الأردن: حادثة المدرج الروماني كشفت تكلفة مكافحة الإرهاب علي الحريات .. وحوار وسط الحكم حول الدور الإقليمي الجديد
مواجهة فكرية عالقة ما بين خصخصة الجهاد وقوننة الحوقلة والبسملة في المساجد:الأردن: حادثة المدرج الروماني كشفت تكلفة مكافحة الإرهاب علي الحريات .. وحوار وسط الحكم حول الدور الإقليمي الجديدعمان ـ القدس العربي ـ من بسام البدارين: اضاءت حادثة المدرج الروماني وسط العاصمة عمان تلك المساحات المسكوت عنها في الجدل الداخلي تحت عنوان الارهاب ، فاستراتيجية حكومة عمان الجديدة واضحة ولا لبس فيها وتقوم علي لعب دور اقليمي ودولي تحت اطار مكافحة الارهاب بعد ان ضعفت هوامش التأثير الاقليمية امام السياسة الاردنية وحتي العربية بسبب فوضي الامريكيين الخلاقة.ولذلك لم تعد استراتيجية المؤسسة الامنية الاردنية دفاعية فقط بل لقائية في غالب الاحيان وهجومية في بعض الاحيان وهي استراتيجية تعلن بكل وضوح وشفافية حربها علي الارهاب وسعيها لملاحقة رموزه وتنظيماته وعلي رأسها القاعدة وفي اي مكان في العالم، وتحت هذه اللافتة يصاغ بهدوء دور الاردن الاقليمي المتجدد فمكافحة الارهاب مساحة مناسبة للفعل والتأثير والنفوذ.ومن هنا يمكن القول ببساطة شديدة بان صانع القرار الاردني الذي تقلصت هوامش تأثيره في المعادلة الفلسطينية وشقيقتها العراقية استطاع اعادة انتاج الدور حاملا عنوان مكافحة الارهاب خصوصا وان هذا العنوان ليس غريبا عن عمان فهي مشتبكة علنا وقبل غيرها مع اسامة بن لادن والزرقاوي والتنظيمات الاصولية والمتطرفة ومشتبكة حتي مع التنظيمات السياسية الاصولية التي يمكن ان تحتضن الارهاب من وجهة نظر اردنية او يمكن ان تبرره.وعمان بهذا المعني تركت مساحات التردد واندفعت باتجاه استراتيجيتها وفلسفتها وكان التجاوب ضروريا من قبل سلطتي التنفيذ والتشريع في الداخل مما برر تعديلات جذرية علي قانون الارهاب وقوانين اخري مثل الافتاء والوعظ والارشاد وبشكل يثير الجدل ويغير الاوضاع القائمة التي طالما شكلت قطارا للتعايش بين مؤسسة النظام والحركة الاسلامية.والامر بطبيعة الحال ينطوي علي مجازفة تقول السلطة انها محسوبة ويقول معارضوها انها ليست كذلك، ففيما تجمع نخب السلطة وحتي النخبة السياسية في اغلبها علي الخطوات التي تم اتخاذها لتحصين الجبهة الداخلية من الافكار المتطرفة، فيما حصل ذلك لا يوجد في الواقع اجماع شعبي او حتي اجتماعي علي هذه الخطوات.وثمة ادلة علي ذلك، فالتيار الاسلامي في البلاد لا تعجبه سياسات الحكومة في الاطار والاحزاب السياسية بما في ذلك الوسطية لديها تحفظات تخص التشريعات التي تقررت مؤخرا، ومؤسسات المجتمع المدني تصف منذ اسابيع قارعة جرس الانذار خشية تأثر حريات الناس الفردية والسياسية والتعبيرية جراء الدور الاقليمي الجديد ومتطلباته التشريعية في الداخل.