في بداية الفيلم الأردني “فرحة”، تجلس البطلة ورفيقتها على أرجوحتين في حرج أخضر في فلسطين الـ 1948. تقضي فرحة أيامها في قرية شاعرية، تحلم بالدراسة في مدرسة المدينة وتقضي وقتها بقراءة القصص. مع نهاية الانتداب، حين تمر قافلة جنود بريطانيين من جانبها، تنهض فرحة ورفيقتها، تركضان وتهتفان بغضب: “برا! برا!”.
في ذروة حبكة الفيلم، يظهر الجنود والمجندات الإسرائيليون من خلف ثقوب في المبنى الحجري الذي تختبئ فيه فرحة، يذبحون نساء وأطفالاً بوحشية في منتصف الشارع، وإطلاق نار من مسافة صفر. وقبل ذلك، يفتشون إحدى النساء تفتيشاً مهيناً ويحرصون على تحقير واحد من رجال القرية. لاحقاً، ثمة رضيع نجا من النار يتركونه على الأرض حتى الموت.
المخرجة الأردنية دارين ج. سلاّم، تدعي اطلاعنا على ما حصل في تلك الفترة. في نهاية الأسبوع، احتجت على “الهجمة الإعلامية الإسرائيلية”. غير أن القصة -حسب شهادتها- تستند إلى فتاة تدعى رضية، فرت إلى سوريا قبل أكثر من 70 سنة. وعلى حد قولها، التقت رضية بأمها حين كانت صغيرة، وروت لها ما حصل معها.
وعندما كبرت الأم نقلت رواية ثانية، بدورها اجتازت بضعة تعديلات قامت بها المخرجة في أثناء كتابة السيناريو. المساحة المخصصة لـ “الحرية الإبداعية” هنا لا تنتهي. حين يصعب تبرير الإرهاب الداعشي للفلسطينيين في الحاضر، يقررون العودة إلى الماضي بتصوير معادلة أخلاقية زائفة.
الغضب الذي أثارته “نتفليكس” بعد قرار رفع الفيلم إلى منصتها في الخارج، يذكر قليلاً بجوهر هتاف “فرحة” نحو القافلة البريطانية. نوع من صرخة انكسار على العالم، فيما أن مصير المعركة كان قد حسم.
تم تصوير الفيلم الأردني في 2019 وبث قبل سنة. وحقق منتجوه حتى الآن جوائز دولية، وعرضوه في مهرجانات حول العالم من كندا وحتى السعودية. تقدم الأردن به كمرشح من جانبه في احتفال جوائز الأوسكار. ومؤخراً، حين علم أن الفيلم يصل إلى منصة “نتفليكس” ومسرح في يافا بقرار بثه، استيقظ الوزراء في إسرائيل. ما سبب ذلك؟ ربما ليسوا معتادين بعد على التحريض في عالم السينما العربية، التي لا تفعل فيهم شيئاً غير هز الكتف بلا مبالاة. فقبل ثلاث سنوات فقط، ثارت عاصفة إعلامية في إسرائيل عقب الفيلم المصري “العبور”، الذي يعرض جنوداً إسرائيليين يقتلون جنوداً مصريين باستمتاع. ومنذ ذلك الحين بث غير قليل من الأفلام من هذا الصنف.
هكذا يحصل حين لا يثير فيلم أردني معاد آخر انفعال أحد. فمندوبو الدولة واصلوا التوقيع على وثائق تفاهم في لقاءات احتفالية لمشاريع تنقذ الأردن من خطر الجفاف، كل ذلك في الوقت الذي تتجول فيه مخرج أردنية حول العالم وتصورهم كقتلة رضع.
والملك عبد الله؟ ربما يعرب عن قلقه من دخول هذا السياسي أو ذاك الحكومة. من الشائق معرفة ما كان سيقول لو أن فيلماً إسرائيلياً كان يعرض جنوداً أردنيين في زمن أحداث أيلول الأسود يقتلون فلسطينيين.
بقلم: شاحر كلايمن
إسرائيل اليوم 5/12/2022