عمان-“القدس العربي”: وقف المواطن الأردني عدنان الروسان متحمسا وهو يتحدث عن ما حصل في البناية التي يسكنها غربي العاصمة عمان، عندما قررت السلطات فرض الإغلاق الشامل على منطقته السكنية على أمل التمكن من محاصرة وفحص السكان بعد ظهور مئات الإصابات في ذلك الحي.
الروسان كان يتحدث أمام “القدس العربي” مع أحد مفتشي وزارة الصحة في الشارع العام ويبلغه بعبثية الإعلان مسبقا وقبل يومين عن عزل منطقة أو بناية في العاصمة.
لدى الروسان كمواطن وجهة نظر مبنية على تجربة ومفارقة ساخرة، فهو وجميع السكان بعد إعلان عزل الحي حملوا ما تيسر من أغراضهم الشخصية وغادروا المنطقة إلى منطقة أخرى في العاصمة أو في المحافظات هربا ليس من فيروس كورونا ولكن من الحظر والعزل.
يبدو أن المشهد هنا أقرب إلى فنتازيا، فالتعليمات لدوريات الشرطة الموجودة على بوابة العمارة السكنية لا تقضي بالتدخل في الأهالي لأن مداخل الحي مغلقة.
باختصار المشهد أقرب إلى لعبة القط والفأر، فالمواطن عندما تقرر السلطات عزل بنايته أو حارته يراوغ ويحاول الالتفاف فيرحل إلى عقار آخر يملكه أو إلى منزل مختلف يستطيع البيات فيه إلى أن يعلن فك العزل.
وقف رجل الشرطة عمليا عاجزا عن التصرف وعلى الأقل في تلك المنطقة تبرز مفارقة إضافية، فرجل الأمن الذي ترك عائلته لحماية الصحة العامة يكتشف فجأة انه يحرس حجرا وليس بشرا، لان البشر تسللوا إلى مناطق أخرى غير معزولة وبطرق خبيثة أحيانا.
هذه الحكايات لا تنتهي في الحالة الفيروسية الأردنية. فعندما كانت السلطات تعلن عزل مدينة أو محافظة، في اليوم التالي كان المواطنون يتسللون بكثافة وبدون فحص إلى مناطق مجاورة وغير معزولة على نحو أو آخر.
وحصل شيء مماثل بالنسبة لماجد الأعور الذي يقطن في مخيم البقعة للاجئين الفلسطينيين، فعندما أمهلت السلطات أهالي المخيم 48 ساعة قبل عزله، نشط المتكسبون لأرزاقهم والعمال في توفير مكان خارج المخيم للمبيت فيه أو ناموا في مقرات وورش أعمالهم وأحيانا في سياراتهم مع ان فيروس كورونا لا يميز بين المناطق ولا علاقة له بالجغرافيا.
السبب الرئيسي لهذا النمط من الاحتيال على الذات عند المواطن هو أن الحكومة وهي تعزل تخفق في توفير البديل في الرزق والخدمات.
والنتيجة درسها الحكام الإداريون في وزارة الداخلية وأرهقت فرق الاستقصاء الطبي. فعدد كبير وبعشرات الآلاف من أهالي مدينة إربد ناموا عند أقاربهم في الأطراف والقرى عندما عزلت مدينتهم.
يحصل ذلك طوال الوقت، والارهاق كبير على مؤسسات الأمن وتحديدا مديرية الأمن العام التي تقوم بواجبها بصمت وبدون كلل أو ملل. لكن قواها تستنزف أحيانا وكوادرها قد لا تكفي لحراسة كل المناطق في العزل والحجر لكنها تكفي تماما إذا لم تتضمن واجباتها حراسة “جهل المواطن”. النتيجة صحيا ووبائيا عبثية أيضا وما يحصل جراء هذه المطاردة الغريبة هو أن حامل الفيروس في المناطق المصابة وباختصار شديد يتسلل إلى مناطق غير مصابة.
وهو من الأسباب التي يرجح الخبراء أنها قلصت من فعالية أطقم الاستقصاء الوبائي وساهمت في نمو وتوسع وانتشار الفيروس لاحقا ضمن مستويات مرهقة جدا بدأت تخيف وتقلق وزير الصحة الدكتور سعد جابر وكل السلطات الطبية وحتى السيادية.
المعنى هنا أن سياسات العزل قد لا تبدو منتجة في بعض الأحيان.
لكن البحث سياسيا وأخلاقيا وشعبيا عن السبب قد يكون مرهقا أكثر، فالأزمة تعبر في هذه الجزئية على نحو أو آخر في رأي السياسي مروان الفاعوري، عن أزمة ثقة ومصداقية مع المؤسسات.
لكنها تعبر بالمقابل عن قدرات المخيلة الشعبية على المراوغة والاحتيال وتعكس عناصر الجهل العام بخطورة فيروس كورونا.
فعندما أغلقت السلطات صالات الأعراس والحفلات بدأت تلك التجمعات والاحتفالات تنظم سرا على أسطح البنايات أو داخل المنازل.
وعندما أغلقت السلطة المساجد لأسباب صحية أقام مواطنون الصلوات الجماعية وبدون وقاية في الحواشي والساحات والأزقة.
ووسط جدال في مستوى التفكير الاجتماعي السياسي بعد التعمق في هذه السلوكيات ومحاولة تفسيرها، يمكن التوصل إلى نتيجة تختصرها تلك العبارة الساخرة جدا التي يطلقها دعاة التشدد في الإجراءات الصحية عبر المنصات والتي تقول “الرهان بعد الآن على وعي الفيروس”.
وفي الوقت نفسه صعب جدا عزل أزمة المصداقية وظهور تخبط وعشوائية وأخطاء في مسيرة الحكومة عن مثل تلك النتائج والتي تعبر تماما عن أسباب ما حصل في موجة الفيروس الثانية الصاخبة والتي تقرع كل أجراس الأردن الآن.
لكن هذه النمطية في التحليل يمكن أن تضاف لها أيضا سلسلة التخبط والعشوائيات والارتجال في الكثير من قرارات الحكومة، لان الإعلان المفاجئ عن الحظر الشامل والإغلاق في عدة محطات انتهى بازدحام شديد جدا في الشارع، وعلى أبواب المخابز والمحلات التجارية وفي الساعات القليلة الأخيرة قبل سريان الإغلاق أو الحظر، وأيضا في الساعات الأخيرة التي تلت ذلك. والإشارة هنا حسب الخبراء أيضا تدلل على عدم وجود خطة وطنية أفقية نضجت في الحوار مع المؤسسات المدنية والمجتمعية المعنية بالقطاعات التجارية والتموينية.
وهي نفسها الحوارات التي طالب بها “القدس العربي” عدة مرات المختصون والمعنيون وعلى رأسهم رئيس غرفة العاصمة عمان خليل الحاج توفيق، والذي عمليا وطوال أزمة كورونا “بُحَ صوته” وهو يطالب بالتشاركية والتشاور مع أطراف الإنتاج والمعادلة بالسوق وبعمق المجتمع.
وهنا افلتت الكثير من التفاصيل جراء رعونة بعض لجان خلايا الأزمة أو قلة خبراتها في إدارة أزمة من هذا النوع على حد تعبير وزير الإعلام الأسبق راكان المجالي، الذي حاول تذكير “القدس العربي” مؤخرا فقط بأن ما حذر منه الجميع من أصحاب الخبرة في بداية أزمة كورونا هو عمليا ما حصل اليوم.
اقتباس
المواطن عندما تقرر السلطات عزل حارته يرحل إلى حي آخر