الدوحة ـ حاوره ـ عبدالله الحامدي: إذا كان النقاد العرب القدامى قد أطلقوا على الشعراء الذين واكبوا عصري الجاهلية والإسلام لقب ‘المخضرمين’، فإن الدكتور أحمد عبدالملك أحد أهم الأدباء والإعلاميين المخضرمين، بين القرنين العشرين والحادي والعشرين في منطقة الخليج العربي، هذه المرحلة التي شهدت تحولات كبرى لم ينجل غبارها بعد حتى اللحظة.
فمنذ أكثر من أربعة عقود ود. عبدالملك يشتبك مع القضايا المصيرية للمواطن العربي من جهة، ومع التحديات المعاصرة للأجناس الأدبية من جهة أخرى، حيث يكتب الشعر والقصة والرواية والمسرحية والمقالة، ولديه نحو عشرين مؤللفا منها.
من مواليد الدوحة 1951، يحمل شهادة ليسانس الآداب من جامعة بيروت 1976، وماجستير الإعلام التربوي من جامعة نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية 1982، ودكتوراة الإعلام والصحافة من جامعة ويلز في المملكة المتحدة 1989، عمل في تلفزيون قطر مذيعا ومنتجا ثم رئيسا لوحدة النصوص والترجمة، فمراقبا للأخبار، كما عمل في الصحافة الورقية، رئيسا لتحرير جريدة Gulf Times ، ورئيسا لتحرير جريدة الشرق القطرية، ثم مديراً للشؤون الإعلامية بمجلس التعاون الخليجي.
فيما يلي حوار شامل لـ ‘القدس العربي’ مع د. أحمد عبدالملك، وحصيلة تجربته الأدبية والإعلامية، عبر أبرز محطاتها:
* لكل كاتب عمل واحد تتمحور حوله أعماله الأخرى، مقولة ربما تتفق معي حولها أو لا، ولكن إذا سلمنا جدلاً بها، ألا ترى أن روايتك ‘أحضان المنافي’ تمثل ذلك العمل الذي قدم تجربتك الإبداعية في أبهى تجلياتها، خاصة وأن هذه الرواية قلبت موازين الرؤية السائدة، فالخليج الذي تحول إلى منفى وحلم مشتهى للعيش الرغيد’لكثير من البشر في العالم، ها هو أحد أبناء هذا الخليج يتحدث عن أحضان أخرى واغتراب معاكس؟
* لا أختلف معك على أن ‘أحضان المنافي’ كانت لي الملجأ والمنفى في الوقت ذاته، ذلك أنها جاءت في وقت عصيب بالنسبة إلي، وكانت أيضاً الرواية الأولى التي بدت ‘جامحة’ بعض الشيء، وغاضبة على الأحوال الاجتماعية والممارسات التي تبتعد عن جماليات الحق والعدل والخير. الاغتراب الداخلي كان هماً هو الآخر.. لدلالاته الخاصة بالفقد العام ودفع قيمة المجتمع التحولي، وانتشار الاستهلاكية المغولة على القيم حتى أصابت هذه الجماليات. نعم ‘أحضان المنافي’ ستبقى العمل الأجمل، رغم تطور تجربتي الروائية وامتلاكي آليات الرواية في الأعمال التالية.
* ثمة مخيلة خصبة تحمل مادة السرد وحمولتها الواقعية في رواياتك عموماً، هل تجد نفسك مضطراً للاتكاء على الواقع دائماً، وإلى أي حد تسعى للتحرر منه؟
* بالطبع لا.. في رواية ‘القنبلة’ الرواية الثانية لي، لم أتكئ على الواقع، وكانت رواية خيالية مائة بالمائة! تماماً كما هو الحال في رواية ‘فازع.. شهيد الإصلاح في الخليج’.. فهي تجسد رؤية استشرافية لما بعد 50 عاماً!؟ نعم مارست التحرر من الواقعية، لأن الواقعية تحوّل الرواية إلى تصوير فوتوغرافي أو نسخة مشوهة عن الواقع، وهذا ما حاولت الابتعاد عنه في أعمالي الأخرى.
