الصراع مع الحكومة يستقطب المعتدلين حول بني ارشيد
عمان ـ “القدس العربي” ـ بسام بدارين: يميل بعض قراء الاسطر المخفية في الاردن الي الاعتقاد بان رئيس الوزراء معروف البخيت بهجومه الشرس الاخير علي المطبخ الاخواني وقيادة الحركة الاسلامية اشتري ضمنيا المزيد من الوقت بعد ان اوشكت حكومته علي دفع ثمن حالة الفوضي التي اجتاحت الانتخابات البلدية. وعلي مدار الثلاثة ايام الاخيرة اجتهدت كل الدوائر في محاولة فهم استراتيجية البخيت وهو يوجه عمليا الانذار الاخير للحركة الاسلامية موحيا باجراءات محددة يترقبها الجميع الان في عمان وعلي رأسها اتخاذ قرار جريء وعنيف بحل جمعية الاخوان المسلمين مما سيقود الي غرق الجميع في السيناريوهات والتكهنات. ونظرية شراء البخيت لوقت اضافي له ولحكومته تجد اذانا صاغية عند كثيرين ممن يحاولون الوصول الي تصور وفهم حول ما جري ويجري في البلاد بعد شن اعنف هجوم حكومي مرصود منذ نصف قرن ضد اهم واعرض تيار سياسي شعبي في المملكة. وظروف التوقيت توحي بتعزيز هذا السيناريو، فقد وجه البخيت انذاره الشديد عبر وكالة الانباء الرسمية ويعتقد بان مكتب الرئاسة هو الذي طلب الحوار الصحافي مع مدير الوكالة رمضان الرواشدة، وليس العكس مما يعني بان البخيت يريد ان يقول ضد الاسلاميين ما قاله حرفيا وفي التوقيت الذي يناسبه. ومضمون هجمة البخيت الغريبة علي التيار الاخواني يوحي بان الرجل ولسبب او لآخر قرر تكتيكيا عبط الملف وحمله ضد الاسلاميين، رغم انه ليس المسؤول الوحيد عن برنامج اقصاء الاسلاميين واستهدافهم، الامر الذي قد يساعد الرجل في البقاء لفترة اطول في حكم الرئاسة بعد ان اصبحت التضحية بالحكومة من بين الاحتمالات التي تروج لوقف حالة الصدمة والجدل التي اجتاحت جميع الاوساط بسبب ما حصل في انتخابات البلديات التي شهدت الكثير من الفوضي ونتج عنها العشرات من الاسئلة المعلقة وابرزها تلك التي تخص تصويت المؤسسة العسكرية والزج بها في اطار معركة سياسية، كما قالت عشرات المقالات التي حفلت بها الصحافة المحلية. ووفقا لهذا المنطق في التحليل، فالتضحية بوزارة البخيت اصبحت اكثر صعوبة اذا ما قررت المؤسسة انهاء الجدل العام والقاسي ومعالجة الشروخ الاجتماعية التي نتجت عن الانتخابات عبر الوصفة التقليدية الممثلة باسقاط الحكومة وعلي اقل تقدير يمكن القول بان البخيت وفي حالة تنحيته الان عن الحكومة سيتحول الي شهيد سياسي بعد ان ذهب لاقصي مسافة ممكنة في الدفاع عن خيارات الدولة في احتواء ومواجهة ما يسمي بخطر المعتدلين الاسلاميين. وعلي نحو او اخر وبعيدا عن القراءات التي قد تكون خاطئة يمكن القول ان البخيت وبذكاء واضح وبعد هجومه المعاكس الشرس علي الاسلاميين، محذرا ومتوعدا وضع نفسه في بؤرة وعمق الحدث مما يقلص هوامش المناورة امام خصومه ومنافسيه الراغبين في اسقاط حكومته داخل اضيق مساحات القرار والرجل المعني الان في وضع متحكم قد يساعده في البقاء لفترة اطول ما دام فرد