ولا يقتصر الامر علي ذلك، فبعض الاصلاحيين والليبراليين من الذين ملأوا الدنيا ضجيجا بعنوان برنامج الاصلاح والتغيير لديهم مخاوف مماثلة ايضا ويتصورون بان الاسترسال في منهجية صارمة تمس في الطريق بالحريات الاساسية او تضع قيودا علي التجربة الديمقراطية.. هذا الاسترسال سيعزز حضور المتطرفين وسيمنح ذرائع للمتشددين وسيقود في النهاية لتزايد نفوذ التيار الاسلامي الذي حاولت الحكومة وتحاول منعه من النمو.ويمثل الاصلاحي البارز مروان المعشر جزءا من هذا الرأي فهو يري بان غياب التعددية الحقيقية والاصلاح يضع بين يدي الاسلاميين اوراقا رابحة كما ان وضع قيود قانونية بشكل غير مدروس بهدف احباط التيارات الاسلامية قد يأتي بآثار عكسية.وفي الواقع يفسر رأي من هذا النوع مستوي الجدل المتنامي حتي داخل مجموعة الادارة والقيادة الضيقة في صناعة القرار، فمضي الحكومة قدما بخططها التشريعية لا يقابل بارتياح عند جميع افراد الطبقة التي تحكم والمخاوف تتزايد من احتمالات حصول اجواء معادية للحرية بسبب مظاهر التشريع الحكومية التي تحاول ضبط الايقاع الداخلي.وفي هذا السياق عززت حادثة المدرج الروماني النقاشات الساخنة واظهرت تلك الانقسامات في الرأي وبالرغم من ان مطلق النار في الحادثة علي السياح الاجانب ليس عضوا في مجموعة منظمة الا ان اطلاق فرد مواطن النار بهذه الطريقة يعكس احباطات لا بد من الوقوف عندها وتأملها خصوصا في ظل اوضاع اقتصادية متردية واسعار مرتفعة وفوضي امريكية في العراق ومجازر اسرائيلية في لبنان وفلسطين.هذه العملية وكما يقول المحلل السياسي الاسلامي حلمي الاسمر اظهرت وجود قطاع خاص مجاهد، فمطلق الرصاص وسط عمان القديمة مواطن عادي وفقير واب لخمسة اولاد تكفل من تلقاء نفسه بتدبير العملية، والمفارقة كما يشير الاسمر ان الجهاد الخاص من هذا الطراز ممكن ومتاح في اي وقت وفي الواقع لا يمكن مقاومته عبر مسار واحد فقط لجأت له الحكومة هو تقنين الحوقلة والبسملة داخل المساجد ودور العبادة.اقتراحات الاسمر بسيطة وشاركته فيها عدة مقالات واقلام ظهرت في الصحافة الاردنية وتتمثل في مواجهة سياسية وفكرية وثقافية مع ثقافة التطرف المتغلغلة في المجتمع، وعمان تشهد يوميا مثقفين وسياسيين واعلاميين يصرخون مطالبين برؤية سياسية وايديولوجية تتحرك بالتوازي مع الرؤية الامنية والرؤية التشريعية علي الاقل بحيث لا تبقي الساحة حكرا علي البعد الامني او التشريعي.وقد قيل مثل هذا الكلام علنا وعلي طاولة القصر الملكي من جانب العديد من الحريصين علي الاستقرار الاجتماعي، وتحديدا عندما قفز ملف الازمة مع الاسلاميين الي الواجهة، فالكاتب الصحافي عريب الرنتاوي قال عدة مرات بأن مواجهة نفوذ التيار الاسلامي لا يمكن ان تكون ملفا امنيا فقط، وآخرون تحدثوا بنفس الاتجاه وعلي رأسهم الامين العام لحزب جبهة العمل الاسلامي الشيخ زكي سعد الذي يقترح فكرة بسيطة قوامها ان الاخوان المسلمين كتنظيم جماعي معتدل هم القناة المنتجة الوحيدة التي يمكن استخدامها لاحتواء التطرف والتشدد.