النثر الفني
* كنت من أوائل الشعراء الخليجيين الذين كتبوا ‘قصيدة النثر’، منذ ‘رسائل إلى امرأة تحترق’ الموجهة إلى بيروت 1982، والدواوين التالية: (مهاجر إلى عينيك 1992، شيء من الهمس 1993، امرأة الفصول السريعة 2002، مدينة القبور 2007)، لكنك أطلقت عليها مسمى آخر هو ‘نثر فني’، هل كان ذلك تجاوزاً لمعركة الشعر الجديد، إلى الشعر نفسه بأسلوبك أنت؟
* أنا أُسميّ الأشياء بمسمياتها، فالشعر شعر، والنثر نثر، ولا يجوز بأي حال من الأحوال التجاوز في هذا الشأن الأدبي. نحن في العالم العربي نواجه أزمة مصطلحات، وقد يخرج المصطلح عن التعبير عن هوية الاسم أو الموضوع! أعتز بأن ما نشرته اقترب من الشعر النبيل، ولكن كان لدي هاجس فني معين، لم أشأ أن أقع في مصيدة التعريفات بشأنه. فتجد في ديوان ‘وشوشات الروح’ اتجاهاً مختلفاً على طريقة ‘الهايكو’ الياباني، أي القصيدة في سطر أو سطرين! وهي أيضاً مختلفة عن ديوان ‘رسائل إلى امرأة تحترق’ أو ‘امرأة الفصول السريعة’. الخيال يتطور وكذلك الذائقة الفنية، ولا بد من المعاصرة وقراءة التجارب الأخرى وإلا لما خرجنا عن (تابوت التاريخ).
* في مجموعتك القصصية الصادرة أخيراً ‘نوافذ على شرفة الروح’ تذهب بعيداً إلى جهة ‘المسكوت عنه’، على خطى نزار قباني الجريئة في التعرية والكشف عن العلاقة المختلة بين الرجل والمرأة، والتي تعود جذورها العميقة إلى حالة الكبت في عالمنا الشرقي، هذا إلى جانب روايتيك (القنبلة 2006، الأقنعة 2011)، متى تخشى أن تنجرف كتابتك نحو شهية الشهرة استناداً إلى قاعدة ‘الممنوع مرغوب’، خصوصاً وأن كثيراً من الكتاب لجأ إلى (تابو) الجنس ومشتقاته لجذب القراء والأضواء على حد سواء؟
* في ‘نوافذ على شرفة الروح’ اتجاه قصصي موجز، دخلت من خلاله في دقائق إلى أعماق العلاقة الإنسانية بين الرجل والمرأة، حتى أن بعض القراء ظن أن تلك الكتابات من عمل امرأة! نعم، توليفات الجمل تحمل كثيراً من البديع اللفظي الذي اقترب من شعر الراحل نزار قباني، الذي أعتبره ملهماً لبداياتي منذ العام 1968، والبدايات الصحفية عبر مجلة ‘العروبة’ عام 1970، عبر ما أسميه ‘النحت الفني اللغوي’، وهو أسلوب جميل لم تبتعد عنه الكاتبة أحلام مستغانمي في رواياتها ‘عابر سرير’ أو ‘ذاكرة الجسد’ أو ‘فوضى الحواس’، وكتاب آخرون في العالم العربي. كما أنني عالجت قضية الكبت والانتحار الداخلي للإنسان، سواء أكان رجلاً أم امرأة، وهو أعتى حالات القهر وأعنفها، تماماً كما حصل في رواية ‘القنبلة’ التي كانت مأساة في شكل قصيدة حب، كان العنوان إغوائياً، ولقد قصدت ذلك، لأن العالم العربي – وقت إصدار الرواية – كان يعجّ بالاضطرابات والمشاكل، فجاءت ‘القنبلة’ على هيئة انفجار في قلب العاشقة أثناء العملية، وليست حزاماً ناسفاً في وسط الإرهابيين.
انقراض القصة
* كنت قد أصدرت من قبل عدداً من المجموعات القصصية: (الغرفة 405 عام 1997، أوراق نسائية بجزأيها عامي 2001 و2002)، ولاتزال تعود إلى القصة بين حين وآخر، رغم توجهك إلى كتابة الرواية، فيما يرى بعض النقاد اليوم أن فن القصة القصيرة مهدد بالانقراض؟
* أنا أميل إلى أن القصة باقية، رغم الاحتفاء الكبير بالرواية، وأن القصة القصيرة لها مريدوها وأحبابها، وهي أقرب للتعبير عن الحالات أو الومضات السريعة المختصرة، وأعتقد بأن الزخم الذي أعطي للرواية كان سبباً في تحوّل الأنظار عن القصة القصيرة، ولكن يظل كل إنسان منا يحمل قصصاً قصيرة بداخله حتى وإن لم يكتبها. كما أن اشتراطات القصة القصيرة أسهل من تلك الخاصة بالرواية، التي للأسف، لم ينتبه إليها كثيرون ممن أصدر روايات في الآونة الأخيرة.
* ما رأيك بحمّى جائزة بوكر للرواية العربية هذه الأيام؟
* بصراحة .. أنا أتابع ما يجري، والمبدعون يحتاجون إلى مؤسسات تشجعهم وتفتح لهم الآفاق لمزيد من الإبداع، لا بأس في وجود أكثر من جائزة للرواية، وليتنافس المتنافسون، ولا بد في النهاية من أن يفوز مبدع واحد، وعلى الآخرين عدم ‘الزعل’ من عدم فوزهم، كما أن تلك الجوائز فيها من المتخصصين الثُقات الذين يجب أن يُحترم رأيهم. جمهورنا يغضب ويثور أحياناً على هدف’في مباراة، فكيف لا نختلف ولدينا 50 أو 60 رواية؟! الحمّى تحتاج إلى مضادات حيوية مكونة من: الإيثار، المحبة، التسامح، الروح الرياضية.
* قرأت لك مسرحية واحدة (المعري يعود بصيراً) الصادرة 2005، والتي استدعيت فيها صاحب ‘رسالة الغفران’ للعمل في عصر الطفرة النفطية، ورغم أنه يستعيد بصره في المسرحية، إلا أنه يفضل العودة إلى العمى، حتى لا يرى الوضع المأساوي الذي آل إليه العرب بعد مجدهم الحضاري، ألهذا الحد أنت يائس؟
* ‘المعري يعود بصيراً’ هي المسرحية الوحيدة المطبوعة، والتي للأسف لم تأخذ حقها في المسرحة، لأسباب أجهلها رغم قوة المسرحية ودلالاتها وإسقاطاتها على الواقع الثقافي والاجتماعي في العالم العربي، ولكن كانت لدي مسرحية أخرى في السبعينيات هي ‘نادي العزوبية’ التي أخرجها المخرج السوداني كمال محيسي، وكانت الفكرة لمحمد العلي. كما توجد لدي مسرحية أخرى لم تظهر للنور حتى الآن وهي ‘بلقيس’، حيث استحضرت ملكة سبأ لتقود عملية السلام في الشرق الأوسط! وآمل أن تخرج إلى النور قريباً. من ناحية أنا يائس؟! أبداً.. ولكن كلما حاولنا التفاؤل يأتي الغد بمنغصات أكثر عنفاً وكآبة! أما قال الأجداد: الأولون لم يتركوا للآخرين شيئاً؟ وهو مثل خليجي مُعرّب، لأن موازين الحياة مقلوبة، وتفضيل المعري العودة إلى العمى، إشارة رفض واستهجان لواقع العرب، الذي لم يكن يريد أن يشاهده، بالطبع، أنا لستُ يائساً رغم الجراحات التي اجتاحت القلب والروح.
طقوس الكتابة
* بين مجموع الأشكال الأدبية الإبداعية: الشعر، الرواية، القصة، المسرحية، المقالة.. أي منها الأقرب إليك، وكيف تأتي لحظة الكتابة؟
* هنالك أشكال إبداعية ‘مُنهكة’ رغم جمالها وديمومتها وأثرها مثل الرواية. لأنها تحتاج إلى وقت وبيئة مخصصة واسترسال وجنون أيضاً! بحيث أن الكاتب ينقطع عن أهله، ويعايش شخوص الرواية ويحاورهم ويتقمص أدوراهم. أنا أكتب القصة القصيرة جداً (صفحتين) في عشر دقائق! لأني مرتبط بمجلة أسبوعياً، وتعتمد هذه الكتابة على الخيال. وقد تبدو أقرب إلى من الأشكال الأخرى. أما كيف تأتي لحظة الكتابة؟ فإنها تأتي بدون موعد، وبدون استئذان، أحياناً أكتب في المطار، وأحياناً في مقهى، وأحياناً أجلس وأخصص وقتاً للكتابة كما هو الحال في المقال الأسبوعي. المبدع الحقيقي ليست لديه طقوس محددة، أو ساعات منبهة كي يكتب أو يستيقظ من سباته، إنه شمعة متقدة تحترق حتى تفنى.
* تتنبأ في روايتك اليوتوبية – المستقبلية ‘فازع شهيد الإصلاح في الخليج’، التي صدرت عام 2009، أي قبل عامين من بدء ثورات الربيع العربي (2011)، بانهيار مجلس التعاون بعد أربعين عاماً (2050)، هل كان سيناريو الراوية الصادمة سيختلف كثيراً لو أنك تكتبها الآن؟
* تنبأت في رواية ‘فازع.. شهيد الإصلاح في الخليج’ قبل ثورات الربيع العربي بسقوط مملكة من ممالك الخليج، وحدوث ثورة تصحح الأوضاع، وتقود البلاد نحو الديموقراطية المدنية. لقد حصلت حوادث بعد عامين من إصدار الرواية في المنطقة، فما بالك لو انتظرنا إلى أن نكمل 50 عاماً؟! الرواية كانت صرخة تحذيرية من خلل التركيبة السكانية، وانفراد الحاكم بالرأي، وعدم وجود مؤسسات المجتمع المدني، وهي من مقومات الدولة الحديثة. أما عن اختلاف سيناريو الرواية لو كتبتها الآن، فبالطبع ستكون هنالك مقاربات مع ما جرى في العالم العربي، وربما يكون عنصر التنبؤ ‘المغامر’ أقل، مع وضوح الصورة في بلدان الربيع العربي.
الصحافة والأدب
* يحلو للروائي ماركيز أن يتغزل بأجمل مهنة في العالم (الصحافة)، حتى بعد تجاوزه الثمانين حولاً، هل تراها كذلك، أم أنها تستنزف كثيراً من وقت الروائي – الصحافي؟
* نعم الصحافة تستنزف الكثير من الوقت، خصوصاً إن كان الصحافي يكتب في أكثر من جريدة أو أكثر من تخصص، أما فيما يتعلق بتجربتي الخاصة فأرى أن الكتابة للصحافة تقتل الكثير من اللمحات الفنية للكتابة الأدبية، وتجعل من الكاتب (روبوتاً) يصارع الوقت من أجل إيصال المقال إلى الجريدة قبل أن يأتيه الاتصال بعدم وصوله؟! الكتابة الصحافية مغرية وتجعلك وسط الأحداث وتنمي لديك ثقافة التواصل، كما تحقق للصحافي (الأنا) الإيجابية المتواجدة وسط الأحداث، ولكن لكل شيء ثمناً!
* أعرف أنك مغرم بالتلفزيون، وقضيت فيه أكثر من 28 عاماً، بين مذيع ومسؤول عن الأخبار.. هل من شوق جديد إلى التلفزيون؟
* بطبيعة الأحوال تتغير الظروف والمفاهيم.. أنا فعلاً قضيت أكثر من نصف عمري في التلفزيون، وأسهمت دولتنا الفتية في صقل مواهبي، فأرسلتني إلى بريطانيا وأمريكا للتعرف على أحدث تكنولوجيا الاتصال، خصوصاً في مجال التلفزيون، ولكن تغيّرت الظروف وقُطعت عليّ الطريق’نحو خدمة الأجيال الجديدة ممن انضم إلى العائلة الإعلامية. أعتقد أن مبادئ التلفزيون، خصوصاً الإعداد والتقديم، يجب ألاّ تُمس، لأن هذا علم، إضافة إلى كونه فناً! وأتمنى من كل قلبي أن تتم الاستفادة من الخبرات الإعلامية القطرية في التدريب، كما أنني لم أبتعد كثيراً، فقد مارست التدريس في جامعة قطر (قسم الإعلام) أكثر من 18 عاماً، وأشرفت على عدة دورات تخصصية بالتعاون مع جهاز تلفزيون الخليج. وأصدرت 8 كتب في الشأن الإعلامي. العمل التلفزيوني مرهق ومشوق، وهو مثل المصباح عندما يلامس جسد الفراشة! وكثيرون من الذين انقطعوا عنه لم يكونوا فرحين، ولكن حتميات الحياة تفرض أسئلتها الصعبة.. وأحياناً لا نستطيع إطلاق عصافيرنا في السموات الفسيحة، كما نفعل في الشعر والنثر.
* جديدك؟
* جديدي .. رواية ‘الموتى يرفضون القبور’، وأتمنى أن تظهر هذا العام لأنها ستكون منعطفاً جديداً لاتجاهي الروائي، بالإضافة إلى مسرحية ‘بلقيس’ التي أشرت إليها، وأيضاً كتاب عن ‘مجلس التعاون الخليجي’، الذي يحتوى ما كتبته منذ العام 1984 وحتى اليوم عن مجلس التعاون، أي خلال ثلاثين عاماً.