عضلاته السياسية ضد الاسلاميين واستعد لاكمال مشوار المواجهة معهم علي النحو الذي اثار استغراب المراقبين والرأي العام معا. مقابل ذلك يساهم خطاب البخيت المتشدد في شراء وقت اطول من وقت الحكومة لخصم الرئيس العلني الشيخ زكي بني ارشيد الذي يمثل خطا لا يلغي الحكومة وبعض الدوائر المفصلية في المطبخ الاخواني. ويقال في هذا الصدد ان نخبة من الشخصيات الاخوانية كانت تخطط للاطاحة داخليا بالشيخ بني ارشيد باعتباره الرمز الابرز في توتير العلاقة مع السلطة، لكن الاطاحة بالرجل في عملية داخل مؤسسات الاخوان اصبحت الان اصعب بكثير بعد ان مارس الرئيس البخيت هجوما مباشرا علي الرجل وزاد في اتجاه تحذير قادة الاخوان واستسهال التشكيك بهم قائلا بان القيادة الطارئة لحزب جهة العمل اختطفت الجماعة الاخوانية. وعليه حصل الشيخ بني ارشيد وبسبب الخطاب المتوتر للحكومة ولرموزها ولاعلامها علي المزيد من الوقت المجاني في الواقع حسب الرؤية التي يطرحها الان كبار قادة الاخوان والحركة الاسلامية فكبار المعتدلين الذين لا يمثلون خط الشيخ بني ارشيد مستعدون للتحرك ضده داخليا لكنهم في كل الاحوال لن يهجموا علي مواقعه في ظل الخطاب الحكومي الاقصائي المتشدد ضد كل مؤسسات الحركة الاسلامية. وبهذا المعني شكل خطاب الحكومة المتشنج والشخصاني الي حد ما اطار حماية من نوع خاص للنهج الذي يمثله الشيخ بني ارشيد لان الاخوان المسلمين بالعادة لديهم اليات للتخلص من القيادات التي تسبب لهم اشكالات مع النظام والحكم بشرط ان يحصل ذلك بعيدا عن اجواء الخطاب التحريضي، الامر الذي يعني ان خطاب الحكومة ضد الشيخ بني ارشيد خدمه في الواقع الموضوعي واطال في عمره واشتري له المزيد من الوقت اذا كان رئيس الوزراء قد خطط بدوره لشراء المزيد من الوقت لوزارته.
وثمة قرائن تثبت بان الحكومة قدمت خدمة العمر للشيخ بني ارشيد ولنهجه فالمطبخ الاخواني الذي لا يعتبر بني ارشيد مؤثرا فيه اضطر للتصدي والرد علي خطاب البخيت وبعض ابرز قادة الاعتدال في اجنحة المؤسسات الاخوانية ردوا علي قسوة الحكومة بقسوة مماثلة لم تصدر حتي عن الشيخ ارشيد نفسه وهو ما فعله نائبه الدكتور ارحيل الغرايبة الذي يصنف باعتباره ابرز معتدلي الجبهة حيث صدر عن الرجل بيان طرح فيه ردا علي البخيت شعارا يقول بان احدا في العالم لا يستطيع القضاء علي الحركة الاسلامية، رافضا أي مزاودة علي حقيقة ان الاخوان المسلمين جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والوطني للدولة والمجتمع والنظام والمؤسسات في الاردن. وحتي الان تحتاج نظرية شراء الوقت لآليات اختبار فبعض التسريبات كانت تتحدث عن قرارات متوقعة تطيح ببعض الرؤوس البارزة التي تتحمل مسؤولية فوضي الانتخابات البلدية، خصوصا وان البلاد علي اعتاب انتخابات برلمانية لها علاقة بصورة الاردن الحضارية ولها علاقة بسلسلة من المساعدات الاقتصادية الدولية التي تقاس في بعض الاحيان علي اساس البوصلة الديمقراطية.