتب خوليو كورتاثار نصوصه الأكثر حكيا عن الأرجنتين في باريس.هذا جرد بسيط للأمثلة، ولا يشكل التعداد في هذه الحال دليلا، بل مؤشرا فقط. المؤشر على أن المنفى لا يمثل إجحافا لطاقة الكاتب الإبداعية، وأن الغياب الفيزيقي لبلده لا يفرز ابتذالا، ولا تَلَف رؤيته للواقع المنقول في كتاباته. وكل تعميم في الموضوع يصبح عبثيا. لأنه ليس من الصعوية، أعتقد، الإتيان بأمثلة عكسية كثيرة، تبين كيف في عدد من الحالات، بانزياح كتاب كثر عن بلدانهم يجهضون كمبدعين، ويصوغون كتبا تحوّر العالم الذي يدّعون وصفه. على هذا الإحصاء المضاد ــ نحن هنا مقدما في العبث ــ يتوجب صياغة جواب من خلال نوع آخر من الأمثلة التي توضح أن عددا من حالات الكتاب الذين لم يطأوا أرضا في الخارج، يكتبون برداءة وعلى نحو زائف عن بلدهم. لكن، وهؤلاء الكتاب أصحاب الموهبة المختبَرة الذين يكتبون من دون أن يكونوا منفيين أعمالا لا تعكس واقع بلدهم؟. لم يكن خوسيه ماريا إيغورين بحاجة إلى هجرة البيرو لكي يصور في كتاباته عالما مترعا بالجنيات وأسرار بلدان الشمال (كالبوليفي جيمس فرييري)، وكتب خوليان دل كاسان المقيم في كوبا، عن فرنسا واليابان خاصة. لم يهاجر هؤلاء جسديا، لكن أدبهم يمكن نعته بأدب المنفى، بنفس الدقة أيضا التي نصف بها أدب المنفِيَين غارسيلاسو وباييخو بالمتجذر.كل ما برهنّا عليه هو أنه لا يمكننا التدليل على أي شيء في هذا المجال وأنه بالتالي، لا يُطرح المنفى بالمفهوم الأدبي كمشكلة. بل إنه همّ شخصي يتحدد في مواصفات مختلفة وله توابع متباينة. الاتصال الفيزيقي بالواقع الوطني الخاص لا يفترض شيئا، من وجهة نظر العمل الأدبي: فهو لا يحدد لدى الكاتب التيمات ولا جموح الخيال ولا دينامية اللغة. وينسحب الأمر كذلك على المنفى. يٌترجَم الغياب الفيزيقي للوطن في بعض الحالات، من خلال أعمال تتمثل الواقع بدقة، وفي حالات أخرى عبر أعمال تعطي رؤية زائفة عن هذا الواقع. إن الاقتلاع أو التجذر لعمل أدبي ما، ككماله أو عدمه تماما، لا صلة لهما بالمستقر الجغرافي للكاتب.ومع ذلك تبقى المؤاخذة التي يبديها البعض حيال الكاتب المرتحل قائمة. هل لا يعبّر الكتّاب الذين يهاجرون بلدهم عن انفصال إزاء عالمهم الخاص، وانعدام التضامن في النكبات مع أهل وطنهم؟ هذا السؤال يفترض فكرة غامضة ومستخفة عن الأدب. لا توجد طريقة لدى الكاتب لخدمة بلده سوى الكتابة بصرامة واستقامة كبيرتين. فهو يعبّر من خلال هاتين القيمتين، واضعا موهبته فوق كل اعتبار، ومدبّرا حياته وفق عمله الإبداعي. يكون الأدب موالاته الأولى، مسؤوليته الجوهرية والتزامه الأصلي. إذا كان يكتب بفعالية في بلده، فعليه ألا يغادره، وإذا كان يكتب في المنفى على نحو أفضل، فعليه أن يرحل من بلده. من الممكن أن يُحرم غيابُه المجتمع من رجل خدوم له كصحافي، أو أستاذ أو منشط ثقافي، لكن من الممكن أيضا أن يحرم هذا الصحافي، أو الأستاذ أو المنشط الثقافي المجتمع من الكاتب. لا تتعلق المسألة بمعرفة ما هو الأهم، والأنجع: الموهبة (والأقل أيضا موهبة كاتب) لا تتقرر بمعيار تجاري، تاريخي، أو أخلاقي. من المحتمل أن يكون شاب يافع يتنازل عن الأدب، لكي يكرس حياته للتدريس أو الثورة، جديرا أخلاقيا واجتماعيا بالاعتراف، بدل ذاك النرجسي الذي لا يفكر سوى في الكتابة. بيد أنه من زاوية الأدب، لا يمثل هذا الشخص السخيّ في أي حال من الأحوال نموذجا، لأن نبالته أو وطنيته تشكل أيضا خيانة. أولئك الذين يطالبون الكاتب بنهج معين (ما لا يطلبونه من طبيب مثلا، أو معماري) يظهرون في الواقع ريبة أساسية بخصوص جدوى موهبته. يطلقون أحكاما عن الكاتب من خلال عاداته، أرائه أو سكناه، وليس من خلال المحور الوحيد الذي يتعين عليهم مقاربته، أقصد كتاباته، لأنهم يسعون إلى تقييم نتاجاته الأدبية وفقا لحياته، بينما من المفترض أن يفعلوا العكس تماما. في العمق هم لا يؤمنون بجدوى الأدب، ويخفون ارتيابهم خلف المراقبة المشبوهة (جمالية، أخلاقية، سياسية) لحياة الكاتب. إن الطريقة الوحيدة لرفع هذا النوع من الريبة يكون في تبيان أن الأدب يصلح حتما لشيء ما. ومع ذلك تبقى المشكلة كاملة، بسبب أن جدوى الأدب، وإن كانت بديهية، فهي أيضا غير قابلة للفحص والتدقيق على نحو عملي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية