بسام البدارين عمان ـ ‘القدس العربي’: لولا شجعان الحراك الشعبي الأردني السلمي لما تغير الواقع الموضوعي في البلاد حيث تلهث طبقة المسؤولين والسياسيين يوميا وراء مطالب الحق التي يرفعها الشارع وهو يؤشر على عيوب وأخطاء فادحة في النظام لا أحد يستطيع نكرانها بما في ذلك رموز النظام وعلى رأسهم رئيس الوزراء الجديد المستشار والقاضي الدولي عون الخصاونة.
وهذا اللهاث يشكل بحد ذاته الإشارة الأكبر على ‘حيوية وديناميكية’ إستجابات النظام السياسي ودوائر وغرف القرار لكن بالمقابل لم يعد حتى أعتى الناقدين والمعارضين ينكر الوجه الأخر لأزمة الداخل الأردني المتمثل في محاولة إستغلال هذه المرونة التي تظهرها مؤسسة القرار لأغراض لي الذراع أحيانا وتحقيق مكاسب فردية او غير شرعية أحيانا أخرى.
الأمثلة على ذلك تكاثرت في الأونة الأخيرة وبدأت بحد ذاتها تؤثر على سمعة ومقاصد ونوايا الحراك السياسي الشعبي المنظم وثمة من يقول في صفوف المعارضة اليوم بأن عبقرية شريرة للغاية داخل بعض مفاصل النظام هي التي تغذي ثقافة إنتهازية تحاول إستغلال الربيع العربي وإنعكاساته لإنتاج مسافة آمان يمكن أن يعبر منها الفاسدون عبر توسيع مظاهر الكراهية الإجتماعية لبعض مظاهر الحرك والوصول لنقطة صدام تستغلها الطبقة التي تقاوم التغيير والإصلاح داخل النظام بين المجتمع هذه المرة وبين الفلتان الناتج عن ضعف هيبة الدولة في زمن الربيع.
وهنا يراقب الأردنيون كما يلاحظ الناشط السياسي محمد خلف الحديد مؤشرات القلق المتنامي على صعيد ظاهرة العنف الإجتماعي، فعندما قررت حركة ‘ذبحتونا’ الشبابية التي تعني بالشارع الطلابي تسليم مذكرة لرئاسة الحكومة تتحدث عن العنف في الجامعات قابلها أحد مسؤولي مقر الرئاسة بسلوك غير ديمقراطي فأقفل سماعة الهاتف ورفض إستلام المذكرة وهدد بقمع إعتصام لاحق.
وهنا يرى المراقبون مثالا حيا على مسننات داخل ماكينة القرار إما تجتهد أو تعاكس التعبيرات السلمية الحضارية المعترضة بطريقة فجة وتعسفية في الوقت الذي تقدم فيه الحكومة تنازلات مقلقة للغاية لكل مظاهر الإنفلات والعنف في الشارع بما فيها تلك التي لا تتقدم بطالب سياسية إصلاحية جماعية.
وعلى نفس المسطرة سار الأمر مع الإسلاميين الذين يعارضون بدون إبتزاز وببرنامج واضح وعلني يمكن محاسبتهم عليه.. هؤلاء زورت الإنتخابات ضدهم وتعرضوا لمضايقات وحشروا في زوايا ضيقة لصالح إمتيازات لنخب محلية غير مسيسة سرعان ما إنقلبت على النظام برمته عند أول منعطف.
يعني ذلك – يشرح الحديد – بأن ماكينة المؤسسة تعاقب عمليا أصحاب التعبير السلمي الحضاري الواعي وتكافىء المنفلتين في الشوارع والطرق الدولية فإذا لم تكن تلك أقرب وصفة لإستراتيجية خالية من الحكمة فما الذي تعبر عنه؟
واليوم يقلق الجميع في شوارع الأردن من مظاهر العنف التي توازي في صخبها الإجتماعي والأمني الحراك السياسي وتفوقه أهمية فقبل يومين أغلق الطريق الدولي مع الجنوب بعد إحتجاج نحو مئة شاب من إحدى العشائر على عدم إعادة تسجيل أراض يقولون انها خصصت للمستثمرين وبصعوبة فتحت قوات الدرك الطريق قبل إقفالها من طرف آخر فيما تعرض نائب في البرلمان يمثل المنطقة نفسها للضرب ودخل المستشفى بعدما حاول تهدئة أقاربه الغاضبين. والغاضبون هنا لديهم حجة فقبل أيام فقط خضعت الحكومة امام إعتراض مماثل لعشائر أخرى وقبل ذلك بأشهر أطلق الرصاص في إحدى المناطق قبل وقت قصير من عبور موكب رسمي لنفس السبب وخضعت الدولة ووزعت قطعا من الأراضي.
وسابقا أفرجت السلطة خلافا للمألوف عن مجموعة ممن إعتبرتهم هي مخالفين جنائيين للقانون لإن أقرباءهم قطعوا الطريق العام في إحدى المناطق ولم يتم لأسباب سياسية القبض على مطلقي النار على مصانع لمستثمرين وخضعت الحكومة وقامت شخصيا بالإشراف على مراسم تشييع ودفن وتغسيل وتكفين شاب توفي أثناء إحتجازه على هامش تحقيق رسمي.
وفي السلط أطلقت زجاجات المولوتوف على قوات الدرك وتعطلت المدينة لخمسة أيام بسبب خلافات عشائرية بين شبان صغار السن ومراهقين حطموا لخمسة أيام هيبة الأمن والسلطة في مسألة لا علاقة لها بالربيع العربي ولا حتى بأي مطالب سياسية وإصلاحية من أي نوع.
الملف فتح على مصراعيه فثمة ثقافة اليوم تقول: إحرق إطارات وإقطع الطريق وفرصة حصولك على ما تريد هي الأكبر.